ليس للزمن وجود

الثلاثاء 2017/07/18

بات من المسلم به أن الزمن مفهوم جرده الإنسان من حال التحولات والتغيرات والأحداث والدلالة عليها. وقُسم الزمن لفهم توالي الأحداث وتحولات الأشياء إلى ماضٍ وحاضرٍ ومستقبل، دون أن ينسى قدّ مفهومين للدلالة على اللازمانية هما الأزل والأبد. حيث الأزل ما لا بداية له في الزمان والأبد ما لا نهاية له في الزمان. ووحد الأزل والأبد في مفهوم واحد هو السرمد.

بهذا المعنى ليس للزمن وجود موضوعي، بل الوجود الموضوعي للأحداث والأشياء وأحوالها. ولضرورات عملية قسم الإنسان حركة الأرض حول الشمس إلى أيام وأسابيع وشهور وسنين، وسمى ذلك التقويم الشمسي واعتمد على دوران القمر حول الشمس وسماه التقويم القمري، وهكذا.

إذاً الموضوعي هو الحركة. وليس الزمان إلا طريقة ذهنية لفهم الحركة ووصفها. فالساعة ليست آلة لقياس الزمن بل آلة لرصد حركة الأرض حول الشمس، وقس على ذلك دلالة كلمات كالفجر والصبح والظهر والعصر والعشاء والليل والنهار. فإذا سكنت في الشمس فإن كل هذه المفاهيم الدالة على حركات المجموعة الشمسية لن يكون لها معنى.

تكمن كوميديا العقل العامي في النظر إلى الكون انطلاقا من أشكال التحولات على الأرض، ويصوغ مبادئ كلية معتقداً بأنها مطلقة الصحة. فتأمل يا صاحبي المبدأ العامي الذي يقول “لكل شيء بداية ونهاية”.

البداية والنهاية مفهومان يدلان على نمط من حركة الإنسان والمادة. فالولادة والعيش والموت بداية ونهاية والدخول إلى الجامعة والتخرج منها بداية ونهاية وقد نعرف بدايات ولا نعرف نهايات. ولكن ليس باستطاعتنا أن نجعل من هذا الحكم الاختباري المتولد من الخبرة مبدأ كليا.

فيما العلم الفيزيائي يقول “إن المادة لا تفنى ولم تخلق من العدم”؛ أي لا بداية للمادة ولا نهاية لها. ولكن يمكن أن نتحدث عن أحوالها فقط. أحوالها هي ما اصطلحنا على تسميته بالزمان.

ولهذا فإن جميع اللاهوتيين يرفضون المبدأ الفيزيائي الآنف الذكر الذي يتحدث عن سرمدية المادة. لأنهم يعتقدون بحال البداية والنهاية.

هذا الفهم الفلسفي- العلمي للزمن المستند إلى العلم الفيزيائي بلغته الرياضية من شأنه أن يغير نظرتنا إلى الحياة والوجود. والحق إن الإقرار العلمي ونتائجه على الأرض دون أن يتحول العلم إلى وعي بالحياة والكون نوع من فصام الوعي الذي يعيش الحقيقة والوهم في آن واحد.

وفصام كهذا لا يتحول إلى مصدر خطر على الحياة إلا إذا صار سلوكاً أيديولوجياً سياسياً يحرم العقل من نعمة التفكير وفوائده.

كاتب فلسطيني مقيم في الإمارات

14