ليس بالسياسة وحدها تحيا الأوطان

السياسة اليوم تغيرت في النظم الجمهورية، على الأقل، الأنظمة لا تأتي بالدبابات، ولا بالانقلابات، ولا بالشعارات، ولا بالتمنيات تأتي عبر صناديق الانتخابات، مع استدراك قوى الصناديق النزيهة.
الخميس 2018/03/01
الأنظمة تأتي عبر صناديق الانتخابات

وأنا أتابع تاريخ العراق الحديث، وأعيد قراءة فصول من محطاته، المشرقة حينا والدموية أحيانا، محتكما لآراء سديدة قدّمها بعض الدارسين لهذا التاريخ، من غير العراقيين، كدراسة الأستاذ حنا بطاطو وعدد من الباحثين العراقيين المعتمدين أمثال علي الوردي، وجواد علي، وفالح عبدالجبار، ألحظُ أن السبب الرئيس للفوضى التي انتابت هذا التاريخ ناجمة عن اعتماد الأحزاب والقوى السياسية في البلاد عموما، منهج التوسع والانتشار السريع، بل ارتكنت إلى الانتشار بالكسب الحزبي العشوائي الذي حشا جسدها بالانتهازيين والجهلة، الذين يتمتعون بمهارات التسلق على حساب المبدئين المؤمنين بعقائدها، أو ما يسمى اصطلاحا بالشعبوية، التي أدخلت لتاريخ تلك القوى أفرادا.

لا علاقة لهم بالسياسة أصلا، أناس عاديون في الحياة العامة أبناء عشائر معروفة، لكن مهنهم غير السياسة، التي هي اختصاص ومعرفة وتوقد وإدراك لقيمة القوانين والأنظمة الاجتماعية ودراسات لتاريخ تجارب الشعوب الأخرى ومعرفة بديناميات العمل الوطني والشراكة مع قوى أخرى رديفة تختط منهجا آخر، لها مريدوها وجمهورها، أو معرفة لأثر المتغير الدولي الضاغط على المحلي والإقليمي، الأزمة أن من يستلم زمام الحكومات لدينا، يظن أنه قد امتلك البلاد والعباد، حتى تأتي قوة أكبر تقصيه، أو يُسحل في شوارع العاصمة كما حدث في العام 1958، وتلغي برنامجه وتبدأ الدولة العد من جديد، والطامة الكبرى أن تأتي قوى طامعة من خلف الحدود لها أجندتها تعمل على اجتياح البلد وتلغي ثوابته، وتتعامل مع أبنائه بفوقية لتترك آثارها التدميرية عليه.

السياسة اليوم تغيرت في النظم الجمهورية، على الأقل، الأنظمة لا تأتي بالدبابات، ولا بالانقلابات، ولا بالشعارات، ولا بالتمنيات تأتي عبر صناديق الانتخابات، مع استدراك قوى الصناديق النزيهة، التي تتيح لمن يتنافس الفرص حين يملك مشروعا وطنيا، مجربا سواء أكان شخصا أو تيارا أو حزبا، يقتنع الجمهور بأفكاره، بعيدا عن الإقصاء أو التخوين المجاني السائد اليوم.

لا بد من أن تسود ثقافة الحوار الوطني وتكافؤ الفرص، من خط شروع المواطنة التي هي الفيصل والحال يتعدى الحالة العراقية الأقرب لفهمنا، فأمام قوى عربية كثيرة مراحل عمل طويل لبناء ما خربه المتغير الأجنبي المتدخل قسرا، لتنفيذ أجندته من جهة وتضميد جراح ما صنعه التكفيريون في مدننا المحطمة، من جهة أخرى، أن نعيد بهاء وجه المدن المحطمة لترتفع أعلام دولنا زاهية، ولنصون كرامات الناس، وإعادة توطينهم في بيوتهم، ومنحهم فرص العيش الكريم، وترصين العمل المهني واحترامه ورفع منسوب التفاهمات الوطنية ومدّ جسور الثقة في ما بينها.

24