ليست نهاية العالم بالنسبة للمنطقة إلا أنها نهاية العالم بالنسبة للعراق

الاثنين 2015/10/12

الشعوبية تسمية أطلقها المؤرخون على النشاط الثقافي للكتاب الفرس ضد العرب في العصر العباسي. وأصل الكلمة هو من القرآن الكريم “وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا”، فقال الفرس للعرب نحن الشعوب وأنتم القبائل. الإيرانيون شعب حضري على مر التاريخ وخلافهم مع العرب خلاف اجتماعي أيضا.

جاء داعش وأقر بالمحاججة الشعوبية القديمة، وألغى دور الولاء القبائلي لصالح العقيدة الدينية، لهذا تجد الموصل اليوم تعج بالأجانب الذين لا قبائل لهم. فلا الإيرانيون يحترمون القبائل، ولا داعش يحترم هذا الشيء. فكما تراجعت مكانة شيوخ القبائل في الجانب الشيعي لصالح رجال الدين، نلاحظ تراجعا مماثلا لمكانة شيوخ القبائل السياسية في الجانب الآخر الذي يحكمه الدواعش.

الطرف الوحيد الذي يقدّر القبيلة سياسيا هو الأميركان، فتجربة بترايوس أثبتت أن القبائل تصلح للمهمات القتالية. الولاء العشائري يسهل الحصول على مرتزقة، المال مقابل إنجاز مهمات حربية. فلا يوجد وعي سياسي ولا مطالب حقيقية لدى القبائل.

المشكلة الوحيدة هي عدم ثقة المرتزقة بأميركا، خصوصا عندما تركتهم لسجون نوري المالكي والاغتيالات بعد إنجازهم للمهمات المطلوبة في الأنبار. والمشكلة الأخرى هي أن داعش لا ينسى ولا يغفر، فقد قام باغتيال واختطاف عدد كبير من الصحوات بغض النظر عن مكانتهم العشائرية، مثال على ذلك اغتيال عبدالستار أبو ريشة عام 2007 بعد أن كان يقود 60 ألف مقاتل، واغتيال قائد صحوات الأنبار محمد خميس أبو ريشة عام 2014.

المرتزقة يأتون لغرض انتهازي هو الذهب، وهذا شأن القبائل والصحوات، إلا أنه في حالة وجود خطر أو انعدام ثقة خصوصا في ظل سياسة أميركية مخابراتية تعمل بنظرية القيادة من الخلف، فإن القبائل المرتزقة تتردد كثيرا في القتال. إضافة إلى أن الطريقة التي يقاتل بها داعش تحتاج قوات عقائدية كالأكراد وعقيدتهم القومية، أو كالشيعة وإيمانهم بالحسين وقتال النواصب.

من الصعب إقناع المرتزقة السنة بقتال داعش، لا يوجد إيمان ولا مبرر ثقافي. ثم لماذا يثق الأميركان بالسنة ويسلحونهم؟ خصوصا بعد أن ذبحوا منهم الآلاف في المقاومة، ولماذا تثق إيران بالسنة وتوافق على تسليحهم؟ ألم يكونوا السبب في الحرب ضدهم وقتل نصف مليون إيراني؟ وحتى في حالة الصراع الروسي الأميركي في سوريا يبدو أن أميركا ستنتهي إلى تسليح الدواعش ضد الروس بشكل غير مباشر، فهي ستسلح المعارضة الضعيفة وتجعل داعش تغنم تلك الأسلحة في النهاية. هذه هي مشكلة القيادة من الخلف.

السؤال الحرج اليوم هو أننا نريد أو لا نريد العيش في دولة دينية؟ في الحقيقة كانت الإجابة سهلة جدا قبل أربعين سنة. كنا متلهفين للفلسفة والعلوم والفنون الغربية، وكان الإنسان الغربي بالنسبة لنا يعتبر قدوة. نحن في العراق مثلا نشأنا على احترام الرجل الإنكليزي، فهو الطبيب والعالم وهو أيضا شكسبير العميق.

لقد حدثت مشكلة بعد ذلك، بشكل أو بآخر اختارت أمة مهمة في المنطقة وهي الأمة الفارسية العيش في دولة دينية شيعية وتسعى إلى تصدير ثورتها. قاومت إيران الشيعية كل أشكال الحصار والحروب ونجحت في إرغام العالم على التفاوض بعد ثلاثة عقود ونصف العقد. هذا الأمر حرك المياه القديمة تحت أقدام المسلمين السنة، وعاد السؤال بقوة بعد حصار العراق واحتلاله وتسليمه لإيران. الاحتلال والحصار والقسوة زعزعت الإعجاب القديم بالرجل الأبيض وثقافته وحل محله العداء، كان صعبا علينا أن نصدق بأن الرجل الأبيض يقصف البنية التحتية لبلادنا ويعيدنا إلى العصر الحجري، كنا نعتقد بأن الغرب يريد منا أن نتقدم ونتحضر وعلينا محاربة الدين الذي كان يحول بيننا وبين التحول إلى مجتمع متقدم.

كان مشهد إعدام الرئيس صدام حسين بطريقة طائفية أمرا صادما، ثم إننا حين نراجع تجربة صدام حسين نجد بأنها تجربة فارغة صراحة. الرجل كان يدعونا إلى التصفيق له، وعبادته، وكتابة الأغاني باسمه. مثل كل الدكتاتوريات لم تكن هناك أشياء لها قيمة حقيقية ثقافيا وتاريخيا، لهذا كانت الهزيمة العراقية شاملة وصادمة.

لقد حاولت إيران بعد هزيمة العراق أن تعيش ضمن حدودها الجغرافية الطبيعية، وأن تمد ذراعيها في المنطقة، وحاولت استعادة أمجادها الإمبراطورية في عالم عربي هش. حدثت عندها مشكلة عقائدية فجرت الدين في فضاء سياسي. الحقيقة إيران تتمدد من خلال التشيع والتبشير بالثورة الإيرانية، وهذا الأمر يعني ضرورة تشيع بغداد أو على الأقل تهجير السنة وهيمنة الرمزية الشيعية، هنا انفجر العالم السني كله وحدث توتر، هذا التوتر أدى إلى أحلام بإمبراطورية ودولة سنية.

لا أخفيكم سرا بأن الحياة في دولة دينية قضية غير جذابة وصعبة جدا، خصوصا دولة إسلامية سلفية. إن الحياة كإنسان مسلم متدين بحد ذاتها أمر شبه مستحيل في المجتمعات المعاصرة، فما بالك بالعيش في دولة سلفية؟ الدول تنجح بشعارات الرفاه والحرية والثروة والعدل، بينما الدولة الإسلامية في عالم يحاصرها تتحول إلى ماكنة قتل ورعب.

لا أخفيكم بأن الدولة الدينية الإيرانية كانت خيارا شعبيا. طبيعة الشعب الإيراني سمحت بإنتاج عالم شيعي في دولة دينية منسجمة. المجتمع الإيراني امتص الدولة الدينية التي يحكمها رجال دين، وأعاد صياغتها بطريقة لا تتصادم مع قيم العصر، بدليل ما تحقق من طفرات تكنولوجية وزراعية رغم الحصار والأزمة الاقتصادية.

مشروع الدولة الاسلامية “داعش” هو ديناميت يحاول العالم احتواءه، فقد أصبح للحالمين المتطرفين أرض وقاعدة يحاولون تحويلها إلى نواة إمبراطورية إسلامية. لاشك بأن الأمر يتجاوز هويتنا العراقية المحلية، فالدولة الإسلامية يشارك فيها رجال من مئة دولة حول العالم. لا نستطيع الوقوف بوجه شيء كهذا.

السادة الكبار في هذا العالم، كالأميركان والروس، يمكنهم النظر في مصير دولة من هذا النوع والتعامل معها. سنة العراق قد خسروا بلادهم بالتهميش الصفوي وعندهم قتول وكلوم وثأر، لقد تعرضوا لانتقام شيعي إيراني قاس في عقر دارهم. لقد كان ظهور داعش كانتقام وكفارس من فرسان الموت بلحن جنائزي، يجعلنا نشعر بأنها النهاية، ربما هي ليست نهاية العالم بالنسبة لشعوب المنطقة، لكنها بكل تأكيد نهاية العالم بالنسبة للعراق.

سنة العراق تم تقديمهم على مذبح الثأر الفارسي منذ الاحتلال الأميركي، لم يكن بوسعنا فعل شيء، واليوم ونحن نشهد الصعود الغامض لهذا التطرف العالمي على أرضنا، لا نجد أفكارا حقيقية مقنعة تفسر العالم من حولنا، ولا نجد الطاقة الكافية لإنهاء المعاناة. سنة العراق الذين عُرفوا ببناء دولة حديثة عراقية، والذين بنوا جيشا وطنيا، وفي عوائلهم كان الشغف بالعلوم والشهادات والعروبة. هؤلاء العلمانيون اختفوا من البلاد، ولم يبق سوى هذا الاغتراب السني الكئيب. الجنازة التي تنهض على رمادها إمبراطورية داعش الرهيبة، بفرسانها وأناشيدها وتوقها التوراتي إلى الموت والتحدي.

مرة سمعت السيد محمد تقي المدرسي في التسعينات من القرن الماضي يقول: إن المشكلة ليست في أن الشيعة لا يريدون أميركا، بل هي أن أميركا لا تريد الشيعة. مع الوقت غيرت أميركا رأيها ومنحتهم الحكم ببغداد، اليوم على سنة العراق أن يفهموا بأن المشكلة ليست في أنهم لا يريدون أميركا، بل الحقيقة هي أن أميركا لا تريدهم، وعليهم أن ينتظروا ويقاوموا هذا الطور التاريخي العنيف.

قبل سقوط الموصل، وحين كان كتاب عرب كبار ينصحون السنة بالانخراط في الحكومة الطائفية ببغداد والعملية السياسية كنا نعلم بأن ذلك غير ممكن وأن شيئا رهيبا سيحدث. وفي هذه الصحيفة بالذات قبل أربعة أشهر من سقوط الموصل ذكرت في احدى مقالاتي “حين تم ضرب العراق القومي لم ينهض رب القوميين لأنه غير موجود، مجرد أكذوبة. لكن ضرب السنة يستنهض الرب السني وهو موجود، أكاد أسمع دمدمته بين المجرات. العقلاء من الشيعة يعرفون بأن طائفة بقيت تحت الأرض مئات السنين، لا يمكنها أن تقلب التاريخ فجأة، وتهدم المدن، وتذل الشعوب، وتقود العالم. سيحدث شيء بلا شك هو نفس الشيء الذي يحدث دائما؛ الكارثة”.

كاتب عراقي

8