ليس بالفن وحده يتم تقويض الحركات الإسلامية في المجتمع

مجموعة كبيرة من المسلسلات الدرامية قدمتها الشاشة الفضية نجح بعضها في كشف ألاعيب الحركات الإسلامية وأغراضها لكنها أخفقت في نزع فتيل العنف داخل المجتمع.
الأربعاء 2020/04/29
كشف ألاعيب الحركات الإسلامية

مع بداية شهر رمضان من كل عام نجد عملا فنيا عربيا أو أكثر يتعرض للتصرفات السلبية للحركات الإسلامية والتنظيمات الإرهابية، ويحاول فضح الجرائم السياسية والأمنية في حق المجتمع. وتنتعش المبارزة بين منتمين إلى جماعات متطرفة بأشكالها وألوانها المختلفة، وبين التيار المدني الرافض للمنهج الذي يتبناه أنصار التغيير بالعنف. وتزداد المباراة احتداما وتتجدد معالمها عند تقديم عمل درامي يتطرق إلى تفاصيل الحياة والقناعات المرعبة للتكفيريين.

السؤال الذي يظل مطروحا هو هل تكفي تعرية المتطرفين للقضاء عليهم وخلع أفكارهم من رؤوس أنصارهم، خاصة أن الرافضين للحركات الإسلامية يزدادون رفضا، وأن المؤيدين يزدادون تأييدا، وهي من المفارقات التي تترسخ عاما بعد آخر، وتفرض تحليلها بتريث.

جدد المسلسل المصري “الاختيار” الذي بدأ عرضه على قنوات فضائية محلية وعربية قبل أيام الحديث عن هذه المعادلة الحرجة، ولأول مرة يضع عملا فنيا النقيضين وجها لوجه بهذه البراعة. ويترك للمشاهدين حرية المقارنة بين ازدواجية، الحق والباطل، الطيب والشرير، العادل والظالم، اللين والعنيف، المتسامح والقبيح، إلى آخر هذه السلسلة التي نجح العمل في تحريكها بصورة غير مباشرة في أذهان الجمهور.

يؤكد هذا الاتجاه أن القائمين على أعمال تتطرق إلى الإرهاب وذيوله السياسية، أدركوا خطأ أسلوب الوعظ والتلقين وما يفضيان إليه من إفرازات سلبية تقلل من جدواهما، وأن قيمة العمل الفني تتحدد بمدى وصوله إلى المستهدفين، وهم كثر. وأبرزهم المتطرفون المطلوب ردعهم ووقف جرائمهم، والمناصرون لهم وعملية دفعهم نحو خلع عباءتهم السياسية وحضانتهم المجتمعية. وهو ما جعل “الاختيار” يعتمد على ثيمة تراعي المنطق ليصل إلى الهدف بنعومة.

تكمن الميزة الرئيسية لهذه الأعمال في إبعاد جزء من الكتلة الحرجة في المجتمع عن التنظيمات الإرهابية، وتضم فئة من الشباب لم يجدوا أنفسهم ومن يتحدث باسمهم في ظل أوضاع سياسية مرتبكة، وظروف اقتصادية صعبة، وبينهم شريحة لا تمانع في الانصياع لأصحاب الرؤى المتشددة كنوع من الاحتجاج على الواقع، وليس اقتناعا بالأفكار المقدمة لهم.

قدمت الشاشة الفضية مجموعة كبيرة من المسلسلات الدرامية خلال السنوات العشر الماضية، نجح بعضها في كشف ألاعيب الحركات الإسلامية وأغراضها، لكنها أخفقت في نزع فتيل العنف داخل المجتمع، لأن نسبة كبيرة جرى تقديمها متضمنة إشارات سياسية معينة والتركيز بلا مواربة على التصورات التي يروج لها من أقدموا على ممارسات إرهابية ومن ساندوها سياسيا، وتدثروا بستار الدين.

أسهم هذا الدور في تشويه الصورة الذهنية لغالبية القوى الإسلامية في القطاعات المستعدة لتقبل هذا النمط من الأعمال الفنية، بينما تصدت له الجهات المقصودة ولم تتخلَّ عن أفكارها، وتعامل المنتمون إليها بالتجاهل أو إظهار قدر من السخرية، على اعتبار أن ما يتم عرضه يرقى للعمل الدعائي والتوجيهي والممنهج، حتى لو كان جادا ومخلصا في تناوله للقضايا التي تتعانق مع ما تتبناه قوى إسلامية منحرفة.

أعرف نماذج في محيط دوائر العمل والأصدقاء والمعارف تتعاطف بصور متباينة مع قوى محسوبة على التيار الإسلامي، وعلى مدار السنوات الماضية التي اشتد فيها عوده ثم انحداره المريع، لم تتغير معتقدات أي منهم، أو تنصل أحدهم بسهولة من أفكاره المؤيدة لهذا التيار، على الرغم من الفشل الكبير الذي واجهه في مصر والدول التي سطع فيها نجمه السياسي.

مسلسل "الاختيار" ترك للمشاهدين حرية المقارنة بين ازدواجية، الحق والباطل
مسلسل "الاختيار" ترك للمشاهدين حرية المقارنة بين ازدواجية، الحق والباطل

يحفر هذا الفريق في ذهنه الأفكار التي تلقاها أو تعلمها أو استراح لها، ويحاول التشبث بها وتحمل خسائر ذلك كنوع من المكابرة ورفض ما يعتبره استسلاما أو تخليا عن الدين وخذلانه، وعندما تنحدر فكرة إلى هذا الدرك يصعب اقتلاعها بأعمال فنية مباشرة.

لذلك تثق التنظيمات التي تشرف على بضاعة التطرف في صعوبة مبارحتها، ولا تنزعج كثيرا من بعض الأعمال الدرامية الناقدة، وقد تعتبرها مكسبا، فعندما يتم الاهتمام بالقوى الإسلامية وحشد الأموال لتفنيد حججها فهذا يعني أنها لم تنكسر وما زالت مؤثرة، وهي محور انشغال وتركيز من الجهة المقابلة، أو تقوم بتوظيفها سياسيا، بالتالي يمثل وجودها، ولو بشكل سلبي، في صدارة المشهد العام مزايا تفوق الغياب.

يكتشف المراقب للأعمال الفنية التي تتطرق لجماعات ترتكب العنف والإرهاب أنها تحتوي على قصص إنسانية لا تخلو من دغدغة مشاعر أنصارهم، وحثهم على التمسك بمبادئهم التي غُرست في عقولهم خلال مرحلة مبكرة. تارة تأتي القصص بحجة ضرورات السياق الدرامي، وأخرى استنادا إلى رغبة معلنة في ارتداء الحياد والموضوعية، وثالثة بذريعة أن توصيل الهدف يستوجب تسليط الضوء على الفريق المغامر.

بعد مرور سنوات على إنتاج أعمال فنية تطرقت إلى التصرفات الخاطئة والشاذة للإخوان والقاعدة وداعش وبوكو حرام والنصرة، يصعب القول إنها أرخت بظلال قاتمة على أتباع هؤلاء، وقد تكون ملأتهم عنادا وتجبرا وتسلطا، وضاعفت من التمسك بتوجهاتهم السياسية، فأصحاب الأفكار الأيديولوجية في حاجة إلى صدمة داخلية تهزهم كي يغيروا مواقفهم أكثر من رؤيتهم لمشاهد درامية تتهكم عليهم في معظم الأحيان، وتشير إلى خطوات محددة أقدموا عليها وأنهكت أجهزة الدولة والمجتمع.

يصل الحال بهم إلى عدم الاستماع أصلا إلى الرسالة الموجهة إليهم، ويحتفظون بحكم مسبق ينطلق من نبذ التجاوب مع ما يتضمنه العمل الفني، فمعظم المنتمين إلى الحركات الإسلامية يظنون أنهم على “حق” وغيرهم على “باطل”، وهذا أول مسمار يتم دقه في نعش أي عمل درامي يتعرض لهم. أما الثاني، فهو إثارة الغبار وفتح النار على القائمين عليه، وتشكيل حالة رافضة له لسد الطريق على إمكانية وصول أهدافه لأنصار تيار الإسلام السياسي.

ويعمل قادته على تحصين المريدين والمطيعين بهذه الطريقة، وأضيف إليها إنتاج برامج تسخر من خصومهم، وتلوي أعناق الكثير من الحقائق لتفشيل رسالتهم، ونقل المواجهة أو إعلاء دورها في الفضاء الإلكتروني الرحب الذي يزداد اتساعا مع عدم وجود رقابة دقيقة على ما يتم بثه ليلا ونهارا، وكلها ملامح تشي بأن العمل الفني المسيّس لابد أن تتوافر له مقومات ومعلومات ورؤية دقيقة تساعده على النجاح.

القائمون على أعمال تتطرق إلى الإرهاب وذيوله السياسية، أدركوا خطأ أسلوب الوعظ والتلقين وما يفضيان إليه من إفرازات سلبية تقلل من جدواهما

تتوازى الأعمال الفنية مع جهود أخرى أمنية وسياسية واقتصادية تقوم بها حكومات عربية لإجهاض عمليات العنف قبل حدوثها، وهو ما تقوم به القاهرة منذ فترة، غير أن هذه الأدوار المركبة لم تحقق الأهداف المرجوة كاملة حتى الآن، أو بمعنى آخر حققت تقدما لكنها لم تتمكن من اجتثاث الأفكار التي يتغذى عليها المتشددون، بدليل عدم نضوب معين الإرهاب، وعدم توقف المتعاطفين معه، واستمرار دعم القائمين عليه في المجتمع.

يتطلب التصدي للحركات الإسلامية تفكيك جبهتها، لا تقوية جبهة خصومها فقط، فالثانية اشتد عودها، بينما الأولى تتغذى على ميراث طويل من الفقر والجهل وغياب العقل، يمتنع أصحابها عن تقبل أفكار تنويرية، ويصرون على التمسك بأخرى ظلامية، يستثمرها طيف واسع يؤمن بالعنف. وما لم تصبح الرسالة الفنية واعية بطبيعة الأجواء التي يعيش في كنفها المتطرفون، سوف تواجه بمزيد من التحديات، لأن جدارهم للأسف لا يزال سميكا.

13