ليس كل تراث مقدسا

الخميس 2016/08/04

ماذا يمكن أن يحدث لو قررت هيفاء وهبي أن تعيد تسجيل أغنية حبيبة مسيكة “على سرير النوم دلعني”، وكيف ستكون ردة فعل الجمهور وشيوخ الفتاوى وقبلهما أهل الاختصاص في عالم الموسيقى والنقد والإعلام؛ سؤال تبادر إلى ذهني بعد أن استمعت إلى الأغنية التي بثها برنامج في إحدى الإذاعات التونسية الخاصة يهتم بالتراث.

لم تكن هذه المرة الأولى التي أستمع فيها إلى الأغنية، ولا إلى البرنامج، لكنها المرة الأولى التي أنتبه فيها إلى كلماتها مجرّدة من خلفية الإعجاب بالفنانة التونسية حبيبة مسيكة وتقدير جرأتها ونظرتها التقدمية التي شكلت أحد أبرز مظاهر تونس العشرينات.

الدافع الأساسي لهذا التساؤل كان عرض أغنية أخرى، تلت أغنية حبيبة مسيكة، تعود لفترة الثلاثينات تحمل عنوان “البردقانة” (البرتقالة)، وتعرف مؤديتها في تونس باسم رتيبة الشامية واشتهرت في مصر باسم رتيبة التونسية.

رغم أننا لا ننكر جمالية الأغنية المستمدة أساسا من خصوصيتها التاريخية وسياقها الزمني، إلا أنه كان لافتا إسهاب المذيعة في تقديرها ومدحها باعتبارها “فوندو”، وهي كلمة إيطالية تطلق في تونس على الشيء العتيق والثمين. وتستعمل في مجال الموسيقى والغناء للدلالة على أصالة الأغنية وعمقها. فهل يكفي أن تكون الأغنية قديمة حتى نعتبرها “فوندو”؟

هل ستنهال سهام النقد الفني والاجتماعي والديني على هيفاء وهبي، وغيرها من فنانات هذا الزمن، لو أقدمت على أداء أغنية حبيبة مسيكة أو أغنية “من يوم ما عضتني العضة” لنعيمة المصرية مثلا، أو قررت أن تنفض الغبار عن إحدى الأغاني المنسية لأم كلثوم، وهي أغنية “الخلاعة والدلاعة مذهبي”، أم سيتم الترحيب بذلك باعتبار أن هذه الأغاني من “التراث” العتيق؟ وماذا عن بعض الأغاني الراهنة التي تلاقي نقدا كبيرا فنيا واجتماعيا، هل يمكن أن تصبح بعد دهر “فوندو”، من منطلق ذلك الميل العربي المفرط لتمجيد الماضي، بغثه وسمينه، وهالة القداسة التي يحاط بها كل ماهو تاريخ قديم؛ فحتى المبدعين ننتظر وفاتهم حتى نكرمهم. ومعروف أن الثقافة العربية من أكثر الثقافات وقوفا على الأطلال.

ليس كل “فوندو” جميلا بالضرورة، وإن عُدّ كذلك من منطلقات الحنين، أو لمقارنات غير جائزة مع منجز اليوم، وكما لا يجب أن نحاكم الماضي بوعي الحاضر، فلا يجب أن نمجد كل ما يرد من الماضي بتعلات جذب الحاضر.

حبيبة مسيكة، كما غيرها، تراث موسيقي ورد في زمن مخصوص وفي ظروف محددة، وإعادة إنتاجه لن تكون بالضرورة وفية للمناخات التي ولدت خلالها، وهو ما ينطبق على التراث عموما، فليس كل ما يأتي من الماضي والذاكرة مفيدا للراهن، وإن حاول البعض “تهذيبه” أو تطويعه، فلن تكون تلك المحاولة سوى تقليد ممجوج لمنتج وظرف ومناخ لا ينسجم مع انتظارات ابن اليوم ومتطلباته.

يستفاد من الماضي حين يفهم في إطاره، أما حين يتحول إلى معيار أو مقدّس فسيصبح عائقا ومكبلا للنظر الحر المنطلق.

24