ليس للأكراد إلا العرب

الجمعة 2014/10/10

تركيا، علمانية أم إسلامية، هي ضد الأكراد؛ تاريخها الأتاتوركي والإسلامي يقول ذلك. إن إيقاف حزب العمال الكردستاني الحرب ضد النظام فيها لم يفض إلى أي اعتراف للأكراد لا بحقوق أقلية أو قومية.

وفي العراق أنشأت تركيا علاقات مميزة مع حكومة إقليم كردستان؛ فهي من ساند تدعيم الحكم الكردي منذ عام 1990، حينما فُرضت منطقة حظر جوي على شمال وجنوب العراق، وهي من سمح مؤخرا بمرور عدة شحنات للنفط إلى الخارج، وذلك للضغط على حكومة المالكي وعلى حزب العمال الكرستاني للقبول بما ترتأيه الحكومة التركية من حلول لأكراد تركيا.

تركيا كما إيران كما الأنظمة العربية رفضت الاعتراف بحقوق الأكراد، سواء في تقرير المصير أو أقل من ذلك. في الثورة السورية حاول حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني، وبدعم من النظام السوري، بناء إدارة ذاتية لتنظيم شؤون الأكراد وقد استمد الفكرة من حزب العمال التركي. ولكن تركيا لا تقبل بذلك، فهو سيكون بمثابة دويلة صغيرة على حدودها وستشجع الميل الانفصالي المتوقف حاليا لأكراد تركيا، وهذا ما تصرّ عليه بوضوح شديد في المفاوضات مع صالح مسلم رئيس حزب الاتحاد وتعلنه كموقف رسمي للدولة؛ ولأن صالح رفض الطلب التركي من قبل، فقد سهلت تركيا مرور داعش والجهاديين، وسهلت المعركة ضدهم في كوباني/عين العرب.

التحالف الدولي غيّر الحسابات التركية؛ فهناك الآن قرار دولي لإنهاء الوضع السوري. وقد صوّت البرلمان التركي لدخول الحرب في سوريا وفي العراق، وهذا سيكون جويا وبريا؛ فجويا سيكون كما يفعل التحالف حاليا، وبريا سيكون لأسباب متعلقة بضعف نتائج الضربات الجوية، وضرورة تأمين منطقة آمنة لملايين اللاجئين ولحماية الحدود من الأكراد .وتهديد تنظيم داعش لكوباني، واحتمال دخوله وتدمير قبر مؤسس الدولة العثمانية تعد أسبابا مباشرة لضرورة التدخل، سيما وأن داعش لم يعد تنظيما يسهل توجيهه بل أصبح خلافة.

وهذا مما يخالف العصر ويخالف مقاصد التحالف، والأميركان لا يقبلون بأنصاف الحلول، فإما اشتراك في الحرب وإما هم مع داعش؛ تصريح أوغلو ضد من رفض تفويض الحكومة التركية للمشاركة، وأنهم يدعمون داعش، يوضح أن تركيا باشرت بإطلاق نيرانها.

إذن منع سقوط كوباني، ستتكفل القوات التركية به، وفي حال سقوطها ستحررها من يد داعش، وسيكون ذلك ضمن إطار إنشاء منطقة آمنة تشمل مناطق بين اللاذقية والقامشلي، وسيعطي هذا تركيا القدرة على الفصل بين أكراد سوريا وتركيا وبين أكراد تركيا والعراق، فهي قد منعت توافد مقاتلين من تركيا والعراق للمآزرة، رافضة بذلك تنسيقا قوميا بين الأكراد، ولإفهام الكردي أن ليس له إلا الريح وبقاء الواقع الكردي مقسما كما هو، أي ستعمل تركيا على الفصل بين المناطق التي يتواجد فيها الأكراد.

في كوباني هناك قوات كردية وعربية تدافع عنها، وهي تخوض معركة تحريرٍ لها، بينما قوات تركيا تراقب عن كثب حتى اليوم، وقوات التحالف تتباطأ في ضرباتها لقطعان داعش.

وإذ يؤكد الكرد مؤخرا هذا التموضع، فإن هذا يفتح الباب على قضية في غاية الحساسية، وهي أن لا أخ للكردي إلا العربي، وليس من أخٍ للعربي إلا الكردي.

الآن الأكراد يقومون بحرب قوية في العراق ضد داعش وهم تقريبا في تحالف مع القوى السنية ضد الطائفة الشيعية هناك، وفي سوريا الآن يدرك الأكراد ضرورة ذلك، بينما وقفت قوات «ال بي يا دي» مع النظام وضد الجيش الحر من قبل.

الآن يتغير المشهد، وهذا معطى جديدا لا بد أن الطرفين سيبنيان عليه كثيرا.

محنة كوباني، وحملة التحالف الدولي والموقف التركي توضح لحزب الاتحاد الديمقراطي أن علاقته بالنظام السوري يجب أن تنتهي، فالنظام راقب داعش وهو يلتهم محيط كوباني، ولم يحرك ساكنا، وكذلك التحالف وكذلك تركيا؛ من ساهم في رفض كل ذلك، هم المقاتلون العرب مع قوات الاتحاد والرفض السوري الواسع لهذا الدخول. فك الحصار عن عين العرب لا يعني تغيرا للاستراتجيات؛ فليس في جعبة الأتراك إنصاف للأكراد، وليس لدى أميركا ذلك أيضا.

الاعتماد على أكراد العراق لن يتكرر في سوريا؛ فقوات البارزاني تنسق مع حكومة أردوغان، أما حزب الاتحاد الديمقراطي، والذي أقصى كافة القوى السياسية الكردية من إدارته الذاتية، فهو جزء من حزب العمال الكردستاني، الحزب الذي أوقف القتال مع النظام التركي ضمن مفاوضات قادها زعيمه المسجون عبدالله أوجلان، مع ترحيل مقاتليه إلى كرستان العراق.

لن تسمح تركيا ولا الدول العربية الاعتماد على قوات الاتحاد الديمقراطي الكردي لمحاربة داعش، ربما يسمح لها بذلك ضمن مناطق الأكراد التي فيها أغلبية فقط؛ أكثر من ذلك سيكون تدعيما لقوات حزب يعتبر امتدادا للحزب التركي الذي لا يزال على قوائم الإرهاب الأميركية.

ورغم الهدنة مع النظام التركي، إلا أنه لا يزال في حالة حرب ما لم يتم التوصل إلى حل نهائي لوضع الأكراد الأتراك ضمن الدولة التركية أو الاستقلال عنها.

فشل السوريون أكردا وعربا في الحفاظ على استقلال ثورتهم، فكانت الفصائل الجهادية، وكانت بقصد تدمير الثورة؛ الآن يشكل التدخل التركي مرحلة جديدة في تاريخ سوريا، وسيعيد للكثيرين التفكر مجددا بالاحتلال العثماني من قبل؛ ولكن ذلك لن يكون بشكل واسع إلا في مرحلة لاحقة؛ حيث سيحاول الأتـراك فـرض رؤيتهـم الإسلامية على مستقبل سوريا، وحينما تبدأ العملية السياسية اللاحقة. الأكراد والعرب ربما شعروا الآن بعمق المأزق.

التحالف الدولي والإقليمي وأخيرا تركيا، كل تلك الدول تحركها مصالحها في دولة الغد في سوريا؛ وهذا يعني أن صداما سيحصل لاحقا بينها وبين السوريين أكرادا وعربا، وبالتالي ربما يعي الأكراد والعرب وربما الأتراك والإيرانيون، كشعوب وليس كأنظمة، أن مصير كل دول المنطقة لم يعد يحتمل عقليات قومية متعصبة، ويفترض مشتركات جديدة بين قوميات المنطقة.

الاستعانة بالأميركي والتركي وسوى ذلك انتهت مسبباتها الآن، وصار لزاما على السوريين والعراقيين والأتراك والفرس كشعوب ضرورة البحث عن المشتركات.

هذا التفكير إما أن يتعمق وتنال القوميات والأقليات حقوقها وفق مبدأ المواطنة، وربما مبدأ تقرير المصير والحكم الذاتي، وإما ستتعمق السياسات الطائفية والقومية المتعصبة وأنظمة الحكم الضعيفة والتابعة، ولن تتوقف الحروب أبدا؛ داعش واحد من الأمثلة على تنظيمات دموية، وسيكون المستقبل حافلا بها ما لم يتم الاعتماد على ما أشرنا إليه.

12