ليس على حساب الأردن..

الأربعاء 2014/01/22

تسعى إسرائيل إلى فرض أمر واقع يتمثّل في ضمّ جزء من الضفة الغربية، خصوصا محيط القدس الشرقية، وفرض هيمنتها الأمنية على الحدود الأردنية- الفلسطينية، خصوصا في الأغوار. هذا يعني بكلّ بساطة أنّها لا تريد السلام. لا تدري أنّ لكلّ شيء ثمنا. تكمن مشكلة إسرائيل في عدم استعدادها لدفع أيّ ثمن من نوع أي كان من أجل السلام، في وقت تنادي فيه بالاستقرار. من يسعى فعلا إلى الاستقرار في المنطقة، يباشر إلى الانتهاء من احتلال الضفة الغربية بدل اعتبارها أرضا “متنازعا عليها”. أوليس جوهر القرار 242 الذي تقوم عليه كلّ عملية السلام مبدأ “الأرض في مقابل السلام”؟ يظهر أنّ إسرائيل أخذت من القرار مبدأ المفاوضات، أي المفاوضات من أجل المفاوضات ليس إلا، ونسيت مبدأ السلام؟

يتحدّث المسؤولون الإسرائيليون في هذه الأيّام عن كلّ شيء باستثناء الثمن. يريدون كلّ شيء، بما في ذلك الاعتراف بـ”يهودية دولة إسرائيل” من دون تحديد النتائج المترتبة على ذلك ومن دون توفير الضمانات اللازمة للفلسطينيين الذين صاروا مواطنين إسرائيليين بعد العام 1948، تاريخ قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين… وليس في أي مكان آخر.

يقول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في بيان صادر قبل أيّام عن مكتبه أنه “لا يريد دولة تضمّ قوميتين في إسرائيل، بل سلاما مستقرّا مع الجيران”، مضيفا أنه “يرفض تكرار تجربة الانسحاب الإسرائيلي من غزة صيف 2005، بما يجعل عناصر معادية، مثل إيران تتحوّل جزءا من المشهد”. يتجاهل نتانياهو أن الانسحاب الإسرائيلي من غزة كان من جانب واحد، أي من دون تنسيق مع الجانب الفلسطيني. كان الهدف منه الوصول إلى ما وصلت إليه الحال في القطاع، أي إيجاد ذريعة، اسمها تصرّفات «حماس» بما يبرّر رفض دخول مفاوضات جدّية في شأن الدولة الفلسطينية المستقلّة ومستقبل الضفة الغربية والقدس ومتابعة سياسة الاستيطان.

يبدو الكلام الصادر عن رئيس الوزراء الإسرائيلي في شأن رفض القوميتين في دولة واحدة منطقيا.. أقلّه ظاهرا. لكنّ الكلام المنمّق وحده لا يكفي، حتى لو امتلك صاحبه القوة التدميرية الكافية للقضاء على كلّ جيرانه. كلّ ما هو مطلوب أن يقتنع به نتانياهو، الذي يخوض مفاوضات صعبة مع الجانب الفلسطيني، أنّ هناك ثمنا لا بدّ من دفعه في حال كان يريد بالفعل السلام، خصوصا أن جيرانه الفلسطينيين على استعداد للذهاب إلى النهاية في المفاوضات والتوصل إلى تسوية معقولة ومقبولة، حتى لو كانت دولتهم لا تقوم سوى على ثمانية وعشرين بالمئة من أرض فلسطين، بالمعنى التاريخي للكلمة.

لدى اسرائيل تجربتان مع جارين عربيين. الجار الأوّل هو مصر. صمدت معاهدة السلام مع مصر الموقّعة في مارس 1979، أي على الرغم من مرور خمسة وثلاثين عاما عليها. لا مشاكل تذكر مع مصر.

أمّا الجار الآخر فهو الأردن. في أكتوبر المقبل، ستمرّ عشرون سنة على اتفاق السلام الأردني- الفلسطيني الموقّع في وادي عربة. أين المشكلة مع الأردن التي ضمنت حقوقها في الأرض والمياه، ورسمت حدود الدولة الفلسطينية المفترضة التي يسعى نتانياهو إلى منع قيامها؟

هناك جهود يبذلها وزير الخارجية الأميركي جون كيري من أجل التوصل إلى تسوية فلسطينية- إسرائيلية. بدأ كيري، الذي نجح في معاودة المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية، يستوعب أن السلام لا يمكن أن يكون على حساب الفلسطينيين وما بقي من الأرض الفلسطينية.

هناك واقع يفترض بإسرائيل القبول به في حال كانت تريد بالفعل سلاما مع الفلسطينيين على غرار السلام مع مصر والأردن، وذلك بغض النظر عن الوضع غير الطبيعي السائد في قطاع غزّة.

يتمثّل هذا الواقع في أن الفلسطينيين يمثلون شعبا يسعى إلى الحصول على حقوقه الوطنية “غير القابلة للتصرّف” المعترف بها من الأمم المتحدة. أكثر من ذلك، لا يمكن لإسرائيل تحقيق أي تقدّم في المفاوضات مع الجانب الفلسطيني في حال كانت تعتقد أن المملكة الاردنية الهاشمية يمكن ان تتخلى عن أي حقّ من حقوقها في أي منطقة أردنية، خصوصا في الأغوار.

للمملكة الأردنية الهاشمية مصلحة في المساعدة في التوصل إلى صيغة تسوية فلسطينية- إسرائيلية وإنما ليس على حسابها. على العكس من ذلك، إن احترام الحقوق الأردنية يساهم في بناء الثقة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، لا لشيء سوى لأنّ موقف المملكة في غاية الدقّة والوضوح، إضافة إلى استناده إلى القانون الدولي.

هذا الموقف، الذي عبّر عنه الملك عبدالله الثاني الذي استقبل قبل أيّام نتانياهو في عمّان، مدروس بدقّة. إنّه يقوم على “أهمّية استغلال الوقت والبناء على الفرصة المتاحة من خلال الجهود التي يبذلها وزير الخارجية الأميركي لتحقيق تقدّم ملموس في مفوضات السلام، وصولا إلى اقامة الدولة الفلسطينية المستقلّة القابلة للحياة على خطوط الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، استنادا إلى قرارات الشرعية الدولية وحلّ الدولتين ومبادرة السلام العربية والتي تعيش بأمن وسلام إلى جانب إسرائيل”.

لم يفت العاهل الأردني أيضا تذكير نتانياهو بأنّ “المصالح الأردنية العليا، خصوصا تلك المتعلّقة بقضايا الوضع النهائي، تقع في قمّة أولوياتنا”. في النهاية، أتى نتانياهو إلى عمّان أم لم يأت إليها، يظلّ السؤال البديهي: هل لدى إسرائيل رغبة في السلام، أم لديها رغبة في تكريس الاحتلال؟

على هامش هذا السؤال، هناك نقطة في غاية الأهمّية. مختصر هذه النقطة أنّه ليس منطقيا رفض نتانياهو أن تكون إسرائيل دولة ذات قوميتين، وامتناعه في الوقت ذاته عن تقديم الثمن المطلوب من أجل التوصل إلى تسوية على أساس حلّ الدولتين.

من رابع المستحيلات أن تكون إسرائيل تريد كلّ شيء من دون أن تقدّم شيئا ومن دون مراعاة، حتّى، لبلد مثل الأردن لم يتردد يوما في التزام كل حرف في اتفاق السلام الموقع في العام 1994.


إعلامي لبناني

8