ليست للنقاب مناقب ولا أضرار

الثلاثاء 2017/10/03
منقبة مشاركة في مؤتمر علمي أوروبي

التعلل من أن النقاب يخفي ملامح الوجه ويتسبب في إرباكات قانونية من شأنها أن تشوش على الإجراءات الأمنية والتدابير الوقائية، أمر مبالغ فيه، ولسائل أن يسأل: كيف كانت ومازالت الدوائر الرسمية والجهات الأمنية تتعامل مع وجوه المنقبات في الكثير من بلدان العالم الإسلامي؟ وهل كانت تحصل تجاوزات واختراقات قانونية وأمنية خطيرة وكارثية مع كل دقيقة تقف فيها المنقبات أمام الحواجز في المطارات أو القضاة في المحاكم أو الموظفين في دوائر الدولة؟

المنقبـات لسن كائنـات قـادمـات مـن الفضـاء الخارجي، ولسن قنابـل موقـوتة تهــدد الأمن العام وتدس في أمكنة الازدحام.. إنهـن مـواطنات وزوجات وأخوات وأمهــات في كـل العـالم الإسلامي، فيهـن الطـالبة والطبيبـة والمدرسة وربـة المنـزل، ومنهـن الناشطة في المجتمع المـدني والمـدافعـة عـن السلـم الأهلـي والمكافحة ضدّ التطرف والإرهاب.

كثيرا ما يأخذ مثقفون عرب الأمور على عواهنها ويتوخون لغة التعميم وإلصاق الأحكام الجاهزة من خلال المظهر ومجاراة وتأييد كل ما تتخذه السلطات الأوروبية من إجراءات تدّعي الوقاية من الإرهاب في ظاهرها وتبطن نزعات العنصرية والتحقير والاستعلاء.

بعض المتحمسين لحظر النقاب في أوروبا، يزايدون حتى على أعتى الشخصيات اليمينية وأقوى الحركات العنصرية فيدعون إلى حظر الحجاب بعد النقاب وربما لاحقا إلى تقصير الأثواب الطويلة وتضييق الواسعة منها ثم من يدري؟ ربما يدعون بعدها إلى استحداث شواطئ عراة بدل شواطئ البيكيني وليس البوركيني.

وفي هذا الصدد لا يمكن تناسي أن البرلمان الألماني (بوندستاغ) كان قد ألزم الموظفات والجنديات فقط بعدم ارتداء النقاب خلال ممارسة مهنتهن أو خلال “القيام بأنشطة لها صلة مباشرة بعملهن”.

كما تم إجراء تعديلات على قانون إثبات الهوية، حيث يتعين حاليا التحقق من هوية الفرد عبر المطابقة بين صورته في بطاقة الهوية والوجه.

نساء منقبات في أوروبا تضررن من هذا الإجراء الذي وصل حد التعسف، وعلى سبيل المثال: كانت امرأتان رفعتا دعوى قضائية بعد الحظر، إحداهما بلجيكية، تدعى سامية بلقاسمي وتعيش في إحدى ضواحي مدينة بروكسل في بلدية شكـاربيك، والأخـرى مغربية تعيش في مدينة لييج وتدعى يامنة أوسار.

وبينما اختارت بلقاسمي نزع نقابها مخافة تغريمها، فضلت أوسار البقاء في منزلها، الأمر الذي أدى إلى تقليص مجال أنشطتها الاجتماعية، حسبما قالت في الدعوى التي رفعتها.

أمر آخر يمكن أخذه بعين الاعتبار، وقبل التحدث عن ظاهرة المنقبات من المسلمات في أوروبا لننظر في أسباب أخرى لوجوده، ففي تونس مثلا كانت لظهور النقاب أسباب أخرى غير التديّن والقناعات الشخصيّة، إنه سبب ماديّ اقتصاديّ بحت، ذلك أنّ غالبية النساء الفقيرات والعاجزات عن ارتياد صالونات التزيين ومتاجر الموضة يحبّذن ارتداء ما أخفى من الثياب وأسهل على الجيوب وأقدر على ستر العيوب وأمكر في تزويج المتأخرات عن سن الزواج، ومتواضعات الجمال.

إنّ الأمر إذن يتعلّق بما يعرف بـ“اليونيفورم”، أي تعميم اللباس الموحّد كما هو الحال في المعامل والمستشفيات ورياض الأطفال، كذلك يفعل بعض الملتحين حين يريدون إخفاء علامة أو ضربة سكين في الوجه… لكنهم غفلوا عن مسألة لم يتفطّنوا إليها، وهي أنّ الأقمشة التي يصنع منها النقاب والحجاب متفاوتة الجودة والأسعار والذائقة والألوان، وأنّ مهنة المكيّس في حمّام السوق العمومي تمكّن صاحبها من معرفة معادن الرجال ووظائفهم ومستوياتهم الاجتماعية من مجرّد تمييز نعومة الجلد من خشونته، وهو الأمر الذي لا يعلمه الداعون إلى حظر النقاب دون الإحاطة بجميع أسباب وجوده أولا.

وأخيرا يطرح السؤال نفسه: هل أن الإرهابيين على هذه الدرجة من البساطة حتى يجلبون لأنفسهم الشبهات والتتبعات الأمنية عن طريق نساء منقبات، ربما كان ذلك في بدايات ظهور الإرهاب أما الآن فوسائلهم أكثر مكرا وتضليلا.

اليافطات والإشارات التي بدأت تظهر في بلدان أوروبية عديدة وتنبه إلى حظر النقاب هي بمثابة الرسائل الصريحة في العنصرية وتحقير الثقافات الأخرى على رأسها الإسلام والمسلمين. ألا يذكّر هذا بالإشارات التي ظهرت في ألمانيا النازية؟

وسائل وطرق أخرى كان يمكن للدول الأوروبية اتباعها دون الاضطرار إلى أخذ هذه القرارات الاستفزازية، ولعل أبسط هذه الطرق، الاستعانة بموظفات نساء حين يضطر الأمر إلى دقة أكثر في التفتيش والتدقيق.

12