ليس الكيميائي وحده، الحرب كلها جريمة

الجمعة 2017/04/07

عام 2013 نجحت روسيا في إنقاذ النظام السوري من العقاب الأميركي بسبب ما قيل عن استعمال أسلحة كيميائية في الغوطة بريف دمشق. جرى الاتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا يومها على تفكيك ما تملكه سوريا من أسلحة محرمة دوليا.

أحبط ذلك الاتفاق آمال المعارضة بضربة توجهها الولايات المتحدة إلى سوريا فيسقط النظام على إثرها. ليس مهمّا السلاح الذي سيتم استعماله في تلك الضربة. لقد سبق للقوات الأميركية أن استعملت مختلف الأسلحة المحرمة في العراق ولم تتعرض للمساءلة. اليوم تتجدد تلك الآمال بعد أن وجهت الإدارة الأميركية ضربة غير مباشرة إلى المعارضة بتخليها عن مطلب استبعاد الأسد من السلطة. توقيت من ذلك النوع لا يُريح، بل ويدعو إلى التفكير بطريقة مرتابة.

من حق المرء أن يتساءل “ما الذي تربحه الحكومة السورية من فضيحة جديدة تُضاف إلى سجلها المتخم بجرائم القتل؟” واقعيا فإنها اليوم في وضع أفضل مما كانت عليه عام 2013. ثم أن خان شيخون ليست الغوطة. تقع الأولى في إدلب، شمال البلاد قريبا من الحدود التركية، فيما تلامس الغوطة العاصمة. افتراض براءة القوات الحكومية لا يعني توجيه اتهام جاهز إلى المعارضة باعتبارها الجهة المستفيدة فيما لو ألصقت التهمة بالحكومة. فقد تكون جريمة خان شيخون وقعت فعلا نتيجة لاستعمال أسلحة تقليدية. هل يخفف ذلك من بشاعة الجريمة انطلاقا من افتراض مقابل يقضي بأن الضرب بالأسلحة التقليدية ليس جريمة، وهو افتراض يسمح بالقتل عن طريق أسلحة غير محرمة دوليا. لا يتوتر الوضع الدولي إلا على خلفية استعمال ما يسمى بالسلاح المحرم. حينها يكون الحديث عن جريمة ممكنا.

هناك نوعان من الجرائم تبعا للسلاح المستعمل. جريمة ممنوعة وأخرى مسموح بها. كانت جريمة الجيش الأميركي الأخيرة في الموصل التي أدت إلى مقتل المئات من المدنيين من ذلك النوع المسموح به، إذ أنها نُفذت عن طريق دفن الضحايا بسقوف بيوتهم. وهو ما لا يمكن أن يُحاسب عليه أحد. في أسوأ الأحوال يُمكن اعتباره خطأً في التقدير أو فشلا في المعلومات.

ما يدعو إلى التساؤل أن كيميائي سوريا لم يكن سوى خبر صحافي لم تتولّ منظمة متخصصة تأكيده. هل الدعوة إلى انعقاد جلسة لمجلس الأمن يتم بناء على أنباء صحافية؟ ألا يحق لنا التذكير بالمئات من البشر الذين دفنوا في بيوتهم بسبب قصف الطائرات الأميركية في الموصل؟ ليس مهمّا موقف الحكومة العراقية من مصير مواطنين عراقيين فهي لا ترى قيمة لأحد. ما يهم هنا موقف المجتمع الدولي الذي لم تروعه الجريمة.

تلك المعادلة الظالمة يمكن تلمس الطريق إليها من خلال المقارنة بين قتلى لا يشكلون رصيدا لأحد وهم القتلى العراقيون، وبين القتلى السوريين الذين يمكن أن تضيفهم المعارضة إلى حسابها الذي يكاد يكون فارغا.

المعارضة التي يهمّها أن يكون النظام ارتكب الجريمة حقا لا تملك سيطرة على القوى المسلحة التي تقاتل على الأرض. وإذا ما عرفنا أن تلك القوى لا تزال تتلقى التمويل من الدول التي ترعاها فلا شيء يحول دون الظن أن متطرفي الجماعات المسلحة قد نفذوا عملية محدودة، يُراد من خلالها إحراج الولايات المتحدة بعد موقفها الجديد، لا من مسألة بقاء بشار الأسد رئيسا وحدها بل وأيضا من المسألة السورية برمتها.

التحقيقات التي تقوم بها لجان متخصصة يمكن أن تقول الحقيقة. أما الحكم اعتمادا على موقف سياسي جاهز فيمكنه أن يذهب في اتجاهات مختلفة لا علاقة لها بالرغبة في إدانة الجريمة ومنع وقوعها. ولكن تلك الحرب هي جريمة ترتكب كل لحظة في حق الشعب السوري.

يضعنا اعتبار استعمال السلاح الكيميائي وحده جريمة أمام قبح المنطق الدولي الذي يبرر القتل بالأسلحة التقليدية. وهو ما كان يجب على السوريين أن لا يهدروا حقهم في الحياة في سبيله. الحرب هي الجريمة التي يجب علينا أن نناهضها.

كاتب عراقي

8