ليس قديسا ولا شيطانا

الأربعاء 2014/04/16

الرجل ليس قديسا أو ملاكا، كما أنه ليس شيطانا، خصوصا في حال مقارنته بقادة الميليشيات الأخرى في الحرب اللبنانية الذين يشغلون مواقع مهمّة منذ فترة لا بأس بها مثل الرئيس نبيه برّي أو الزعيم الدرزي وليد جنبلاط. من هذا المنطلق، يعتبر إعلان الدكتور سمير جعجع ترشّحه رسمياً لموقع رئيس الجمهورية اللبنانية ظاهرة صحّية في بلد لم يبق فيه من الممارسات الديمقراطية غير القشور. يكفي أن جعجع تخلّى عن البندقية باكرا وانضمّ إلى الموافقين على اتفاق الطائف وشارك عبر ممثّل عنه في الحكومة الأولى التي تشكّلت بعد الطائف برئاسة عمر كرامي.. ثمّ أدخل السجن لرفضه أن يكون أداة من أدوات النظام السوري. هذا لا ينفي أنّ سمير جعجع يظلّ شخصية سياسية موضع جدل حاد، حتّى في الوسط المسيحي.

تعود حدّة هذا الجدل إلى أنّ جعجع، الذي تعرّض قبل سنتين لمحاولة اغتيال، ذو تاريخ سياسي مختلف في شأنه إلى درجة كبيرة. لكن، ما لا بدّ من التوقف عنده، أنّ الرجل لم يبدّل يوما مواقفه السياسية على الرغم من أنّه أمضى في السجن أحد عشر عاما. هذا ليس سهلا على إنسان عادي، فكيف على سياسي لبناني في بلد تختلط فيه السياسة، في معظم الأحيان، بالانتهازية.

تكمن أهمّية سمير جعجع في أنّه يسعى إلى أن يكون أكثر من زعيم لحزب مسيحي في لبنان. إنّه من السياسيين القلائل الذين سعوا إلى اختراق الطوائف. “القوّات اللبنانية” استطاعت الانتقال من مجرّد ميليشيا، يرفضها قسم لا بأس به من الشارع المسيحي، إلى حزب سياسي لديه مواقع بين المسيحيين اللبنانيين ولدى السنّة وبعض الشيعة وبعض الدروز الذين يعجبهم في سمير جعجع تمسّكه بمواقفه في أصعب الظروف وأقساها.

ما يجعل سمير جعجع مشروع رئيس جمهورية امتلاكه القدرة على التطـوّر من دون التخلي عن الثوابـت. في النهايـة، إنـه الزعيم السياسي الوحيد الـذي اعتذر من مواطنيه الآخرين على ما يمكـن أن يكـون ارتكبه خلال الحرب اللبنانية. هـذا أمـر في غاية الأهمّية يكشف أن الرجل يعي أن فترة الحرب كانت مليئة بالأخطاء وأن لا أحد، بمن فيهم سمير جعجع، يمكن أن يعتبر نفسه معصوما.

لعلّ ما يثير الاهتمام في سمير جعجع ذلك الوضوح الذي جعله في فترة ما بعد خروجه من السجن صاحب خطاب سياسي يكاد أن يكون خاليا من الأخطاء. الدليل على ذلك أنّه لم يتخلّ يوما عن موقفه من سلاح “حزب الله” ومن النظام السوري. رفض، على نقيض النائب المسيحي ميشال عون، هذا السلاح غير الشرعي.

هنا يكمن الفارق الكبير بين قائد سابق لإحدى الميليشيات من جهة، وقائد سابق للجيش مستعدّ، من جهة أخرى، لأن يكون أداة لدى الأدوات من أجل الجلوس على رأس كتلة نيابية كبيرة ليس فيها نائب واحد يستطيع الوصول إلى البرلمان من دون دعم “حزب الله”.

هذا هو أيضا الفارق بين سمير جعجع وقائد سابق للجيش اللبناني قاتل الجيش السوري من أجل الوصول إلى رئاسة الجمهورية، وليس لأيّ سبب آخر، وما لبث أن تخلّى عن جنوده وضبّاطه في اللحظة الحرجة. أكثر من ذلك، لم يسأل عون عن مصير الجنود والضباط عندما ذهب إلى دمشق للوقوف على خاطر بشّار الأسد بعدما أعتقد أن النظام في دمشق سيفتح أمامه أبواب قصر بعبدا.

لا يزال سمير جعجع، إلى الساعة، يطالب بإطلاق المواطنين اللبنانيين الموجودين في سجون النظام السوري. في المقابل ليس لدى ميشال عون ما يهزّ ضميره ويذكّره بأن لهؤلاء الجنود المنسيين أمّهات وآباء وإخوة يعرفون تماما الظروف التي رافقت اختفاء أبنائهم.

يمتلك سمير جعجع بعض الحياء. قليلة الأخطاء التي ارتكبها منذ خروجه من السجن في العام 2005 بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، وبعد اضطرار القوّات السورية إلى الانسحاب من الأراضي اللبنانية.

كان تأييد مشروع قانون الانتخابات الذي سمّي زورا وبهتانا بـ”الأرثوذكسي” من بين هذه الأخطاء التي ما لبث أن عالجها بعدما أدرك أن هذا الطرح الطائفي ليس سوى صنيعة “حزب الله” الذي استخدم، كعادته، ميشال عون من أجل إيجاد شرخ بين المسيحيين والسنّة في لبنان كخطوة على طريق إنجاز المشروع الذي يحلم به الحزب ومن خلفه إيران. يتمثّل هذا المشروع بالمثالثة بين المسيحيين والسنّة والشيعة بدل المناصفة بين المسيحيين والمسلمين بغض النظر عن التعداد السكّاني وعدد أبناء كلّ طائفة من الطوائف.

سمير جعجع الذي بات من صلب مكوّنات “حركة الرابع عشر من آذار”، ليس طائفيا. إنه مقبول، نسبيا، من كلّ الطوائف، لكنّه لا يزال مرفوضا من أولئك الذين يسعون إلى تغيير طبيعة المجتمع اللبناني على غرار تغيير طبيعة قسم لا بأس من المجتمع الشيعي. وهذا ما نجح فيه “حزب الله” إلى حدّ كبير.

مجرّد وقوف سمير جعجع في وجه هذا المشروع الخطير الذي يستهدف تمكين إيران من امتلاك جزء من القرار السياسي اللبناني عن طريق “الثلث المعطّل”، أي عن طريق “حزب الله”، يعتبر نقطة لمصلحته. هذا ما يفسّر موقف الحزب المذهبي المسلّح الذي يصرّ يوميا على أن يكون في مركز القرار لتعطيل أي مشروع يمكن أن يحسّن الوضع المعيشي للمواطن اللبناني بدل دفعه إلى الهجرة.

حاول سمير جعجع استكشاف كيف يكون تجاوز الماضي. سعى إلى تطوير نفسه. قد يكون نجح في ذلك. الثابت أنّه عرف، على الأقلّ، كيف يطوّر حواسّه وأن يبني منزلا على علاقة بالذوق من الخارج ومن الداخل. إنّه إنسان لبناني حاول إعادة النظر في تجارب الماضي والاستفادة منها، على العكس من ميشال عون وهذا النوع من أشباه الأمّيين الذين يرفضون الاعتراف حتّى يومنا هذا بأنّ الرهان على صدّام حسين في 1988 و1989 و1990 كان خطأ في مستوى خطأ الرهان على بشّار الأسد ووجود مستقبل له في السنة 2014.

هل آن الأوان أن يكون للبنان رئيس صنع في لبنان؟ يفترض في سمير جعجع أن يحسن الانتظار في حال لم تسمح له الظروف بالوصول إلى الرئاسة قريبا لأسباب غير لبنانية. يكفيه أنّه طرح اسمه للرئاسة وقبل التحدّي وقال للبنانيين أنّهم يستحقون رئيسا صنعته أصواتهم يستجيب لرغباتهم وطموحاتهم.

الأسابيع المقبلة كفيلة بتوفير ردّ على السؤال المرتبط بما إذا كانت الظروف الموضوعية الداخلية والإقليمية تسمح برئيس من نوع سمير جعجع وفي حجم طموحاته. الأمر الوحيد الثابت إلى الآن، إضافة إلى أنّ ميشال عون مرفوض من قسم كبير من اللبنانيين، لا سيما في الوسط المسيحي، كما أنّ جهات عربية لا تحبّذ وصوله إلى الرئاسة إن لم ترفضه، إنّ الظروف تتغيّر نحو الأفضل في لبنان على الرغم من أن “حزب الله”، ومن خلفه إيران يريد الفراغ.

إلى أي حدّ يمكن أن تتغيّر الظروف في المستقبل القريب؟ هل تتغيّر إلى الحدّ الذي يسمح بأن يكون في لبنان رئيس صُنع في لبنان، أي من طينة سمير جعجع أو غيره من الزعماء المسيحيين الذين رفضوا أن يكونوا أدوات لدى النظام السوري أو توابع لـ”حزب الله” الإيراني؟


إعلامي لبناني

8