ليس بالتفوق التقني يدحر الإرهاب

الخميس 2014/07/17

تعوّل فئات اجتماعية وقوى سياسية وحكومات على التقدم التقني، للحدّ من مخاطر الصعود المتنامي للجماعات المتشددة التي تتخذ من الإرهاب أسلوبا، ويروج خصوم الجماعات الإسلامية في سوريا والعراق مثلا، للقدرات الكليَّة للنظام الاستخباراتي الأميركي وأسلحته فائقة التطور، التي يمكنها تعقّب وتدمير تلك الجماعات في اللحظة التي تقرر فيها الإدارة الأميركية ذلك.

ومع ما يكتنف هذه الفرضية غير المثبتة من رغبوية، إلا أننا لا نستطيع نفيها، وتبقى احتمالا قائما، لكننا نستطيع أن نطرح بعض الحقائق المتعلقة بهذا الموضوع، تنتقص في مجملها من الدور الحاسم المفترض للتطور التقني في مواجهة الإرهاب، وتقلل من قدرته على وضع حد لهذا التهديد، الذي يعد واحدا من أبرز التحديات التي تواجهها البشرية.

الحقيقة الأولى هي أن الثورة التقنية المعاصرة، أحد المولّدات الرئيسية للتطرف، وتكاد أن تكون المفجر والداعم والمغذي لموجة التطرف والإرهاب العابر للحدود. فالعولمة، من حيث هي ثمرة التطور الهائل في تقنيات الاتصالات والإعلام، حفّزت التشدد بنزوعها لتعميم وفرض أنماط اجتماعية وثقافية وسياسية وسلوكية تتعارض مع الهوية والخصوصية التي تميز كل واحد من المجتمعات البشرية الكبرى، ومنحت قادة المتشددين ومنظريهم قاعدة من المسلمات غير المحتاجة إلى برهان لإقامة دعاويهم وكسب التأييد لها. وعلى سبيل المثال تتلخص شعارات الجماعات الإسلامية المتشددة اليوم برفض الديمقراطية كنمط سياسي، والحداثة كثقافة، والعلمانية كفكر، والليبرالية كاقتصاد، وتضع الدين الإسلامي، باعتباره النظام الهوياتي الأصيل، في مواجهتها جميعا، وتعبّئ نحو مليار مسلم في خضم المواجهة مع هذه القيم بعبارات بسيطة ومعروفة ومكرورة، لكنها شديدة الفعالية في المجتمعات الإسلامية لأنها بالنسبة إلى الغالبية العظمى من السكان مسلمات لا تناقش، وفي الوقت عينه منحها المنجز التقني للعولمة، بعموميته وحياديته، الأدوات والوسائل لنشر دعواها والدفاع عنها، كما منحها أسلحة صراع حديثة أيضا، فقد استخدم تنظيم القاعدة الطائرات والإنترنت، وهما عصب العصر المعولم، في هجمات 11 أيلول، وتعتمد اليوم كافة التنظيمات الجهادية على الإنترنت في التجنيد والتخطيط وإدارة عملياتها السرية.

والحقيقة الثانية، تتلخص في أن التفوق التقني يتقادم باستمرار، مهما كان ثوريا، وسرعان ما يجد الإرهابيون طرقا ووسائل تقنية، لتفادي الاستهداف عبر الأسلحة فائقة التطور التي تطاردهم، ويصبح لزاما على خصومهم أن ينتقلوا سريعا إلى مستوى أعلى من التفوق التقني لإبقائهم تحت السيطرة، ويراوح الصراع عمليا عند حد التحجيم، أي تقليم أظافر الوحش وليس القضاء عليه نهائيا، ويستمر الصراع المفتوح زمنا لا نستطيع أن نتكهن بمداه، لكنه بالتأكيد يتجاوز العمر الافتراضي لمن يتطلعون اليوم إلى التفوق التقني كحل سحري للقضاء على الإرهابيين، على النحو الذي يشاهد في أفلام هوليوود.

الحقيقة الثالثة، تتلخص في أن هذا النوع من الحلول سطحي، يتغاضى عن منابع الظاهرة الحقيقية، ويتجاهل المروجون له ومنتجوه أن التشدد كمنهج، والإرهاب كأسلوب، هما سبيل المحرومين الوحيد لنيل حقوقهم، وفرض الاعتراف بهم، وإثبات ذواتهم، والدفاع عن بقائهم، في عالم يصبح يوما بعد آخر، جنة النخبة الأكثر تفوقا وثراء، وجحيم الفقراء والمستضعفين.

مشكلة الإرهاب، التي تدل على منابعها بلا مواربة، من خلال الخارطة الجغرافية للمناطق التي تنبثق فيها، وهي البلاد الأكثر فقرا، والأقل تعليما والمحكومة من نظم ديكتاتورية عنيفة، هي مشكلة اجتماعية ناجمة عن الفشل التنموي، ولن تعالج سوى في هذا السياق. ولجعل الفكرة إجرائية أكثر، يمكننا أن نتخيل مثلا تفجر ظاهرة عنف اجتماعي حاد في دولة متقدمة، كالولايات المتحدة، وتخيل نوعية الحلول التي ستواجه بها المشكلة، وتطبيقها في الدول الأقل نموا، حيث يعشش التشدد ويتناسل الإرهاب. ومن نافل القول، إن الإدارة الأميركية، لن ترسل طائرات بلا طيار لتحصد رؤوس المتطرفين في نيويورك أو شيكاغو، وسيطالبها ممثلو الشعب الأميركي عندئذ، بالبحث عن حلول أكثر إنسانية وأخلاقية وجدوى.


كاتب سوري

9