ليس لدى أردوغان والبيرق ما ينقذ العملة التركية

عادت الليرة التركية أمس إلى التراجع الحاد بعد أن تبخر مفعول تأكيد أنقرة على استقلالية البنك المركزي، الذي ألمح الاثنين إلى أنه مستعد لاتخاذ إجراءات لمعالجة الأزمة المالية في إشارة إلى ضرورة رفع أسعار الفائدة.
الأربعاء 2018/09/05
مواجهة غير متكافئة

لندن – واصلت الحكومة التركية محاولاتها تخفيف أزماتها المالية والاقتصادية المتفاقمة. وكانت هذه المرة من خلال سلسلة مباحثات أجراها وزير المالية براءت البيرق في العاصمة البريطانية تضمنت لقاءات مع رؤساء وممثلي المؤسسات المالية.

لكن مراقبين أكدوا أن أنقرة لم تقترب حتى الآن من العلاجات الواضحة التي تتطلبها أزماتها العميقة، ولا تزال تبحث عن حلول ترقيعية من خلال الوعود والتطمينات الدعائية في وقت توزع فيه الاتهامات المجانية للدول الغربية والمؤسسات المالية.

وتتناقض مباحثات البيرق في لندن وقبلها في باريس مع التصريحات التصعيدية التي يطلقها أردوغان، والتي تتمحور حول وجود حرب غربية ضد الاقتصاد التركي.

واجتمع البيرق برؤساء وممثلي 11 مؤسسة من أكبر المؤسسات المالية العالمية، تدير أموالا بقيمة 15 تريليون دولار، بعد أن التقى بوزير المالية البريطاني فيليب هاموند ووزير الدولة ألان دانكن.

وذكرت وكالة الأناضول أن البيرق استعرض “قصة النجاح” التي حققتها تركيا على مدار 15 عاما، عبر الاستقرار الاقتصادي، فضلا عن تفاصيل السياسات التي ستطبقها ضمن خطة أقوى خلال المرحلة الجديدة.

وتراجعت العملة التركية أمس بنحو 4 بالمئة لتتجاوز حاجز6.7 ليرة للدولار وسط يأس الأسواق من اتخاذ أنقرة للإجراءات الضرورية لمعالجة الأزمة.

وتبدو المؤسسات المالية العالمية يائسة من السياسات المالية التركية بعد سلسلة طويلة من الأخطاء وتراجع استقلال المؤسسات المالية، التي قوضت ثقتها في الاقتصاد التركي.

ولاح الاثنين بصيص أمل في أن تصحو الحكومة التركية على حجم أزماتها المالية، حين ناقض وزير المالية والخزانة التركي السياسات التي يصر عليها أردوغان والرافضة لرفع أسعار الفائدة.

والتقطت الأسواق أنفاسها لساعات معدودة حين ألمح البيرق إلى استعداد تركيا لتجرع العلاج المر بتعزيز استقلالية البنك المركزي، الذي أكد ذلك بإعلان بالإشارة إلى استعداده لرفع أسعار الفائدة لوقف انحدار الليرة التركية.

براءت البيرق استعرض في لندن "قصة نجاحات تركيا" ولم يقدم أي علاجات للأزمة المالية
براءت البيرق استعرض في لندن "قصة نجاحات تركيا" ولم يقدم أي علاجات للأزمة المالية

وأكد البيرق الاثنين، أن البنك المركزي مستقل عن الحكومة وسوف يتبني الإجراءات اللازمة، وذلك في معرض دفاعه عن المؤسسة التي لم ترفع سعر الفائدة الأساسي على مدار ثلاثة أشهر تقريبا على الرغم من أزمة العملة.

وقال البنك المركزي التركي بعد تلك التصريحات إنه سيتبنى الإجراءات اللازمة لدعم استقرار الأسعار وإنه سيعمل على ضبط السياسة النقدية في اجتماعه الأسبوع المقبل.

واعتقد بعض المحللين حينها أن البيرق أدرك ضرورة تجرع العلاج المر رغم صعوبة الابتعاد عن موقف أردوغان الذي يمسك بجميع مؤسسات الدولة منذ الانتقال إلى النظام الرئاسي وسلطة الرجل الأوحد.

ويرى مراقبون أن تناقض تصريحات أردوغان والبيرق مجرد تقاسم للأدوار بشأن الموقف من أزمات الليرة والاقتصاد التركي، الذي وصل إلى طريق مسدود ولم يعد بالإمكان مواصلة تحدي القواعد الاقتصادية الراسخة.

وتفاقمت أزمة الاقتصاد بداية الأسبوع بعد أن أظهرت بيانات ارتفاع التضخم في الشهر الماضي إلى 18 بالمئة على أساس سنوي وسط توقعات بمواصلة ارتفاعه بسبب تراجع القدرة الشرائية للعملة التركية.

ويجمع الخبراء على أن انحدار الليرة تفاقم خلال الأشهر الماضية بسبب رفض الحكومة لقبول العلاجات التقليدية والتي تتطلب رفع أسعار الفائدة بنحو 10 بالمئة فوق مستوياتها المرتفعة البالغة حاليا 17.75 بالمئة.

ورغم عدم قناعة الأسواق بتصريحات البيرق التي ذكر فيها أن “البنك المركزي في تركيا قد يكون أكثر استقلالية من بنوك في دول أخرى” إلا أنهم وجدوا في تأكيده على أن البنك “سيتخذ خطوات لمواصلة ذلك الاستقلال” بصيص أمل على اتخاذ قرارات تخفف الأزمة التركية.

وتهاوت الليرة الشهر الماضي وسط أزمة دبلوماسية مع الولايات المتحدة على خلفية استمرار احتجاز أنقرة لقس أميركي بتهم تتعلق بالإرهاب. وفرضت واشنطن الشهر الماضي عقوبات على وزيرين تركيين وضاعفت الرسوم الجمركية على الصلب والالومنيوم لتتفاقم الضغوط على العملة التركية.

وفي مؤشر على حجم تأثير الأزمة المالية على الأسواق، أظهرت بيانات رابطة موزعي السيارات في تركيا أمس أن مبيعات السيارات والمركبات التجارية الخفيفة في البلاد هوت في أغسطس بنسبة 53 بالمئة على أساس سنوي.

ويقول محللون إن الأسواق والمستثمرين لم يعودوا يتابعون التصريحات الدعائية وأن العامل الحاسم هو وصول أنقرة لقناعة بالتوقف عن تحدي الحقائق واتخاذ الإجراءات القاسية التي تنتظرها الأسواق.

10