ليس في كل إعادة إفادة

تصبح كلمات "متشدد" و"قيادة المرأة للسيارة" و"مفدى" و"محبوب" و"مهددة بالانقراض" بلا معنى ويعزلها العقل لاإراديا. وبدلا من لفت الانتباه، أو التركيز على القضية المعنية، يكون رد الفعل هو الصد والرفض الباطني.
الأربعاء 2018/11/14
لازمة تتكرر بلا فائدة

دار جدل قبل سنوات مع زميل في القسم الإنكليزي من المؤسسة. كان شابا متحمسا وينفعل بعض الشيء عند تحرير الأخبار. هدأ الآن بعد أن صار هو نفسه ضحية لحماسه.

 كان لا يستطيع أن يكتب اسم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو من دون إضافة كلمة "المتشدد" معه. جادلته بأني أتفهم التوصيف عندما يتعلق الأمر بخبر عن القضية الفلسطينية وتعقيداتها، ولكن ما معنى صفة متشدد عندما يكون الخبر عن إقرار الميزانية الإسرائيلية في الكنيست. قضية إسرائيلية داخلية بحتة لا علاقة لها بالتشدد أو التساهل.

هذه "اللوازم" أو التوصيفات تحتل مساحة لا بأس فيها من الصياغات الخبرية. لسنوات لا يمكن أن تقرأ خبرا أو تحقيقا عن السعودية في الصحافة الغربية من دون “لازمة” أن النساء لا يتمكن من قيادة السيارات في المملكة، أو أن عليك أن تتوقع أن يتعرض لك رجال الحسبة في سوق وقت الصلاة. لا يهم الخبر ومعناه، ولكن اللازمة حاضرة. نفس الشيء اليوم يقال عن أي خبر عن السعودية. لا بد أن يذكر اسم خاشقجي فيه، سواء أكان عن إنتاج النفط أو عن عقد توريد حبوب زراعية.

صديق ذكرني بلازمة أخرى عن ملكية عربية سابقة. كان الجمهور يهتف قبل سقوط الملكية “عاش مليكنا المفدى وولي عهده المحبوب” وصار يهتف بعد سقوط الملكية “يسقط مليكنا المفدى وولي عهده المحبوب”.

الأمر لا يتعلق بالسياسة فقط. خذ مثلا برنامج “سلالات” الذي تعرضه محطة بي بي سي هذه الأيام. البرنامج عن عالم الطبيعة ويعده المقدم البريطاني المخضرم ريتشارد أتنبرة. الرجل يقدم برامج عن الطبيعة منذ ما يزيد عن 60 عاما، لعلها أفضل ما تم تقديمه عن كل ركن قصي من أركان العالم. واكتسب البرنامج أهمية أكبر مع دخول تقنيات التصوير عالي الدقة والشاشات المنزلية الرقمية العريضة. أنت تعيش مع أتنبرة وحيواناته وبيئته، لكن هذا غير كاف أو مرض للبعض. يريد ألا يقدم أتنبرة برنامجه من دون “لوازم” مصاحبة. يريدونه أن يردد مع كل عرض لصورة غوريلا مثلا بأنها “مهددة بالانقراض". أي أنك تتفرج على البرنامج لتستمع إلى سيل لا ينتهي من التوبيخ لأننا كبشر فتكنا بالطبيعة وجعلنا المخلوقات على حافة الانقراض. إنها جرعة سياسية في برنامج لا يحتمل السياسة وليس دعاية بأي حال من الأحوال لجمعيات الحفاظ على البيئة.

هذا النوع من التشبع اللفظي والإسفاف باستخدام الصفات والمفردات يجعلان أذن وعقل المتلقي عاجزين عن تقدير المعنى. تصبح كلمات “متشدد” و”قيادة المرأة للسيارة” و”مفدى” و”محبوب” و”مهددة بالانقراض” بلا معنى ويعزلها العقل لاإراديا. وبدلا من لفت الانتباه، أو التركيز على القضية المعنية، يكون رد الفعل هو الصد والرفض الباطني. ليس في كل إعادة إفادة.

24