ليس بالنيات الطيبة تكتب الروايات

الكاتب علاء الأسواني يتناول في روايته الفساد المتغلغل في أوصال الدولة، علاوة على استبداد رجال الشرطة، وحالات الحب المحرم وغير المتكافئ.
السبت 2018/03/17
العلاقات جميعها غير متكافئة (لوحة للفنان منيف عجاج)

قدم علاء الأسواني في روايته الجديدة “جمهورية كأن” نموذجا صارخا للروايات التي تستحضر الواقع وكذلك شخصياته، وإن كانت بتحوير قليل إلّا أنّه لا ينفي المطابقة. وبنيت الرواية على حبكة قصصية تجعل القارئ مشدودا للحكاية، فهو يعمد إلى تقطيع الحكاية الواحدة، حيث تنتهي الوحدة على ترقب، ثم يبدأ الوحدة الجديدة، بحدث آخر يثير الذهن، ثم يعود مرة ثانية إلى الحدث المقطوع.
جاءت رواية “جمهورية كأن” منجمة في 73 وحدة، تتفاوت بين الطول والقصر، لم نجد أساليب جديدة يعتمد عليها في بناء الحكاية، فالشخصيات تكاد تكون مُقسمة وفقا للتوصيف الكلاسيكي لأنواع الشخصية إلى فئتين؛ أخيار وأشرار، أقوياء وضعفاء، سويّة ومُنحرفة، إلخ.

حب محرم

يبدأ الزمن الأصلي مع إرهاصات 25 يناير، والحركات الاحتجاجيّة، وصولا إلى أحداث ماسبيرو، إلا أنه يعود إلى الوراء عبر استرجاعات طويلة، ويستدعي أزمنة قديمة وهو يحفر في ماضي الشخصيات، بغرض تزويد القارئ بسيرة أرشيفية عنها، لكن اللافت أننا لا نجد تطورا في الشخصية باستثناء شخصية أشرف ويصا، وإن كان ثمة ارتداد وسقوط مريع لبعض الشخصيات، على نحو ما رأينا شخصية عصام شعلان، الذي ارتدّ عن أفكاره الشيوعيّة وصار مُدجنا، وبالمثل أسماء بعدما تمّ القبض عليها.
أمّا اللغة فجاءت بسيطة قائمة على خطابات محكية في الكثير منها، حيث يتردد شريط لغوي شائع في أوساط المجتمع المصري، في تعاملاتهم الشخصية وكذلك في تعاملات السُّلطة معهم، وإنْ جاءت لغة السلطة حاوية لمعاني التحقير والتهميش للآخر، على اعتبار أنها سلطة قاهرة ذات سيادة.

 

أن تكرِّرَ الرواية الواقع بعينه دون أن تُضفي عليه الصفة التخيليّة التي هي ميزة الفن والرواية بصفة خاصة، فهذا يعود بنا إلى نظرية الانعكاس الآلية عند أفلاطون، وإن كانت النظرية الماركسية جاءت وتجاوزت هذا بإعادة إنتاج الواقع، بالتغيير والخلق الجديد، وفقا لشرائط الفن، ثم إن فكرة استحضار أحداث حقيقية شاهدها الجميع، وإعادة سردها في قالب حكائي أيّا كان نوعه، في حدّ ذاتها فكرة محفوفة بالمخاطر. هذه المقدمة كانت نتيجة طبيعية بعد قراءة رواية علاء الأسواني “جمهورية كأن”

الثيمة الرئيسية للرواية، الصّادرة عن دار الآداب ببيروت 2018، ليست جديدة بل مُتكررة منذ عمل الأسواني الشهير “عمارة يعقوبيان” 2002، حيث الفساد المتغلغل في أوصال الدولة، علاوة على استبداد رجال الشرطة، وحالات القهر والتعذيب التي يُمارسها رجالها، وإن كانت هذه المرة ليست لقيادات الجماعات الإسلامية فقط، وإنما أيضا للثوّار والذين شاركوا في الثورة كنوع من العقاب على ما حدث في 25 يناير 2011.
الصّراع الذي يحكم الرواية نوعان؛ صراع طبقي وصراع سياسي. الطبقي يتجلى في العلاقة بين أشرف ويصا والخادمة إكرام من جهة، ومن جهة أخرى علاقة دانية ابنة رئيس جهاز مباحث أمن الدولة وخالد مدني ابن سائق عصام شعلان الماركسي القديم والرأسمالي الجديد؛ فالعلاقات جميعها غير متكافئة.
 بالنسبة إلى العلاقة الأولى، حقّق أشرف ويصا لإكرام ما تطمح إليه من إعادة الاعتبار لآدميتها، والأهم أنهما خرجا معا وكأنهما حبيبان كما طلبت منه، على الرغم من أنَّ الذي يحكم العلاقة، هو المنفعة من طرف أشرف والتعويض من طرف إكرام. فالأوَّل يستغلها جنسيا في تعويض الحرمان الذي تعاقبه به زوجته ماجدة.
 والثانية تستعيض بما يغدقه عليها أشرف من كلمات حبّ أثناء الممارسة عما تفتقده من زوجها منصور الفظ والمدمن، ومن ثمّ هي تتوق إلى علاقة إنسانيّة. ومع هذه الفجوة إلا أنّ المؤلف يُحسب له أنه كشف لنا عن ضعف هذه النفس، وتوقها إلى ما يرفع من قدرها بأن تكون محبوبة.
العلاقة الثانية غير المتكافئة على المستوى الطبقي وهي من المفارقات هي علاقة خالد مدني ابن السّائق بدانية ابنة سعادة اللواء أحمد علواني. فإذا كانت أيديولوجيا الراوي أعطت دانية مساحة تعاطف مع حادثة أمّ خالد سعيد، فهذا لا يعني الإسراف في الخيال ويجعلها تهبط لحدوث علاقة حبّ بينها وبين خالد، وإن كانت تعلم نهايتها، فمهما حقَّق خالد من نجاح أو مال في النهاية، فهو في نظر أبيها ابن السّائق. هذا الحب حوّله المؤلف إلى حبّ محرّم، وسرعان ما عجّل بنهاية خالد كهروب من مأزق كيف تنتهي هذه العلاقة الشائكة التي ستصطدم حتما بسلطة وطبقية الأب.
 وبالنسبة إلى الصّراع مع السُّلطة فيأتي من طرف الثوَّار وبالفعل كانوا في صراع حقيقي وغير ومتكافئ وهو ما انتهى بالتنكيل بهم وتشويه صورهم عبر حوادث كشوف العذرية للبنات، وانتهاك ذكورية الرجال، ثمّ السلطة والثوّار باستخدام أجهزتها الأيديولوجية في قمع الثوّار بشتى الوسائل، والإعلاميّة من خلال تشويه الثوار وما فعلوه، وهو الدور الذي لعبته المذيعة نورهان بمهارة. وهناك صراع آخر مكتوم، تمثّل في ضحايا الثورة ضدّ السُّلطة ومثاله هنا والد خالد عمّ مدني مع ضابط الشرطة هيثم الميلجي قاتل ابنه، بعدما برأته المحكمة.

علاقات الحب المحرم والواقع المكرر
علاقات الحب المحرم والواقع المكرر

المبالغة والإنسانية

في إطار انشغال الكاتب بفكرة التوثيق لحدث في الأصل تمّ توثيقه صوتا وصورة، غابت ملامح الفن وسيطرت الوثائقية والتاريخية، فحوى النص في داخله شهادات حقيقية لبعض الذين وقعت عليهم انتهاكات الشرطة، وإن جاءت هذه الشهادات دون توظيف في سياق الأحداث، حضور شهادات سميرة إبراهيم، ورشا عبدالرحمن، وسلوى الحسيني، جاء للتدليل على انتهاكات النظام، وهي منقولة عن شهادات موثَّقة عبر اليوتيوب، وبعضها مكتوبة في مواقع إلكترونية. وبالمثل شهادات لبنى درويش، وبيشوى سعد، ومحمد الزّيات عن أحداث ماسبيرو. ومع هذه الوثائقية إلا أن ثمّة بعض المبالغات.
تدخل في باب المبالغات الصورة الاستهلاكية لرجل الدين، فصورة الشيخ شامل هي صورة مُكررة لرجل الدين متناقض الشخصية، والذي باع نفسه للسّلطة مقابل المال والظهور الإعلامي. وقد أفردت المدونة الروائية لهذا النموذج المبتذل رواية نالت شهرة عريضة، ألا وهي رواية “مولانا” لإبراهيم عيسى، ومن ثمّ جاءت الشخصية وكأنها تكرار لما ورد عند إبراهيم عيسى.
وفي الرواية جوانب إنسانية مهمّة؛ فقد كشفت عن حالة العوز والافتقاد التي يعانيها أشرف ويصا من سوء معاملة زوجته وبالمثل غياب الأب في حياة أسماء الزناتي ومن ثم كانت علاقتها بجدها أقوى وصاحب تأثير في تشكيلها، فالأب تركها وعاش في 
الخليج يجمع المال، في إشارة إلى مخاطر الهجرة خلف المال، وأيضا علاقة مازن بعصام شعلان واعترافه بالدور الذي لعبه في حياته.
لكن ثمّة حشوا وتفاصيل كثيرة أرهقت النص وبدّدت تماسك بنيته، مثل حكايات محمد الزناتي والد أسماء وماضي عصام شعلان، ومحمد شنواني صاحب قناة مصر الأصيلة، وقد أقحمت على السّرد دون تمهيد. الغريب أنّ الكاتب كان كريما في منح كلّ شخصية تاريخا، وماضيا في بعضه نضاليا، دون مبرر حقيقي سوى زيادة عدد الصفحات. فليس بالنيّات الطيّبة تكتب الروايات.

15