ليس بالمال وحده تصنع الأفلام

الأحد 2017/06/18

في ندوة نظمتها دائرة السينما والمسرح حول “آفاق السينما العراقية”، تداول المختصون بالشأن السينمائي في العراق جملة من الأفكار والطروحات والرؤى الكفيلة بتطوير الواقع السينمائي العراقي، وتحدث البعض عمّا أسماه “صناعة” السينما العراقية الآخذة بالتشكّل ومتطلبات دعم هذه الصناعة، كما استنكر البعض الآخر قلّة الدعم المالي وضآلة الميزانيات المخصّصة للأفلام التي تنتج حالياً.

وفي الحقيقة فإن أبرز الإشكاليات التي تواجه السينمائيين العراقيين تتلخص في الفهم الخاطئ لدى الكثيرين لمفهوم “صناعة” السينما، والخلط بين الأفلام الإبداعية القصيرة والمتوسطة ذات الميزانيات الصغيرة، والأفلام الكبيرة ذات العائد التجاري الكبير.

ولعل اختلاط مفهوم “صناعة” السينما لدى الكثيرين، طبعاً إلى جانب جملة من الأسباب الأخرى، هو الذي حال دون ترسيخ التجارب السينمائية العراقية حتى الآن. وبالمقارنة مع سينمات أخرى في العالم، كالسينما الرومانية التي شهدت تطوراً هائلاً بعد الانتقال الديمقراطي هناك، أو حتى السينما الإيرانية التي تشهد ظروفاً مشابهة إلى حدّ ما للظروف التي يمر بها العراق حالياً، ندرك أن السينما في هذين البلدين استندت إلى تجارب واجتهادات خلاّقة تلخصت في تصدي عدد من المخرجين الشباب لصناعة الأفلام المكثفة (قصص إنسانية ممتازة، سيناريوهات ومعالجات مبدعة وجديدة، اعتماد تقنيات تصوير حديثة وغير مكلفة)، حققت حضوراً ملحوظاً في مهرجانات السينما العالمية وترشّح الكثير منها لجوائز الأوسكار بميزانيات صغيرة مجمعة من هنا وهناك، لا تتجاوز في أغلب الأحوال النصف مليون دولار.

وأذكر هنا تجربة المخرج الروماني الشاب كريستيان مونجيو مع فيلمه الكبير “أربعة أشهر، ثلاثة أسابيع ويومان” الذي صنعه بميزانية لم تتجاوز الثلاثمائة ألف يورو، جمعها من عدد من صناديق دعم الأفلام في أوروبا، بما في ذلك صندوق دعم الأفلام في هولندا الذي خصص له ثلاثين ألف يورو، لينال فيلمه في النهاية سعفة كان الذهبية، وهو فيلم مصوّر بكاميرا محمولة لا يتجاوز سعرها الثلاثة آلاف دولار.

إن الادعاء بوجود “صناعة” سينما عراقية يعني بالضرورة وجود اقتصاديات سينما عراقية متمثلة بعروض أفلام جماهيرية واسعة، وقاعات عرض منتشرة في طول البلاد وعرضها، وشركات توزيع أفلام احترافية، وبالتالي فإن الفيلم الذي يموّل بمليون ونصف المليون دولار، على صانعيه فيما بعد تحقيق ما لا يقل عن عشرة ملايين دولار كعائد تجاري، وإلا ما الجدوى من تمويل فيلم ما بمثل هذه الميزانية الضخمة، وفي ظروف مثل تلك التي يمر بها العراق حالياً؟

لقد موّلت ما لا يقل عن عشرة أفلام بميزانيات لا تقل عن المليون دولار للفيلم الواحد، ضمن فعالية بغداد عاصمة الثقافة في العام 2012، كانت جميعها أفلاماً فاشلة لا تستحق ثمن الخام الذي صوّرت عليه، ولم يشاهدها سوى عدد قليل من موظفي دائرة السينما والمسرح آنذاك، قبل أن تركن في مخازن الدائرة المذكورة إلى الأبد، ولم تُرشّح للمهرجانات السينمائية أو تُعرض في القنوات الفضائية الوطنية وغيرها، لخطلها وعدم صلاحيتها، فكانت بحقّ سرقة القرن التي تمت باسم السينما العراقية ارتكبتها مجموعة من المخرجين الفاشلين في وضح النهار، في وقت كان الأجدى فيه بأن ترصد تلك الميزانيات العملاقة لدعم طلبة السينما وشراء معدات تصوير متطورة لهم وإقامة دورات تخصصية لعدد كبير من السينمائيين والتقنيين العراقيين لمواكبة تكنولوجيا التصوير الحديثة، ناهيك عن تمويل عدد من الأفلام الإبداعية القصيرة لعدد من المخرجين الشباب المجتهدين، ولكانت الناتج أفضل بكثير من تلك السرقة ولكنا قد أسسنا فعلاً لمنصة انطلاق مناسبة لما يمكن أن نسميه سينما عراقية تجريبية جديدة.

كاتب من العراق

11