ليست الروايات وحدها ما يثير القراء المغاربيين

كرائحة خبز الأمهات وهو يخرج من تنور الصباح، وأغانيهن البربرية الجميلة التي يدندنها من وراء منسج الحياة بأصواتهن المبحوحة المجروحة المحمولة على أكتاف التمايز وجناح الرياح. تتلبس بِنَا رائحة بعض النصوص المتفردة ونتضمخ بعطر بعض الكتب السحرية التي قرأناها خلال سنة من التفكير والتدبير والتنوير والعزلة والجنون والغيوم والهطول والتسكع تحت زخات الأدب والمطر. “العرب” استطلعت آراء كتاب وشعراء من مختلف الأقطار العربية حول سنة من القراءة، هذا العطر الباقي والمتلبس بنا.
الأربعاء 2016/12/28
القراءة عادة يومية (لوحة فنية لخوان غريس)

القراءة تستفزنا وتسكن ذاكرتنا المثقوبة رغما عن كل هذه التفاهات والحروب والدمار والعنف الذي يعشش فينا ومن حولنا، وتغمر مسامنا وأنوفنا رغم رائحة البارود. ربما هي نفس رائحة “العطر” اللذيذ لباتريك زوسكيند، وربما هي سحر وقوة حجر المدخل وعجائبية شخصية ناكاتا والقط كامورا في رائعة “كافكا على الشاطئ” لهاروكي موراكامي.

وربما هي في تكثيف ومجاز وبلاغة درويش، ربما هي في جنون شخصيات بوكوفسكي، أو في حلاوة “كذب” جاك دريدا، ربما هي في لامنطق الصوفية في “منطق الطير” لفريد الدين العطار النيسابوري، حيث أنه في كل هذه المتناقضات مجتمعة تظل أبواب السؤال مشرعة.

وقود العقل

تقول الكاتبة التونسية آمنة الرميلي “أقرأ دائما، أقرأ بلا توقّف، أقرأ بلا حساب أحيانا، أو على حساب أشياء أخرى في برنامجي اليومي. ولكن وسط هذه الكثرة تبقى بعض العناوين راسخة في الذاكرة، فاعلة في النفس، متحرّكة في وعي قارئها وحتى في لاوعيه. على امتداد هذه السنة 2016 قرأت العديد من الكتب سواء العربية أو الأجنبية، منها الروايات والدواوين والمجموعات القصصية، ولكن أغلبها كانت كتبا مختصّة، بحوثا في الأنتروبولوجيا والفلسفة والنقد الأدبي.

ولو نظرت إلى قائمة العناوين المقروءة لاخترت ‘العشق والكتابة‘ للباحثة رجاء بن سلامة. وهي دراسة أكاديمية في نصوص العشق في الأدب العربي القديم شعرا ونثرا. وقد فكّكت فيها الباحثة الظاهرة العشقيّة في شعر العشق، كيف رسمها الشعراء في نصوصهم وكيف ارتسمت في وعيهم اللّغوي وبأيّ صورة وقع اقتراحها على الجمهور المتلقّي؟ قيمة هذه الدراسة كونها حاولت القطع مع المسلّمات المعروفة في الشعر الغزلي العربي من مثل الغزل العذري والغزل الإباحي، أو شعراء البدو وشعراء الحضر، وكلّ ما حفّ بقراءة شعر العشق من أخلاقيّات وإسقاطات دينية واجتماعية وغير ذلك”.

القارئ يجب أن يكون قناصا يهوى صيد الكتب في غابة داغلة من النصوص الإبداعية والقراءة فعل وجود وحياة

يلفت الكاتب الليبي محمد الأصفـر إلى أنه قرأ عام 2016 عدة روايات عربية، ولكنه يأسف لكونها لم تعجبه، فمعظمها روايات تشتغل مسبقا كي تتحول إلى مسلسل تلفزيوني أو فيلم، أو تفوز بجائزة تطلب في حيثياتها مثل هذا النوع من الروايات الجاهزة، كما يرى الأصفر، الذي يشير إلى أن كتاب السيناريو حاليا مستاؤون جدا من مثل هذه الروايات التي لم تترك لهم هامشا كي يبدعوا.

ويتابع ضيفنا “لا أرغب في ذكر بعض أسماء الروايات، لأن الأمر لا يستحق إشعال معركة حول أعمال رديئة، ورغم ذلك مازلت أقرأ كل ما يصل إلى يدي من روايات. أقرأ ولا أتمتع، ولا أتأثر، بل أضحك وابتسم، وأهرب بعد قراءة أي كتاب لا يعجبني، إلى كتاب آخر سبق أن قرأته وأعجبني. منذ شهور أرسل لي الكاتب التونسي خالد النجار عبر البريد عدة كتب، هي قديمة، لكنها تستحق القراءة مرارا، منها كتاب مختارات من قصص تشيخوف الذي ظل يلازمني في حقيبتي كلما دخلت مقهى أخرجه وأقرأ منه العديد من القصص التي سبق أن قرأتها مرارا، فيعتدل مزاجي. لذا ففي سنة 2016 لم تشدني الكتب، لكن شدتني بعض صفحات الفيسبوك”.

ويضيف الأصفر “وأنا أشد الرحال إلى معرض فرانكفورت للكتاب، قبل المعرض اتصلت بالكاتب والمترجم العراقي حسين الموزاني، اتفقنا على لقاء هناك، دائما أقرأ مقالات ونصوص الموزاني، في مجلة كيكا وفي صفحته بالفيسبوك، كل مقالة أو نص تشعر معه وأنك قرأت كتابا كاملا، مزيج من القصة والرواية والسيرة الذاتية والنقد والتاريخ والسياسة والأسطورة والوفاء لكتاب وشخصيات رحلت. في بداية الألفية قرأت ترجمته لرواية ‘الطبل الصفيح’ لجونتر جراس، الصادرة عن دار الجمل، رحل الكاتب حسين في هذا الشهر، رحل إلى العالم الآخر فجأة، دون مرض أو عمليات جراحية وإقامة في المستشفيات، لقد ترك لنا كل الألم وذهب، ونحن بالطبع سعداء بذلك بأن نعاني بدلا منه، يا له من أناني، رواية حسين هي الرواية الوحيدة التي لا تفارقني حتى الآن، رغم أنه بشر وليس كائنا ورقيا أو حبريا أو خياليا، كل النبيذ الذي في ألمانيا حاليا حزين، يبكي، ينزف كأنه عراق أو سوريا أو ليبيا، والآن ماذا أفعل؟ سأقرأ من قديمه كلما شعرت باليأس أو الحزن أو الكآبة من قراءة الكتب التي لا تروق لذائقتي”.

القراءة الجميلة وحدها التي تحرض على الكتابة الجيدة

الكتابة والقراءة

بدوره يؤكد الكاتب التونسي شفيق طارقي أن القراءة فعل يوميّ، ومداراتها كثيرة ومتوزّعة بين الإبداعيّ شعرا وقصّا ورواية وبين النّقديّ من بحوث ودراسات وأطاريح، ولعلّه من الصّعب وسط هذا الامتداد، اصطفاء واحد من كلّ، ففي ذاكرة الطارقي منجزات لنقّاد غربيّين وعرب تدور في فلك الشّعريّة والسّيميوطيقا والتّناصّ والأسمائيّة، وفي فلكها روايات منشورة حديثا وآخر ممّا يروق له إعادة قراءتها من الأدب العربيّ ومن الآثار المترجمة، ودواوين في صلب البحث لدرويش ولسعدي يوسف وللمنصف الوهايبي.

ويتابع “القراءة مشروع وجود ولا شكّ أنّني أقيّم سنتي بالنّظر إلى ما أردفت به مقروئي من كتب، مسهمة بشكل مباشر أو سرّي في اتّساع رؤيتي وفي عبارتي، فالكتابة لا تكون أصيلة إلّا متى أرفقت بعامل القراءة، وكلّما تنوّعت كان تأثيرها أزكى، وكانت فاعليّتها أشدّ، فالمقروء يتّخذ سبيله في الذّات ويندرج مع مرور الوقت في الأسلوب وفي القدرات المنهجيّة وفي طريقة تأويلنا للعالم، وتقبّل ما فيه من مستجدّات”.

كاتب وعوالمه

لم يعتبر الناقد الجزائري لونيس بن علي يوما القراءة هواية، أو طريقة لقتل الوقت، بل كانت ومازالت بالنسبة إليه طقسا يوميا وجزءا من وجوده ككل، فهو يقرأ ليقول للعالم بأنّه موجود.

ويقول “كثيرة هي الكُتب التي قرأتها هذا العام، وقد صرتُ مع انقضاء السنوات وتراكم القراءات أبحث عن الجيّد من النصوص، لا سيما الروايات التي تمنح قدرا وافرا من المتعة الفنية. لذلك لا أجد حرجا في أن أسأل عن النصوص الجيدة، أو أقع على كتاب بمجرد أنّ أحدهم قد أشاد به، خاصة إذا كان من القرّاء الموثوق في ذوقهم، أليس القارئ قنّاصا يهوى صيد الكتب في غابة داغلة من النصوص في شتى صنوفها وباختلاف مستوياتها.

نصوص كثيرة قرأتها هذا العام، مثل رواية هاروكي موراكامي ‘1q84‘ وهي رواية ممتعة ومثيرة في الوقت نفسه، النص الثاني كان رواية ‘ظل الريح‘ للروائي الإسباني كارلوس زافون. وهي رواية عظيمة فعلا”.

ويقول الكاتب المغربي عبدالنور مزين “عادة أحاول أن ألزم نفسي بهدف عام للقراءة خلال السنة، كأن أقرأ لكاتب معين الكثير من أعماله كي أحاول الدخول إلى عوالم كتاباته، لكن هذه السنة خرجت على غير عادتي عن هذه الخطة لأني وجدتني دون إرادة مني أنزاح من جديد إلى شعر محمود درويش. كان ذلك لأني قدمت عرضا قصيرا هنا في طنجة عن درويش وفداحة غيابه عن المشهد الشعري العربي ليبقى الشعر العربي عاريا يتيما في وجه العاصفة. وكان ديوانه ‘لماذا تركت الحصان وحيدا‘ هو ذلك الديوان الذي وأنا أقرأه للمرة الثانية أكتشف من جديد قوة تلك الأواصر التي تربطني به والتي تذكرني دوما بذلك اليتم”.

ويتابع “بعد سنة من القراءة لدرويش خاصة ولغيره أيضا من الكتاب، تعلمت أن الكتابة الجيدة لا يمكن أن تكون بعيدة عن القراءة الجيدة والمعرفة العميقة بالأشياء من أجل الكتابة عنها بكل ذلك العمق والشغف”.

أما الكاتبة التونسية هند الزيادي فقد قررت أن تكون هذه السنة سنة واسيني الأعرج، ذلك أنها قررت أن تتعرّف على عالمه الروائي وتركّز قراءاتها على آثاره بشكل خاص دون أن يمنعها ذلك من قراءة الروايات الأخرى المتنوعة والتي تنتمي إلى مدارس الأدب المختلفة. وقد بدأت فعلا في تنفيذ قرارها برواية “سوناتا لأشباح القدس” و”سيّدة الظلال” و”مملكة الفراشة” ثم توالت غيرها.

وتتابع الزيادي “ليست شهادتي هذه عن إحدى هذه الروايات بل عن كتاب نقدي يتعرّض لتجربة هذا الكاتب الجزائري بالتمحيص والدرس. هذا الكتاب هو ‘الكتابة الروائية عند واسيني الأعرج‘ للروائي التونسي كمال الرياحي. ولا أذكر أنني استمتعت يوما بقراءة دراسة نقدية أو أنني تلهّفت على مضمونها مثلما حصل معي أثناء قراءتي لهذا الكتاب. ليس لأنه يدخلني إلى عالم روائيي المفضّل فقط ويفكك عمله ويكشف لي أسراره بل لأنه مكتوب بشكل جميل آسر في بساطته ووضوحه”.

ولأن فعل القراءة عندها غير معزول عن فعل الكتابة، فقد انطلقت الكاتبة من مقولة غيّرت مجرى حياتها الروائية، وقد وردت في شكل وصيّة قرأتها في مكان ما وتتمثّل في أن “أقرأ في المستوى الذي تطمح إلى أن تكتب فيه”. لذلك وجدت نفسها تقرأ بغزارة لمدارس مختلفة ولروائيين متنوعين في مشاربهم الفكرية ومدارسهم الأدبية، محاولة أن تتبين ملامح عالمهم الروائي وتقنيات الكتابة عندهم ونقاط ائتلافهم واختلافهم.

وليد سليمان ونورالدين مزين وهند الزيادي ومحمد علي الدنقلي: القراءة وقود العقل والروح

كتب هامة

من جانبه يؤكد الشاعر الليبي محمد علي الدنقلي أن هذه السنة لم تخل من مطالعة عدة كتب هامة، حيث أن القراءة عنده سلوك دائم لا فكاك منه. وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد قرأ في الفكر كتاب “كتاب تاريخ الكذب” للكاتب جاك دريدا، ترجمة رشيد بازي. وقد تناول الكاتب الكذب من حيث هو سلوك إنساني، طارحا جملة من التساؤلات مثل: هل الكذب قول فقط أم فعل؟ وهل هو جريمة يعاقب عليها أم تغتفر؟ وعلى من يقع الكذب على الآخر أم حتى على النفس وغيرها؟

وفي مجال الرواية تصادف الدنقلي مع رواية الكاتب المغربي عبدالحميد شوقي بعنوان “سدوم” وهي رواية جميلة جدا تدور أحداثها حول صراع الأديان والحضارات، كما يقول. ذاكرا أيضا رواية للناقدة الليبية فاطمة سالم الحاجي بعنوان “صراخ الطابق السفلي”.

لا يتردد الكاتب التونسي وليد سليمان في القول إن كتاب “منطق الطير” لفريد الدين العطار الذي قرأه هذه السنة كاملا بالعربية – بعد أن اطلع عليه جزئيا، قبل سنوات، من خلال صياغة الكاتب الفرنسي جان كلود كاريير- هو الحدث الأدبي الأهم بالنسبة إليه هذا العام. والكتاب الصادر في جزأين عن دار نينوى للنشر ويتضمن دراسة وافية عن حياة وأعمال الصوفي فريد الدين العطار قام بها أحمد ناجي القيسي، كما يتضمن ترجمة عربية لـ”منطق الطير” الذي يعتبر من كنوز الأدب الصوفي.

ويقول سليمان “لا شك أن هذا العمل الكوني هو من الروائع التي يقرأها الإنسان ويعيد قراءتها مرارا وتكرارا لما يحتوي عليه من درر ومن حكم، مثله مثل الإلياذة والأوديسة وملحمة غلغامش وكتاب ألف ليلة وليلة. وهو بمثابة الرحلة التي يخرج منها الإنسان وقد اغتنى روحيا لاتساع أفقها”.

ويتابع “أليست رحلة الطيور التي تبحث عن ‘السيمرغ‘ ليكون ملكها ودليلها هي رحلة الإنسان الباحث عن الخلاص وعن معنى لوجوده؟ هكذا يسائل فريد الدين العطار وجود الإنسان في ‘منطق الطير‘ متخذا الطيور كرموز وكأمثولة للإنسان الباحث عن المعنى”.

15