"ليزن" تتحدى المحظور وتعلم رقص الباليه في إقليم كردستان العراق

تعتبر الموسيقى والباليه من الفنون الجميلة والراقية التي ترسم وجها آخر للحياة بأسلوب ولغة وتقنيّة جديدة يسهل فهمها من قبل المتلقّي، فرقصة الباليه ترفض العنف وتنشد الصفاء والتناسق مع الذات والسلام مع الآخرين، ولابد من رعايتها والاهتمام بها لكونها أحد أوجه الثقافة الحضاريّة المعاصرة في زمننا هذا، وقد اهتم العراق بهذا الفن منذ زمن حتى اعتبرت مدرسة بغداد أقدم مدارس الباليه في المنطقة ولا تزال تمارس نشاطها رغم رفض المتطرفين الفن بصفة عامة والرقص بصفة خاصة، تليها مدرسة السليمانية في إقليم كردستان التي جاهد أصحابها لتأسيسها ونجحوا إلى حد ما في إرساء تقاليد هذا الفن التعبيري رغم رفض المجتمع.
الأربعاء 2016/08/03
تناغم الأجساد والموسيقى

السليمانية (العراق) - تعلم دوران رقص الباليه وحركات أخرى تتصل بالفن التعبيري من بين الدروس التي تتعلمها فتيات صغيرات في مدرسة للباليه بمدينة السليمانية في كردستان.

فالفتيات يصعدن إلى مسرح في دار عرض مُستأجرة في المدينة الكردية في إطار مدرسة خاصة للرقص اسمها ليزن، وتعني الرقص باللغة الكردية.

وافتتحت المدرسة منذ سنوات لكنها اضطرت لإغلاق أبوابها بسبب الاضطرابات في البلاد وموجة الانتقادات التي وجهها لها رجال دين إسلاميون ينظرون إلى الباليه باعتباره مخالفا لأحكام الشريعة على حد قول مديرة المدرسة، رغم أن للأكراد رقصاتهم الجماعية التي يؤدونها في الأعراس والمناسبات كعيد النيروز.

وقالت روبار أحمد مديرة المدرسة، وهي مصممة رقصات ومعلمة رقص أيضا، “تمكنا من فتح مدرسة للباليه في 2008 بعد أن حصلنا على تصريح من وزارة التعليم بحكومة منطقة كردستان.. وعملت المدرسة لمدة ست سنوات قبل أن تضطر لإغلاق أبوابها. وخلال تلك السنين شاركنا في مهرجانات عديدة في عدة دول بينها ألمانيا ولبنان وهولندا وحصلنا على عدد من الجوائز والشهادات”.

وتضيف روبار أحمد (37 عاما) خريجة أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد أنها سعت جاهدة، منذ إنهاء دراستها العام 1992، إلى تأسيس مدرسة للباليه في إقليم كردستان بعد أن تلقت، بالتزامن مع دراستها في أكاديمية بغداد، دروسا في الرقص.

وتتابع “وقررت الأخذ بتجارب ومناهج دول مثل فرنسا وأميركا وإيطاليا لتأسيس مدرسة، وفي العام الحالي حصلنا على موافقة الحكومة”.

مدرب رقص: المجتمع الكردي مجتمع عشائري لا يتقبل فكرة أن يدرس أبناؤه الباليه، لذا فإن عدد الطلبة لا يزال قليلا

وأوضحت أنه “لم يكن فن الباليه ذا شأن في إقليم كردستان قبل سنوات، حتى شرعت إحدى طالبات أكاديمية الفنون الجميلة قسم المسرح بطلب تأسيس مدرسة للباليه في السليمانية تعنى بتربية جيل يحب هذا الفن ويهتم به، لكن هذه المدرسة رغم الموافقة على تأسيسها لا تزال تفتقر إلى الكثير من المقومات الأساسية لنجاحها وديمومة عملها”.

وعن فكرة تأسيس المدرسة أوضحت أحمد “أنها جاءت بالصدفة حين لاحظ أساتذتها في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد وجود صفات جسدية مميزة فيها تصلح لأن تكون راقصة باليه، ما دفعها إلى دراسة هذا الفن وتعلمه والاستفادة لاحقا من المناهج والنظام الداخلي لمدرسة الموسيقى والباليه العراقية في تأسيس مدرسة باليه السليمانية”.

مدرسة تتحدى المتطرفين

يمكن للتلميذات في مدرسة الباليه أن يتعلمن الباليه الكلاسيكي والرقص المعاصر. وتتيح المدرسة الالتحاق بها لطالبات تتراوح أعمارهن بين ست سنوات وأكثر من 50 عاما.

ويلفت بشتوان رفيق، أحد المدربين في مدرسة باليه السليمانية، إلى “أن المجتمع الكردي مجتمع عشائري لا يتقبل فكرة أن يدرس أبناؤه الباليه، لذا فإن عدد الطلبة لا يزال قليلا ولا يلبي الطموح”.

المدرسة الوحيدة التي تستقطب الأطفال

وأضاف “أن الباليه فن راق وهو خليط من فنون عدة؛ المسرح والموسيقى والنحت، ويجب أن يتوفر في الطلبة المتقدمين للدراسة في هذه المدرسة الحس الفني والرغبة وحب الباليه لكي يتمكنوا من الاستمرار في التعيلم، لدينا مشكلات في الكوادر التدريسية والمدربين”.

وأوضح “هذا الفن حديث العهد في الإقليم، إذ لا توجد معاهد أو أكاديميات لتخريج الكوادر، نسعى إلى بناء جيل يكون نواة لمستقبل فن الباليه في إقليم كردستان العراق”.

وحول ملاحظات المجتمع الكردي المحافظ تجاه رقص الباليه غير المألوف، تقول إحدى الراقصات “ربما تكون الملابس غريبة نوعا ما، وكذلك الرقص بهذا الشكل على المسرح، لكن نحن نعبر عن مأساة الإنسان ويجب أن يفهمها ويتقبلها الشعب الكردي”.

وتستوعب المدرسة مبتدئات وكذلك راقصات لديهن خلفية رسمية ويأملن في استئناف تدريبهن. وتقول روبار “إن مدرسة الرقص لها رحلة صاخبة وعادة ما تكون تحت مجهر رجال دين إسلاميين متشددين”.

وأضافت “كمؤسسة تعليمية مُعترف بها رسميا نجحت المدرسة في تقديم فن الباليه لجميع الناس من مختلف الجماعات في كردستان. لكن بعد ست سنوات بدأ عدد من رجال الدين في مهاجمة هذا النوع من الفن زاعمين أنه محرم، مما أجبر وزارة التعليم على إغلاق المدرسة بنهاية عام 2014”، لكن روبار أحمد لم تستسلم في مواجهة الانتقادات المتزايدة وواصلت عملها كمجموعة باليه خاصة وأنشأت مدرسة ليزن.

وقالت “على الرغم من ذلك لم أتوقف أمام إغلاق المدرسة وبدلا من ذلك تابعت كمجموعة باليه خاصة تشارك في مهرجانات بالخارج وتجذب المزيد من الطالبات”.

وأوضحت أن ما يزيد على 600 طالب حضروا دروسا في المسرح، موضحة أن معظمهم من الفتيات لأن العادات الاجتماعية تحظر على الأولاد الذكور تعلم الفن التعبيري.

وأضافت مديرة مدرسة الباليه في السليمانية “سوء الفهم السائد بأن هذا الفن للبنات فقط يمنع الذكور من الانضمام إلى الجماعة، أضف إلى ذلك التقاليد والعادات الاجتماعية التي تسهم بدورها في ابتعاد الذكور عن هذا الفن. وهذا يوضح سبب وجود أربعة أو خمسة أطفال ذكور فقط في مجموعتنا مقارنة بـ60 وأحيانا 65 طفلة. آمل أن يتحلى المزيد من الصبية بالشجاعة الكافية لتحدي هذا الفهم والانضمام إلى المجموعة”.

ويدفع كل طالب 600 ألف دينار عراقي (50 دولارا) شهريا لصرفها في دفع إيجار القاعات وقيمة استهلاك الكهرباء والماء وثمن الأزياء.

إصرار في وجه العراقيل

على الرغم من ضعف التمويل ومحدودية الموارد تحرص روبار أحمد على رعاية المواهب من الفتيات مثل طالبة الباليه ديا شوان. وهذه المدرسة هي الوحيدة من نوعها في السليمانية وتأمل روبار أن تحظى بشهرة مماثلة لشهرة مدرسة الباليه في بغداد.

بالي بنفس كردي

ويؤكّد المختصون أنّه من الضروري جدا أن يشجّع الآباء أبناءهم على تعلم الموسيقى والعزف والتمرّن على الآلات، إلى جانب هوايات أخرى بدءا من سن الطفولة، نظرا إلى قدرتها على تنميّة الإدراك والإبداع وتحقيق التطوّر الذهني والفكري والعاطفي والبدني لديهم أكثر من أيّ نشاط آخر قد يمارسونه في حياتهم حتى دخولهم المدارس والمعاهد والكليّات.

ولأنّ الموسيقى هي اللغة المشتركة بين الشعوب، فالكل يتقنها ويفهمها، وممارستها من الضرورات التي لابد منها، لأنها تساهم في تنمية قدرات الأفراد الحسية والذهنية والفكرية والجسدية، وتوسع مدارك الطفل، وتحفز التعامل مع الجمال، لكونها التمثيل الواقعي للطبيعة وأصواتها.

وفي السليمانيّة خطت مدرسة ليزن لرقص الباليه خطوات على هذا الطريق، وعلى الجهات المعنيّة أن تقدّم الدعم اللازم لهذه المدرسة، لكونها تمثّل وجها حضاريا لهذه المدينة العريقة التي عرفها العالم بأدبها وثقافاتها المتنوعة على مدى العقود.

ومن الجدير بالذكر أن مدارس الباليه في إقليم كردستان وعموم العراق تعد الأقدم في منطقة الشرق الأوسط، إذ أن مدرسة بغداد للموسيقى والباليه، وهي مدرسة متخصصة في فنون الموسيقى وتدريس فن رقص الباليه، تم تأسيسها في بغداد، العراق عام 1969، وقد كانت ولا تزال المدرسة الوحيدة التي تستقطب الأطفال من المرحلة الابتدائية وصولا بهم إلى المرحلة الإعدادية ضمن قسمي الدروس التربوية الاعتيادية والقسم الفني للدروس المتخصصة في الموسيقى والباليه.

ولسنوات عديدة كان المدرسون أغلبهم من مسرح البولشوي في روسيا وحضروا خصيصا إلى العراق لتعليم فنون الباليه والموسيقى، أما في الوقت الحالي فجميع أفراد طاقم التدريس من العراق.

وأسس هذه المدرسة عدد من الموسيقيين والموهوبين منهم الموسيقار منير بشير والسيدة أكنس بشير، وهي عراقية من أصل روسي.

وبرعاية الأميرة بسمة بنت طلال، عملت أكنس على جمع كل من منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) والاتحاد العربي للموسيقيات وممولين محليين لرعاية المدرسة ومساعدة الفنانين الشباب لدراسة الموسيقى في سلام.

20