ليست وظيفة الكاتب تجميل صورة العرب لدى الغرب

إلزام الكاتب على أن يكتب شيئا ما وفق أفق انتظار معين يفقده سمة الإبداع، ويجعل منه مجرد مرآة شاحبة لا حياة فيها. لذا كانت أكثر الكتابات تأثيرا هي من راهنت على الجمالية وعلى والإبداع بحرية. لذا فإن إلزام أي كاتب عربي اليوم بتلميع صورة العرب وتقديم صورة مشرقة لهم للغرب مثلا، يعد تقويضا لإبداعية ما سيكتبه، إذ تلزمه بتجميل واقع هو يرفضه من أساسه، فيما الأجدر أن تترك الأقلام حرة طليقة متنوعة، وهذا ما قام عليه كتاب “هذه ليست حقيبة” الذي حرره وأعده الشاعر المغربي طه عدنان.
السبت 2017/10/07
المؤلف في الوسط خلال قراءة نماذج من الكتاب

في احتفالية كبيرة، شهد قصر الثقافة والفنون الجميلة “بوزار” في العاصمة البلجيكية بروكسل، اطلاق النسخة الفرنسية من كتاب “هذه ليست حقيبة” الذي أعدَّه وحرره الشاعر المغربي طه عدنان، والصادر بنسخته العربية عن منشورات “ملتقى الطرق” في الدار البيضاء، وهذا الكتاب هو نتاج مجهود جماعي شارك بنصوصه سبعة عشر كاتبا من مختلف الأقطار العربية، حيث تضمنت السرود التي تم تقديمها، سواء كانت قصصاً قصيرة أو فصلاً من عمل روائي، رؤية خاصة بكل كاتب من المشاركين حول الأماكن في بلجيكا، المملكة ذات الأقاليم المتعددة.

المكان بطلا

“هذه ليست حقيبة”، ليست فقط محكيات عربية عن أماكن ومدن بلجيكية، إنها غوص في العلاقة بين الكاتب والمكان، باعتبار أن الأمكنة تمثل حالة إلهام للمبدعين بوصفها مساحات من الممكن أن تلعب دور البطولة في السرد أو الشعر، المكان هنا بوصفه بطلاً كان فضاء للحكاية إلى جانب أنه شكَّل العمود الفقري والسلسلة التي جمعت نصوصاً عربية وجدَت طريقها للترجمة الفرنسية والهولندية، لتكون مسرحا لتلاقي الثقافات وخلق الأرضية الصلبة التي تمتزج بها ذاكرة الكتاب في بلدانهم الأصلية مع الوطن الذي اختاروه فضاءً للحياة اليوم.

خلال الأمسية التي تم تنظيمها بشكل مشترك بين قصر الثقافة والفنون “بوزار” والمركز المتنقل للفنون “موسم”، عُقِدَت جلسة حوارية أدارها الكاتب البلجيكي روني ديميسنير، وشارك بها كل من الشاعر المغربي طه عدنان والمستعرب البلجيكي وأستاذ الأدب العربي في جامعة بروكسل الحرة، إكسافير لوفان الذي قام بترجمة الكتاب إلى الفرنسية.

الجلسة الحوارية كانت بالفرنسية وتخللها قراءات من الكتاب بالعربية رافقها عرضٌ لصور متنوعة للأماكن التي تمت الكتابة عنها، بالإضافة لترجمة للنصوص المعروضة بالفرنسية والهولندية، حيث قرأ كل من هوشنك أوسي، بيسان أبوخالد، زهير الجبوري، حازم كمال الدين، هشام آدم، طه عدنان، عبدالله مكسور، مختارات من النصوص التي قدَّموها بالكتاب.

الكتاب حكايات تكشف عن ثنائيات متضادة إنها تعبير حي عن الهوية الكامنة في التعدد وعن الجوهر الإنساني

فكرة الكتاب قامت على أن يقدّم كل كاتب من الكتّاب المشاركين نصا تدور أحداثه في فضاء بلجيكي، ليتم طرح النصوص بشكل يتوافق مع ترتيب المدن البلجيكية بمنطق جغرافي من الشمال إلى الجنوب، أوستند، بروج، الفلاندر الغربية، أنتويربن، سان تريدن، لوفن، بروكسل، لييج، بيرزيت، نامور، شارلوا، الأردين، من بحر الشمال وصولاً إلى الحدود الفرنسية والألمانية مع بلجيكا.

جاءت نصوص الكتاب موسومة على الشكل التالي ” قنينة في بحر الشمال” لهوشنك أوسي، “أحوال الصفصاف الباكي” لعلال بورقية، “تفضل أيها الغريب لعماد فؤاد، “بورخوروكو” لماجد مطرود، “صدأ الماس” للهادي عجب الدور، “الجثمان الحي” لحازم كمال الدين، “كراسي الأمل” لبيسان أبوخالد، “نزيل الغرفة 14” لنبيل أكنوش، “ليلة في فندق أميغو” لزهير الجبوري، “هي، هو، وغزة” لنسمة العكلوك، “حي السياسيين المنكوبين” لعلي بدر، “بطاريق سان لامبير” لهشام آدم، ” آشوري في لييج” لأسعد الهلالي، ” نحن أبناء مخيم أيضا” لعبدالله مكسور، “البوق الأحمر” لخالد كاكي، “أشباح ديسمبر” لمهند يعقوب، “مملكة شجر أعياد الميلاد” لطه عدنان، كما رافق النصوص مجموعة من الصور الداخلية لمختلف المدن البلجيكية بعدسة المصور العراقي كريم إبراهيم، وجاء الغلاف بتصميم الفنان العراقي ستار نعمة.

المشترك والمختلف

يقول إكسافير لوفان، أستاذ اللغة العربية في جامعة بروكسل ومترجم الكتاب، إن هناك قواسم مشتركة بين النصوص أولها، اللغة باعتبار أن لغة الكتاب هي العربية، بالإضافة إلى المكان الذي ينتمي إلى بلجيكا، لكنها نصوص مختلفة في جوهرها وطريقة الطرح، وهذا يعود إلى اختلاف أصول الكتّاب وخلفياتهم الثقافية والتاريخية المنتمية إلى العراق وفلسطين والمغرب والسودان وسوريا، إلى جانب اختلاف فترة اقامتهم في البلاد، وموقف وجودهم، فكل كاتب يكتب من زاويته وتجربته، يؤكد لوفان أن ترجمة الكتاب شكَّلت متعة له لأنه اكتشف مدن وطنه كما يراها الكتَّاب العرب الذين يتخذون منها فضاءً للحياة.

تحت سماء المكان

وحول العلاقة مع الآخر يشير معدّ ومحرر “هذه ليست حقيبة”، الشاعر المغربي طه عدنان في توطئته للكتاب إلى أنّ المجتمع العربي في الغرب والمشتغلين في الحقل الإبداعي، ليسوا مضطرّين لتلميع الصورة عند الآخرين، ربما لأنّ الكل غير راض تماما لا عن الصورة، ولا عن الواقع الذي أنتجها من الأصل، وبالتالي فإن الكُتَّاب العرب في الغرب ليسوا مجبرين على إنتاج خطابات مسكّنة تحت الطلب، ضمن مشهد الأدب المستعجل الذي يغازل أفق الانتظار الغربي السائد ويستجيب لتوقّعاته الفنية والجمالية، في انصياع تام لمعايير نفعية تقيس الأدب بمقياس الطائل السياسي الملموس والجدوى الاجتماعية المحسوسة، في هذا المشهد يقع على عاتق الكتَّاب العرب الكتابة بحرية لكسر المزيد من التابوهات هنا وهناك، ومجابهة الصور النمطية دون إنكار ما تقوم عليه من حقائق أحيانا، ودون الركون إلى تمجيد الذات الذي يفقد الإبداع روحه النقدية القلقة، من هنا جاءت فكرة البحث عن مدخل جديد للثقافة الغربية عبر دروب الأدب، فالأدب يُقدِّمُ ببيان لا يشوبه تبسيط.

طه عدنان الذي سبق وأن تناول فضاء العاصمة البلجيكية في كتاب جماعي حمل عنوان “بروكسل المغربية”، يقول عن المشروع الجديد الذي رأى النور بالفرنسية بعد العربية لـ”العرب”، “إنَّ ‘هذه ليست حقيبة‘ محكيات عربيةٌ عن أماكن بلجيكية، تشكّلُ عنصرا جوهريا للسّرد تارة، ومحض ذريعة لحكايات شرقية خالصة تارة أخرى، لتضيء تجربة المبدع العربي المقيم بين جنبات المدن البلجيكية وملامح المكان على حدّ سواء، فالمكان سواء كان ملجأ أو منفى، مسكنا أو موطنا، تتحدّد العلاقة به عبر أحداث تتنوّع خلالها المسارات”.

يتابع عدنان قائلا إن الكتاب الصادر عن منشورات “ملتقى الطرق” بالدار البيضاء، جاء بدعم من وزارة الثقافة المغربية ومجلس الجالية المغربية بالخارج، ويتضمن نصوصا وحكايات تكشف عن القلق والضعف، عن العنف والرقة، عن الحلم والخيبة، إنها تعبيرٌ حيٌّ عن الهوية الكامنة في التعدد وعن الجوهر الإنساني بكلّ تناقضاته.

ويضيف الشاعر المغربي إنَّ النصوص جاءت بالعربية لكن بملامح البلاد الجديدة التي تنوعت بين أقاليم هذه المملكة الصغيرة على شكل سرديات معاصرة، فكان المُنتَج النهائي مؤلّفا جماعيا عن بلجيكا المتعدّدة.

17