ليس من السهل أن تضع مدينة في رواية

أن تكون روائيّا حقيقيّا يعني أن تكون في الوقت نفسه أديبا ومؤرخا وعالم اجتماع وعالم نفس ورسّاما وشاعرا وفيلسوفا. فمهمّة الروائي ليست مجرد سرد حكاية، وإنما هي إعادة صياغة العالم وبعث حيوات فيه من خلال حكاية ما. وهذا ما تؤكده رواية صنعائي للروائية اليمنية نادية الكوكباني.
السبت 2017/01/21
رواية تربط الماضي بالحاضر

تحاول رواية “صنعائي” لنادية الكوكباني أن تربط ماضي صنعاء براهنها من خلال حكاية حبّ بين شابة وكهل صنعائيين واشتراكهما في ماضي والديهما المناضلين الجمهوريين، وفي حبّ المدينة إلى حدّ الذوبان في تفاصيلها.

تبدأ أحداث الرواية بعودة البطلة صبحية وعائلتها المتكونة من الأم والأب المريض والذي يتوفّاه الأجل في مدينته صنعاء، بعد ثلاثين سنة من المنفى الاختياري في القاهرة، كما تقول بطلة الرواية، لكن موت الأب في الفصل الأول من الرواية لم يمنع حضوره من خلال بحث صبحية عن جذورها في المدينة، وهو ما يفتح مجالا للمؤرخ داخل الرواية لفتح سجلات الأحداث التي عرفتها صنعاء من منتصف القرن المنقضي إلى أواخره، حيث نقف من خلال ذلك أمام الفواصل التاريخيّة التي مرّت بها صنعاء أواخر القرن العشرين.

اختارت الكوكباني منزلا قديما في قلب صنعاء القديمة، ليكون مرسما للرسامة بطلة روايتها، الصادرة عن مجلة الرافد الإماراتية، وليكون نقطة التقاء الأحداث والحكايات التي تنسجها الروائية حول مدينتها. تصف البطلة مرسمها، فتقول:

مرسمي منزل قديم في قلب صنعاء القديمة، هكذا باتوا يطلقون عليها بعد قيام ثورة سبتمبر 1962، وعندما انضمت إلى قائمة التراث العالمي في العام 1971، أصبح اسمها مدينة السور القديمة.

تبرع نادية كوكباني في وصف مدينتها صنعاء القديمة بدقة: العمارة بنوافذها وأبوابها المزخرفة بالجص، مآذن الجوامع المئة كما تذكر ذلك، الحمامات التركية القديمة، الملابس التقليدية النسائية والرجالية، القهوة اليمنية الأصيلة، قسمات الوجوه السمراء، العطور، القات، الخنجر اليمني “الجنبيّة” وغيرها. وهي لا تغفل عن أي شيء في المدينة دون أن تحتفي به؛ أصوات المدينة، المغنون والشعراء.

تقول “من تغنّى بصنعاء اقترب من الله والتصق به الحبّ وفهم معنى الوطن”.

تقنياّ اشتغلت الروائية على التداول الخطابي بين صبحية وحميد، بحيث كانت تخصّص كلّ فصل لأحدهما ليتحدث عن نفسه وعن مدينته، فكأنما تريد أن تنظر إلى صنعاء بمنظار المرأة والرجل فيها أيضا، والعودة إلى أصل العمران لكل مدينة “المرأة والرجل”، كل مدينة تأتي من حكاية حبّ كما يقول “بورخيس”، أمّا الشخصيات الأخرى مثل والدة صبحيّة أو غمدان فقد كان حضورها باهتا وجاء لخدمة البطلة في رحلة بحثها عن تاريخ والدها المناضل الجمهوري في ثورة 1962.

استعملت الروائية حكاية الحب بين صبحية وحميد لا لتكون حبكتها الروائية فقط، وإنما لتكون مفتاح الصندوق الأسود للأحداث التي عرفتها المدينة، فالرواية تتأسّس على الجانب التوثيقي بالأساس، لذلك هي لم تتعمّق في البواطن النفسية والاجتماعية لشخصياتها، بل إن جلّ الشخصيات بما فيها البطلة كانت وسيلة لفهم أسرار المدينة وللغوص في تاريخها الثقافي والسياسي.

في الفصل الأخير من الرواية الذي صدّرته الروائية بهذا المقطع الذي يشعل في القارئ فكرة الحلول التي يقول بها المتصوفة، تقول نادية الكوكباني بلسان بطلتها الرسامة “أنا صنعاء وصنعائي أنا”.

فالرسامة التي امتلأت بتفاصيل المدينة تحولت إلى مدينة في شكل امرأة، ورغم انفصالها عن حبيبها حميد، إلا أنها اكتفت بما أخذته من أسرار صنعاء، هذه الأسرار كانت جنينها الروحي، والذي أغناها عن الحبيب.

ليس من السهل أن تضع مدينة في رواية، خاصة إذا كانت مدينة مثل صنعاء بتاريخها وأساطيرها وعمارتها الفريدة وسكانها المتأصلين.

وهذا ما فعلته نادية الكوكباني على امتداد ثلاث مئة صفحة في لغة شفافة ونقية بلغت في درجات منها لغة المتصوفة، حيث تشدّنا الرواية منذ مقطعها الأول بتماسك بنائها وفتنة لغتها، بإدهاش لا يقلّ عن إدهاش عمارة صنعاء الفريدة.

15