ليس الدواء من جنس الداء في مكافحة التطرف

في الحرب على الإرهاب والتطرف قد تتوالى القرارات والإجراءات وحتى الانتصارات الميدانية، لكن كل تلك الإجراءات والانتصارات تصبح غير ذات موضوع لأن التطرف مازال مستشريا في العقول وفي الذهنيات والبنى التحتية للمجتمعات. وهذا لا يعني استحالة القضاء على التطرف، وإنما يعني ضرورة تغيير أشكال العلاج، وجعلها متناسبة مع المرض أو متناسبة مع تشعب الظاهرة.
الاثنين 2018/01/15
المطالبات بإعدام ولد امخيطير دليل على أن التطرف يقاوم في المجتمع

لا يأتي النصر قبل أن تضع الحرب أوزارها. هكذا تقول القواعد العامة للاشتباك. من يستبق الأحداث ويتحدّث عن الانتصار على الإرهاب بسبب بعض التفاصيل الجارية في العراق أو سوريا أو في غيرهما فهو -على افتراض حسن النوايا- مخطئ بكل تأكيد.

الهاربون كثيرون، العائدون كثيرون، المتدربون كثيرون، وبؤر التوتر لا تزال مرشحة للمزيد من الاشتعال، وأبرز الشيوخ المسؤولين عن تجنيد الشباب الذاهب إلى جبهات القتال أو العائد منها لا يزالون يصولون ويجولون في مختلف عواصم البلاد الإسلامية بلا حسيب ولا حساب. ما الذي يجري في التوصيف الأخير؟

كل ما في الأمر أن إنجازات أمنية هنا قد تقابلها إخفاقات أمنية هناك، وأن بعض الإنجازات الثقافية هنا، والتي تبقى متواضعة في آخر التحليل، قد تقابلها نكسات ثقافية هناك، وأن مناطق جديدة مرشحة لأن تصبح بؤرا للتوتر، وأن الصحارى الكبرى هي الأكثر ترشحا لاحتضان قلاع الفاتحين الجدد، من ضمنها منطقة الصحراء الكبرى في موريتانيا ومالي والنيجر وتشاد، وربما أبعد من ذلك قليلا أو كثيرا، فضلا عن صحراء سيناء بكل تأكيد.

قبل أسابيع قليلة، وتحديدا الجمعة 24 نوفمبر 2017، تعرضت منطقة سيناء لضربة إرهابية اعتُبرت هي الأكبر من نوعها في مصر منذ اندلاع موجة الإرهاب، حيث قتل الإرهابيون أزيد من ثلاثمئة من المصلين الآمنين في مسجد الروضة بصحراء سيناء. هذا في الوقت الذي تحاكم فيه السلطات العديد من المثقفين التنويريين استرضاء للجهات المحافظة. وهي تنسى بأن الجهل الكثير لا يصدّه الجهل القليل، بل الجهل تصده المعرفة بالتحديد.

المسؤولون عن تجنيد الشباب الذاهب إلى جبهات القتال لا يزالون يصولون ويجولون في مختلف عواصم البلاد الإسلامية

إنها الخطيئة التي تقترفها موريتانيا حيث لم تمض أيام معدودة عن إطلاق سراح محمد الشيخ ولد امخيطير بعد أن أمضى أربع سنوات في السجن. وكانت المحكمة العليا في نواكشوط قد حكمت عليه بالإعدام، حتى صدر في 16 نوفمبر 2017 قانون جديد ينص حرفيا على ما يلي “كل مسلم ذكرا كان أو أنثى استهزأ أو سب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أو ملائكته أو كتبه أو أحد أنبيائه يقتل ولا يستتاب وإن تاب لا يسقط عنه الحد”. أي نعم، “وإن تاب لا يسقط عنه الحد”. وينص القانون أيضا على أن أي شخص “ارتد عن الإسلام صراحة أو قال أو فعل ما يقتضى ذلك، أو أنكر معلوما من الدين ضرورة، يحبس ثلاثة أيام ويستتاب أثناءها، فإن لم يتب حكم عليه بالقتل كفرا وآل ماله إلى بيت مال المسلمين”.

كما ينص كذلك على أن “كل مسلم مكلف امتنع عن أداء الصلاة مع الاعتراف بوجوبها يؤمر بها وينتظر به آخر ركعة من الضروري، فإن تمادى في الامتناع قُتل حدا، وإن كان منكرا وجوبها قُتل كفرا، ولا يفعل في تجهيزه ودفنه ما يفعل في موتى المسلمين، ويكون ماله لبيت مال المسلمين”. ويا للهول!

في سياق متصل، حكمت محكمة النظام العام بالخرطوم -منطقة الأزهري- في 19 نوفمبر 2017 بتغريم ثلاثة وعشرين تاجرا زهاء ثلاثة آلاف جنيه لكل واحد بتهمة فتح متاجرهم أثناء صلاة الجمعة، وفي حال عدم السداد يتم الحكم بالسجن لشهر كامل. وقال أحد المحكومين إن شرطة النظام العام قد داهمت عند الحادية عشرة والنصف من صباح الجمعة عددا من المحال التجارية في بعض الأحياء بالعاصمة واقتادت أصحابها إلى المخافر بتهمة البيع أثناء خطبة صلاة الجمعة.

وفي باكستان أيضا نجحت “حركة لبيك يا رسول الله” في دفع وزير العدل إلى الاستقالة بعد أن نفذت اعتصاما عنيفا في الشارع بإسلام آباد، وهدد المحتجّون بغلق كل منافذ إسلام آباد لمدّة ثلاثة أيام.

قبل أسابيع قليلة كان أحد أساتذة الفلسفة بالمغرب قد قرر فجأة أن يهجر كل ما تعلمه من ديكارت (هذا إن كان قد تعلم شيئا) لكي يلتحق بتنظيم داعش في أرض العراق، ذاهبا إليها عبر تركيا كما هو مسار المئات من الجهاديين. لم يقف الأمر عند هذا الحد بل نشر رسالة على فيسبوك معنونة بـ”بيان للناس”، كل من يقرأها يدرك حجم التأثير المتوقع على نفوس الشباب، ولا سيما العشرات من التلاميذ الذين درسوا عنده وربما يتابعون حسابه على فيسبوك. ثم انتهت المغامرة سريعا، حين قرأنا خبر مقتله في إحدى العمليات. لقد اختزل الرجل المسافات، واختصر الطريق في النهاية، لكن الحكاية لها بقية.

عموما، نعترف أن لا وجود لوصفة سحرية لأجل القضاء على التطرف. هذا مؤكد. لكن هل يمكننا أن نراهن على تقديم بعض التنازلات كما تتوهم الكثير من السلطات في العالم الإسلامي؟ هذا هو السؤال الأهم الآن.

إن وجود قانون مصري يجعل عملية بناء أي كنيسة جديدة من سابع المستحيلات، بل يعقد من إجراءات ترميم حتى الكنائس الموجودة أصلا والآيلة إلى السقوط بفعل الزّمن، كل هذا لم يشف غليل الغلاة الذين يريدون مسح الأرض فورا من كل الكنائس. إننا ننسى بأن التنازل للظلم يمنحه الشعور بالقوة والغلبة. ما العمل إذن؟ البرامج المطلوبة كبيرة، والمشاريع المنتظرة كثيرة، لكن المؤكد في كل الأحوال أن التطرف مثل نار جهنم كلما أعطيتها شيئا كلما توقدت وقالت “هل من مزيد؟”.

13