ليس حبا في معاوية، ولكن كرها في علي: ما هو أبعد من داعش

الأحد 2014/06/22

تختلط الأوراق كثيرا في العراق اليوم، وحين تختلط الأوراق في العراق، فإنها تختلط كثيرا أيضا في الهلال الذي كان خصيبا، وفي كل جزيرة العرب، وهو أمر تصعب معه دقة التحليل ومعرفة اتجاه الأمور، خاصة في ظروف إقليمية ودولية غير واضحة المعالم، يتحكم فيها صراع خفيّ وجليّ على احتلال مراكز متقدمة في نظام دولي في حالة تشكل، أو لنقل، هو خلق من جديد.

كل شيء يجري يبعث على تساؤلات كثيرة، واحتمالات إجابات كثيرة، وسيناريوهات أكثر، وخاصة في ظل غياب المعلومة الدقيقة التي يمكن أن تكون ركيزة لتحليل أكثر دقة، أو حتى يقترب من الدقة، وبالتالي فإن أكثر تحليلاتنا تقوم على استقراء منطقي لشذرة من معلومة هنا، وطرف من خبر هناك، وتساؤلات حيرى، وهذا أقصى ما يمكن الوصول إليه، طالما كان “الراسخون في العلم”، من الذين يسيّرون الأمور هنا وهناك، صامتون وهم يتابعون ما يجري، ولا يدرون هل سيتطابق حساب الحقل مع حساب البيدر، أم أن الأمور لا تسير دوما وفق ما تشتهي السفن، فتفاجئهم رياح خماسين لم تكن متوقعة، فتأخذ الفوضى “الخلاقة” فرصتها، وكل فوضى هي خلاقة بشكل ما، والله وحده أعلم بالجنين الذي يتخلق في أحشاء هذه الفوضى، فقد تكاثر الآباء، وتعددت النطف، والرحم في النهاية واحد.


لعبة مفتوحة


تساؤلات كثيرة يطرحها هذا الاجتياح الكاسح والمفاجئ لقوات داعش لأجزاء كبيرة من العراق والشام في أيام معدودة، وهو التنظيم الذي كان لا يكاد يكون شيئا مذكورا قبل أيام معدودة أيضا، فإذا به اليوم يتحول إلى نار مستعرة، كلما أُطعمت وقودا، قالت هل من مزيد.

ما الأمر يا تُرى؟ هل إن داعش تحولت فجأة إلى تنظيم جماهيري أصبح يجتذب الآلاف، وهو الذي لا جاذبية في خطابه وفكره، على افتراض أن لديه فكرا، اللهم إلا إذا استثنينا أولئك المراهقين اليائسين الباحثين عن المتعة السريعة في أحضان الحور العين، أو في تلك الغنائم من الأجساد الغضة والطرية التي “يفيء” الله بها عليهم بعد النصر على “الكفار”، أو أولئك المرضى نفسيا الذين أدمنوا رائحة الدم ورؤية الأجساد الممزقة. لا أظن أن داعش تغيرت بين عشية وضحاها، أو أن معجزة قد حدثت وبدأ الناس يدخلون في دين داعش أفواجا، بعد أن تبين لهم الحق وسطع نوره، وبُهت الذين كفروا بهتانا كبيرا.

القضية في الأول والآخر قضية لعبة سياسية قد لا تكون “داعش” تعي أبعادها، ولا أظن أنها تفعل وهي الغارقة في سراب الوهم وأحلام العصافير، فما هي في النهاية إلا ورقة من أوراق لعبة “بوكر” إقليمية ودولية، لا يلبث دورها أن ينتهي بعد أن تُلقى على مائدة اللعب الخضراء، أو الحمراء في هذه الحالة.

نعم تساؤلات كثيرة يطرحها هذا الظهور الكبير والاجتياح الكاسح لداعش في العراق والشام، إلا إذا كان الأمر لعبة إعلامية، أو مؤامرة دولية نُسجت أطرافها في كواليس واشنطن وموسكو وحتى الرياض وعواصم الخليج العربية، وهو أمر قد يُشكل بعضا من جواب، خاصة إذا طُرحت أسلة مثل: من يمول هذه “الداعش” بحيث تُصبح بهذه القوة؟ ومن يُسلّحها، ومن أين يأتون بالأسلحة، على افتراض أنهم امتلكوا المال، وهم التنظيم المغضوب عليه من الكل، كما يُزعم على الأقل، أهم “أهل الخير والتقوى” هنا وهناك، أم هي غنائم الحرب وتلك الأسلحة التي خلفها الأعداء وراءهم وهم فارون، أم أن هنالك أطرافا “خيرها” أكبر، و”لوجستياتها” أسهل، لها من الغايات ما لها، واللعبة مفتوحة على أية حال، ومن لديه أوراق فليلعبها، أو “اللي عنده كحل يتكحل بيه”، على رأي المثل الشعبي المصري؟ باختصار، هناك أصابع تلعب في الخفاء، وقد أُدخلت داعش في اللعبة، ولا بأس بذلك طالما هي لعبة مفتوحة، ومصالح مبتغاة، فليس الحديث حديث مؤامرة أو أمر دُبّر بليل، حتى وإن دُبّر بليل، فدهاليز السياسة كلها ظلمات بعضها فوق بعض.

حين احتل الاتحاد السوفيتي السابق أفغانستان في أواخر سبعينات القرن الماضي، وأصبح قاب قوسين أو أدنى من “المياه الدافئة”، وتزامن ذلك مع الثورة الإيرانية ومحاولاتها تصدير ثورتها الأصولية إلى دول الجوار، وخاصة منطقة الجزيرة العربية والخليج العربي، دُقت أجراس الخطر في واشنطن، واستنفرت أميركا قواتها للتصدي لهذا الخطر الذي يهدد مصالحها الحيوية في منطقة المشرق العربي، وخاصة منطقة الجزيرة العربية بكل أهميتها الاستراتيجية والاقتصادية لأميركا والعالم.

استخدام كافة الأسلحة، المادي منها والمعنوي، أمر مُبرّر في هذه الحالة، فكان أن استنهضت أميركا، والرياض بصفتها الحليف الأميركي الرئيس في المنطقة العربية، همم “المسلمين” للتصدي لموجة الإلحاد القادمة مع السوفييت من خراسان، وتشجيع الحركات الإسلاموية السنيّة وخطابها المناوئ للخطاب الإسلاموي الشيعي الثوري في إيران، ومن هناك بدأ خلط الأوراق.

دعمت واشنطن والرياض حركة المقاومة الأفغانية ضد السوفييت، على أساس أنهم “مقاتلو الحرية”، وفق التعبير المختار للإيديولوجيا الأميركية، أو “المجاهدين”، وفق التعبير السعودي والإسلامي المختار، والغاية في النهاية واحدة: دحر السوفييت في حرب باردة ملتهبة في غير أماكن مشعليها. وتحقق الهدف وانسحب الاتحاد السوفيتي، بل وانهار في النهاية، ولكن كان من النتائج الجانبية Collateral Damage أن ظهرت القاعدة، وعاد “المجاهدون” إلى ديارهم وهم مترعون بالزخم الجهادي، وكان ما نعرفه من إرهاب موجه إلى الذين صنعوهم من البداية، وخاصة أميركا وحلفاؤها، وهو أمر لا زال قائما، وما نراه في عراق اليوم وغيره هو جزء من تلك الصورة، ولكن الصورة لا تكتمل دون مناقشة بقية الأجزاء.

ما يجري في العراق اليوم، وكيف تحولت داعش إلى مارد خرج من قمقم من قماقم سليمان، على الأقل كما يصور الإعلام الأمر، أمر لا يمكن فهمه إلا بأخذ عدة متغيرات في الموضوع، ولعل أهمها: المشروع الإيراني في الهيمنة على المنطقة، منطقة المشرق العربي والجزيرة العربية بدولها المتعددة، حالة عنق الزجاجة في سوريا، هيمنة حزب الله في لبنان وعرقلته لأي استقرار في لبنان، وأثر ذلك على الاستقرار في كل المنطقة.


المشروع الإيراني


بالنسبة إلى المشروع الإيراني، فإنه يُمكن القول إن هذا المشروع كان واضحا منذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، بل وأكثر دقة، منذ اختطاف تلك الثورة واحتكار الملالي ومنتظري خروج “إمام آخر الزمان” للسلطة في طهران، ربما تمهيدا لإعداد المسرح لظهوره، بالإضافة إلى أشياء أخرى.

كانت الحرب العراقيةـ الإيرانية (1980- 1988) نتيجة أولية لمثل هذا المشروع، فقد أراد آية الله الخميني (1902-1989)، الثمل بالزخم الثوري الأصولي الشيعي المنتصر، أن يستغل الأحداث وحالة الحماسة السائدة في المنطقة لينطلق غربا، وصولا إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط، كي يستطيع بناء “الهلال الشيعي“، ومن الانطلاق جنوبا، منطقة الجزيرة والخليج، وخاصة السعودية، لبناء الإمبراطورية الإيرانية الجديدة، التي لا تختلف كثيرا عن إمبراطورية ” قورش ” التليدة، أو إمبراطورية الشاه المُجهضة، إلا باختلاف الشعارات والإيديولوجيا المتبناة.

كان تصدي العراق لإيران، بدعم من السعودية وبقية دول مجلس التعاون، ومن ثم حرب السنوات الثماني كافيا لإيقاف إيران عند حدها إلى حين، ولكن صدام حسين، الذي كان والحق يُقال على قدر المسؤولية التاريخية حين تصدى لإيران، لم يكن على قدر لعبة دولية تحتاج إلى كثير من الدهاء، فكان أن ارتكب “خطيئة” غزو الكويت عام 1990، ومن بعدها تكررت الأخطاء والعثرات، فكان سقوطه عام 2003، وسقوط بغداد بيد الولايات المتحدة، التي لم يكن لديها خطة بديلة، فكان أن غرق العراق في فوضى الفراغ القاتل، وفي النهاية سقط العراق في يد إيران، وخاصة بعد الانسحاب الأميركي من هناك، رغم أن السقوط كان قبل ذلك حين تسرب الحرس الثوري الإيراني والمخابرات الإيرانية ورجالات حزب الدعوة تحديدا، إلى مفاصل الدولة العراقية، وكانت الطامة الكبرى مع نوري المالكي، حين أشعل شرارة النار الطائفية، التي كانت دائما كامنة تحت رماد التاريخ، فحوّل العراق إلى مقاطعة إيرانية تُدار من طهران، ولم يعد إلا امتدادا إيرانيا، وجزءا من المشروع السياسي الإيراني في “تشييع" المنطقة لأغراض سياسية.

بطبيعة الحال، فإن سُنّة العراق، من العشائر وقاطني غرب العراق وشماله، لن يرضوا بالتهميش لأجل نجاح مشروع غير عربي، فطوال تاريخ العراق كانت لهم اليد الطولى في البلد، وذكريات الحروب والصدامات مع إيران، وكذلك الطريقة المهينة وتوقيتها لإعدام صدام حسين (صبيحة عيد الأضحى)، كانت كلها من العوامل التي أدت إلى انتفاضتهم، وإن كان التهميش والتمييز الطائفي هو العامل الأهم في انتفاضتهم، وخاصة مع الوعي بأن العراق يتحول يوما بعد يوم إلى مقاطعة إيرانية ليس إلاّ.

من هنا، ولأسباب طائفية في المقام الأول، ظهرت “داعش” في العراق وسوريا، وتنظيمات إسلاموية أخرى بالطبع، ولكن التركيز هنا هو على داعش وانبثاقها الماردي المفاجئ، مدعومة معنويا بذكريات “الجهاد” في أفغانستان وسقوط الاتحاد السوفيتي، ناهيك عن “نستولوجيا” (الحنين الرومانسي إلى الماضي) معارك القادسية والجسر ونهاوند وفتح المدائن، وسقوط الدولة الساسانية الفارسية.

كل تلك العوامل تظافرت، وعلى رأسها التهميش والتمييز، لتجعل من داعش المحور الجاذب لكافة الفئات السنية والمهمشة في المجتمع العراقي، من العشائر والبعثيين السابقين وعناصر الجيش السابق، بمعنى آخر تحولت داعش إلى نوع من “الجبهة” الضامة في صفوفها كل السنة العراقيين، وبالتالي فإن تأييدها والسير في ركابها ليس ايمانا بخطابها أو أهدافها، بقدر ما أنه رفض للمشروع الإيراني في العراق، وانتفاضة ضد التهميش والتمييز والتشيع السياسي، أي وفق مقولة “ليس حبا في معاوية، ولكن كرها في علي”، أو ليس حبا في أبي بكر البغدادي، ولكن كرها في نوري المالكي. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، ورغم كل التصريحات الأميركية، فإني أظن أن الولايات المتحدة وحلفاءها في المنطقة، وعلى رأسهم السعودية وبعض دول مجلس التعاون، بالإضافة إلى مصر والأردن، يرون في الانتفاضة السنية العراقية ورقة ضاغطة على إيران كي تكبح جماح نفسها، أو ترغم على ذلك، ومحاولة لتحقيق نوع من “التوازن الطائفي” في المنطقة، فالمشروع السياسي الإيراني الطائفي خطر في النهاية على استقرار كافة هذه الأطراف ومصالحها، الاستراتيجي منها والآني.

كانت الولايات المتحدة تظن أنها “بتسليم” العراق لإيران فإنها ستكسب الود الإيراني، وبالتالي تستخدم الورقة الإيرانية لإخضاع دول الخليج، وخاصة السعودية، وربما حتى ابتزازهم، ولم تضع في حسبانها أن المشروع الإيراني مشروع إيديولوجي طائفي غيبي، موجه ضد أميركا في المقام الأول، وأن الملالي في النهاية لا يوثق بهم، مهما أبدوا من حسن نية أو مشاركة في اللعبة السياسية الخالية من “الكافيين”، أي الإيديولوجيا الدينية القائمة على إعداد المسرح لخروج إمام آخر الزمان.

ولذلك فإن استخدام ورقة داعش مناسب جدا في مثل هذه الظروف، كما استخدمت ورقة “المجاهدين” في أفغانستان تلك الأيام. ولكن مشكلة الولايات المتحدة أنها قصيرة النظر والنفس معا، ولا تعبأ باستشارة حلفائها في مثل هذه الأمور، وهي غطرسة عهدناها من العم سام. فكما أدت سياستها في أفغانستان إلى خلق تنظيم “القاعدة” ووصول “طالبان” إلى الحكم هناك، فإن عدم وضع سيناريوهات لما بعد حكومة نوري المالكي الطائفية، وفي حالة وصول داعش (طالبان العراق والشام) إلى الهيمنة، سيؤدي إلى دخول المنطقة، وليس العراق فقط، في دائرة عنف رهيبة، ليس أقلها حرب أهلية أو تقسيم فعلي للعراق على الأرض، وزوال الدولة العراقية الحديثة، التي أنشأها البريطانيون في مستهل العشرينات من القرن الماضي.

في سوريا، وصلت الأمور إلى عنق الزجاجة فعلا، أو تحول الأمر، كما يعبر السوريون عن الأمر في أمثالهم، إلى حالة “الحسكة” في الزور: فإن أُخرجت أدمت، وإن بُلعت قتلت. سقوط نظام الأسد لن يؤدي إلى استقرار الوضع السوري، بل سيستمر حمام الدم هناك، في ظل غياب بديل يتفق عليه الجميع، والولايات المتحدة بارعة في إسقاط الأنظمة دون وجود بديل فوري يملأ الفراغ الناتج، وبالتالي فهي ذات فوضى العراق.

وبقاء نظام الأسد لن يحقق الاستقرار، كما هو حال المالكي في العراق بل أشد، “فصندوق باندورا” فُتح في الشام كما في العراق، وإغلاقه ليس بالأمر السهل، وبالتالي فإن فوضى الدم سوف تستمر إلى أجل غير معلوم. إدخال داعش في المعادلة، كون الظروف قد وضعتها في موقع تمثيل السنة والمهمشين في العراق والشام، قد يضعف من قدرة النظام السوري على الصمود، خاصة وأنه قد كرس نفسه جزءا من المشروع السياسي الإيراني، فالنظام السوري اليوم يعتمد اعتمادا شبه كامل على الدعم الإيراني المباشر، سواء ماليا أو قتاليا، والحد من طول الذراع الإيراني، وهنا يأتي دور داعش، فسوف يقلل من قدرة النظام السوري على البقاء، ومن ثم قطع الطريق على المشروع الإيراني، ولكن يبقى السؤال: وماذا بعد السقوط؟ هذا ما أظن أن أميركا والعالم لا يملكون جوابا له، فأحقاد التاريخ وثاراته فُتحت في هذين البلدين، ولهيبها سوف يطال كل المنطقة، إن لم يكن العالم كله، وبالتالي فإن الوضع لن يتغير كثيرا في ظل “طائفية” المنطقة والنتيجة حرب أهلية سورية أو إعادة تقسيم، سواء فعلية على الأرض أو رسمية بمباركة إدارة أميركية تجد نفسها عاجزة عن إدارة نتائج فوضى كانت هي السبب في خلقها منذ البداية.

أما لبنان، أو ما يمكن أن أسميه “رهينة حزب الله”، فهو اليوم دولة حزب الله، الذي لا يُشكل دولة داخل الدولة فحسب، بل دولة فوق الدولة، وهو اليوم المؤتمن على الحفاظ على النظام السوري أولا، بصفته العمق الاستراتيجي لحزب الله، وحجر مهم من أحجار المشروع الإيراني، والذي يشكل حزب الله ذراعا رئيسا من أذرعته الممتدة غربا وشرقا وجنوبا، وبالتالي فإن حزب الله يشكل عائقا كبيرا أمام استقرار لبنان واستقلاله، والذي هو أمر مهم لاستقرار المنطقة بأسرها، وهو أمر لا يمكن تحقيقه دون سقوط حزب الله، الذي لا يمكن سقوطه دون سقوط النظام السوري، والذي لا يمكن سقوطه دون سقوط العراق الطائفي، والذي لا يمكن سقوطه دون تحجيم إيران. وقد مرّ حين من الدهر بدا أن لبنان كان في طريقه إلى تحقيق الاستقرار والاستقلال النسبي بعد “ثورة الأرز" عام 2005، في أعقاب اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري، ولكن حزب الله أعاد لبنان إلى ” خريطة الطريق ” الإيرانية حين اجتاح بسلاحه بيروت عام 2008.


إيران نقطة الارتكاز


كما قلت في البداية، الأوراق اليوم في غاية الاختلاط، وكل شيء ضبابي اللون والطعم والرائحة، فالمشروع السياسي الإيراني للهيمنة على المنطقة مرفوض إقليميا ودوليا، أميركيا وعربيا، وإيران هي نقطة الارتكاز في كل الفوضى والطائفية التي تعيشها المنطقة، ولا يُمكن عمل شيء في العراق أو سوريا أو لبنان دون فصل التيار الكهربائي القادم من طهران. ولكن إيران في نفس الوقت لاعب سياسي ماهر، ولا يُمكن تحقيق أي استقرار في المنطقة دونها، فهل من الممكن التعامل معها سياسيا، وإعطائها من المزايا الإستراتيجية ما يجعلها تتخلى عن مشروعها السياسي في “تشييع″ المنطقة إيديولوجيا وسياسيا، وذلك كما يُستشف من الغزل الأميركي الحالي لها؟ أستبعد ذلك في ظل حكم الملالي في طهران، وتشبّعهم بفكرة “المظلومية التاريخية”، و”الانتظار”، والشعور بأن من حقهم اليوم أن يكون لهم دور في تشكيل منطقة كانوا فيها دوما من المهمشين والمنفيين اجتماعيا وسياسيا.

الولايات المتحدة لا تريد الغرق في وحل المنطقة من جديد، وخاصة في ظل إدارة مترددة وعاجزة ولديها من المشاكل الداخلية ما هو فوق احتمالها، ولذلك هي تراقب وتتحين الفرصة لاستغلال من يجد حلا أو بعض حل، أو من يكون بذاته حلا، بدلا من دخولها المباشر، وداعش تقدم الحل، كما فعل مجاهدو أفغانستان من قبل، ولكنه حل تعقبه مرارة، كما كان حكم طالبان حلاّ أعقبته مرارات، مع الأخذ في الاعتبار أن طالبان لينة العريكة مقارنة بداعش، سواء من ناحية خطاب العنف والتشدد، أو من ناحية تقديس سفك الدم. يرى البعض أن ما يجري في العراق وسوريا تحديدا، هو سياسة سعودية بعيدة المدى، الهدف منها في النهاية هو إرهاق إيران، واستنزافها ماليا، وإثارة السنة العرب ضد إيران ومشروع التشيع السياسي، وسوف تكون النتيجة انهيار إيران داخليا، أو سقوط حلفائها وبالتالي مشروعها الإقليمي، أو الاثنين معا.

بطبيعة الحال ليس لدينا من المعلومات ما يثبت أو ينفي مثل هذا الأمر، والسعودية في النهاية دولة لها مصالح وأهداف تتعلق بوجودها واستقرارها، ولها الحق في اتباع ما تراه مناسبا لتحقيق ذلك، فهذا هو منطق الدولة في كل مكان وزمان، ولكن الخوف أن تكون الحلول والسياسات المتبعة لتحقيق تلك الحلول، مستجلبة لمشكلات أعوص وأعمق، وخاصة إذا كانت إثارة النعرات الطائفية والعزف النشاز عليها، ولعب ورقة الدين مرة أخرى جزءا من تلك السياسات والحلول، والدرس الأفغاني وما تلاه ليس بعيدا عن الأذهان.

وفي الختام، يروى أن معاوية بن أبي سفيان سأل عمرو بن العاص، وهما من دهاة العرب الأربعة المشهورين، وهما في مجلس منفردين: ما بلغ من دهائك يا عمرو؟ فقال عمرو: لم أدخل في أمر قط فكرهته إلا خرجت منه. فقال معاوية: لكني لم أدخل في أمر قط فأردت الخروج منه. ولذلك ساد معاوية حين سقط الآخرون، رغم عظمتهم.. وهنا يكمن الدهاء.. هنا يكمن الدهاء.. وسلامتكم.

6