ليس عسيرا ركوب عربة الكتابة بل الأصعب هو الاضطرار إلى النزول

ظاهرة التوقف عن الكتابة في المغرب لا تبدو أمرا عابرا، ولا منعزلا عن سياقها الثقافي والتاريخي العام بالبلاد.
السبت 2019/04/20
كتاب انسحبوا إلى العتمة (لوحة للفنان زكرياء رحماني)

كما لكل بداية نهاية، فإن تجربة الكتابة أيضا لها بداية ونهاية، لكن نهاية تجربة الكتابة تكون في حالات متعددة، إما برحيل الكاتب، وإما بتوقفه عن الكتابة، والحالة الثانية هي الأكثر انتشارا، فالكثير من الكتّاب يخيّرون التوقف عن الكتابة كل منهم في فترة تخصه، هناك من يتوقف بعد كتابه الأول وهناك من يتوقف لأسباب صحية وآخرون لأسباب إبداعية وغيرها، لكن تبقى هذه الظاهرة مرتبطة أكثر بالجانب الثقافي وصناعة النشر. 

 تبدو ظاهرة التوقف عن الكتابة والنشر أمرا مُشتركا بين مجموعة من الثقافات الإنسانية. غير أن حِدَّتها وتجليات امتداداتها تختلف بالتأكيد باختلاف السياقات السوسيو-ثقافية واللحظات التاريخية. وفي هذا الإطار، يربط عالم الاجتماع الفرنسي روبير إسكاربيت الظاهرةَ بحركية الأجيال، باعتبار أن سيرورة العمل الثقافي والإنتاج الفكري تتأسس على تعاقب مجموعات من الكتاب، بشكل يتم معه الحديث عن إمكانية “احتلال” الساحة الثقافية الأدبية أو الثقافية من كتاب جُدد، وانحصارِ إنتاج بعض كتّاب الجيل السابق.

قريبا من الظاهرة

تكشف إعادة قراءة سيرورة الكتابة والنشر بالمغرب عن تباين عوامل الظاهرة وحدتها حسب مجالات الكتابة ولغاتها، ثم تعدد مستوياتها وتراوحها ما بين التوقف عن النشر، والتوقف عن الكتابة، وتغيير مجالها، ثم انحصار قيمتها. ويمكن التمييزُ داخل لائحة “الغائبين” عن المشهد الإبداعي والثقافي المغربي بين حالات تختلف مبرراتها. ويمكن في هذا الإطار، استحضارُ حالة الكاتبة المغربية زينب فهمي المعروفة باسمها المستعار “رفيقة الطبيعة”، وقد نسجت حضورها الخاص من خلال مجموعاتها القصصية الثلاث، ثم اختارت أن تنسحب بهدوء، بشكل متزامن، ربما، مع اختيارات دينية ما.

وتتمثل الحالة الثانية في نموذج الشاعر المغربي عبدالإله كنون، وقد عرف من خلال نصوصه الشعرية المنشورة خلال الستينات من القرن الماضي بجريدة “المحرر” وبمجلة “أقلام” المغربيتين. ويرجع عبدالإله كنون توقفه عن الكتابة إلى خصوصيات مدينة طنجة وإلى طبيعة مهنته. حيث يكتب في شهادته المنشورة ببحث الشاعر محمد بنيس “ظاهرة الشعر المعاصر بالمغرب”، “مهنة المحاماة فرضت عليّ معاينة أنماط بشرية في منتهى التفاهة. ومع الأيام اكتشفت أنني أقاسمها نفس الاهتمامات السخيفة والنتيجة أنني توقفت عن القراءة والشعر”.

وتتجلى إحدى الحالات المؤثرة في الباحث محمد أبزيكا. ويعود غيابه بالأساس إلى ظروف صحية أفقدته الذاكرة، قبل أن يتوفى. ومن المعروف أن محمد أبزيكا قد نشر مجموعة من الدراسات النقدية وأبحاثا في الثقافة الشعبية مند منتصف السبعينات بمنابر من بينها “الثقافة الجديدة” و”آفاق” المغربيتين.

وتتعدد حالات التوقف، بشكل تبدو معه أمرا مشتركا بين مختلف الأجناس الأدبية. ويذكر في هذا الإطار قراء مرحلة الستينات، مثلا، العديد من الأسماء الأدبية التي نشرت أعمالها الأولى لتودع، لسبب أو لآخر، الكتابة، بشكل مؤقت أحيانا، ونهائي أحيانا أخرى، وهو حال الروائية فاطمة الراوي التي أصدرت روايتها الوحيدة “غدا تتبدل الأرض”، بتقديم من عبدالله إبراهيم، رئيس أول حكومة اشتراكية مغربية.

تتجلى أحد امتدادات الظاهرة في التحول من الكتابة والنشر إلى حقل معرفي آخر مع القطع في كثير من الأحيان مع الاهتمامات الأدبية السابقة. ويندرج في هذا الإطار الباحث المغربي طه عبدالرحمن، الذي اهتم في بداية مساره بكتابة الشعر، حيث نشر مجموعة من القصائد بمجلة “آفاق” المغربية، وذلك قبل أن يتفرغ نهائيا للبحث في المنطق وفلسفة اللغة. وفي نفس السياق، اهتم المفكر المغربي علي أومليل بكتابة القصة القصيرة خلال الستينات، قبل أن يكرّس انشغالاته للبحث الفلسفي. وبشكل أقل حدة من الحالتين السابقتين، كان انتقال مجموعة من الأدباء إلى الكتابة النقدية، والاهتمام النظري بالأدب. ويندرج في هذا السياق الروائي المغربي سعيد علوش الذي دخل مجال النشر بظهور عمليه الروائيين “حاجز الثلج”، و”إميلشيل” خلال سنوات السبعينات، وذلك قبل أن يكرّس إصداراته اللاحقة لاهتماماته بالأدب المقارن خصوصا، ثم ليعود سنوات بعد ذلك إلى كتاباته الروائية.

أول عمل أدبي مغربي يصدر في نهاية عشرينات القرن الماضي
أول عمل أدبي مغربي يصدر في نهاية عشرينات القرن الماضي

لم يسلم الأدب والإنتاج الثقافي المكتوب بالفرنسية، أو بلغات أخرى، من تجليات ظاهرة التوقف، بالرغم من اختلاف شروط النشر والإمكانيات المتاحة للتواصل مع القارئ الأجنبي. ويمكن في هذا الإطار، استحضارُ مجموعة من الأسماء التي نشرت أعمالها خلال فترة الستينات أو السبعينات، ثم فضلت الانسحابَ بعيدا عن إغراءات الكتابة أو النشر. ويذكر القارئ المغربي في هذا الإطار، الكاتب أحمد بلهاشمي، وقد نشر مجموعة من النصوص المسرحية، من بينها “سور الرمال” الصادر تحت اسم مستعار “فريد فارس”. ويندرج في نفس الإطار، الشاعر عبدالرحمن بنحمزة الذي أصدر بباريس مجموعتيه الشعريتين “المسافر” و”أنوار خفيضة وصحارى عميقة”، وذلك خلال سنوات السبعينات.

تأخر الكتابة

لا تبدو ظاهرة التوقف عن الكتابة أمرا عابرا، ولا منعزلا عن سياقها الثقافي والتاريخي العام. بل تمثل، بشكل أو بآخر، امتدادا طبيعيا لتأخر ظهور الكتابة الأدبية الحديثة بالمغرب، وبنيات النشر والتداول الموازية لها.

وشكّلت امتداداتُ هذا التأخر أحد الإكراهات المحدِّدة، سواء، لحجم بنية منتجي الأعمال الأدبية، أو لمستوى إسهامهم طيلة لحظات طويلة من مسارات تطور المشهد الأدبي بالمغرب. حيث، لم يتجاوز مثلا، عددُ الأدباء الصادرة أعمالُهم خلال الفترة الممتدة من سنة 1929 إلى سنة 1955، أربعة عشر أديبا، وذلك على مستوى كافة الأجناس الأدبية.

وارتبط هذا التأخر بامتدادات استمرار البنية التقليدية المحافظة. وهي بنية كانت تتأسس على حضور وظيفة الفقهاء والعلماء باعتبارها محددا لمسار إعادة إنتاج الثقافة الدينية المحافظة كمكوّنٍ أساسٍ من مكوّنات الحياة الاجتماعية، وكشكل من أشكال تكريس المشروعية الرمزية لهذه التركيبة، كما يقرّ بذلك عبدالله العروي في كتابه “أزمة المثقفين العرب”.

وبموازاة مع ذلك، تأجل ظهور الملامح الأولى لنخبة أدبية مغربية حديثة إلى منتصف القرن العشرين. حيث فتحت الشروطُ السياسية والسوسيو-ثقافية الجديدة المساوقة للحظة الاستعمار هامشاً لتحوّل البنية التقليدية. وارتبط ذلك بانحصار سلطة العلماء، بحكم تغيّر التراتبية الاجتماعية التي كانوا يشغلون ضمنها وضعا خاصا. وتم ذلك، نتيجة تفككِ البنية التعليمية التقليدية المرتكزة أساسا على جامعة القرويين.

وشكّلت بذلك شروطُ تأخر بنية المنتجين الحديثة وخصوصيات سياق انبثاقها، محددا مركزيّا لامتدادات تطورها، ولجانب من تمثلاتها الثقافية ووعيها بأدبية وبأسئلة الكتابة الأدبية نفسِها.

وحكم نفس التأخر ظهور بنية النشر بالمغرب، حيث يُعتبر آخر الدول الإسلامية التي عرفت دخول الطباعة الحجرية، والتي تأجل توظيفها إلى نهاية القرن التاسع عشر. وفوق ذلك، لم يستطع دخولُ هذه التكنولوجيا أن يخلق بنية نشر حديثة، وذلك، لاعتبارات ترتبط بمنافسة المطابع المشرقية، سواء من خلال إنتاجها الوارد على المغرب عن طريق الحجاج والموجّه أساسا لطلبة جامعة القرويين، أو من خلال توجه كتاب مغاربة لطبع إنتاجهم في المشرق. بينما سيتأخر صدورُ أول عمل أدبي، خارج منشورات المطابع الحجرية، إلى نهاية عشرينات القرن الماضي، وذلك مع صدور كتاب “الأدب العربي في المغرب الأقصى” لمحمد بن العباس القباج.

ليس عسيرا بالتأكيد ركوب عربة الكتابة. الأصعب هو الاضطرار إلى النزول في محطة قصية. اسمها الحياة. أما صمت البعض فقد يكون أكثر بلاغة من صخب الكثيرين.

15