ليك وسوات ثنائي الاستكشاف الحضري والجداريات الصامدة

ليك وسوات فنانان فرنسيان من نفس الجيل يعملان جنبا إلى جنب منذ 2010، ويشتركان في “الأوربيكس” أو فن “الاستكشاف الحضري”، الذي يُعنى بالتنقل في أرجاء المدينة طولا وعرضا بحثا عن خرائب عصرية، ليجعلا منها جداريات فنية مبهرة.
الاثنين 2017/05/29
من فن زائل إلى فن دائم

ليك وسوات فنانان يشهد لهما النقاد بتطوير فن الغرافيتي، التقليدي منه والتجريبي، سواء باستعمال الفيديو، أو باعتماد أسلوب التجريد المعماري، إضافة إلى عمليات التثبيت والآثار، فخلقا بذلك شكلا عصريا “للّاند آرت” الذي يستعمل عناصر الطبيعة.

ويتكون هذا الثنائي من ليك، واسمه الحقيقي فريديريك ماليك، وسوات، واسمه ماتيو كندريك، فأما ليك فهو من الجيل الأول لفناني الغرافيتي، ولد في باريس عام 1971، ونشأ قريبا من ساحة ستالينغراد، قبلة الغرافيتي الأوروبي في ثمانينات القرن الماضي.

خالط ليك عدة مجموعات أمثال دا منتال فابورز، وفرنش كيس، وإل سي إي (أضواء الكاميرا في طور العمل) والعربات المدورة والتجريدية، ثم بدأ منذ مطلع التسعينات يتحرر من القواعد التقليدية للغرافيتي النيويوركي، مكثفا عمله بتأثيرات مدرسة بوهاوس الألمانية، وتجريدية التيار المستقبلي.

مشروع "تخطيط مباشر" تمّ إنجازه من قبل الصديقين بالتعاون مع عشرين فنانا من فناني "الستريت آرت" في فضاء سري

ولما بدأ يهجر الشارع تدريجيا ليعمل داخل المؤسسات الصناعية المهجورة، صار من رواد ما يعرف اليوم بـ”الاستكشاف الحضري”، لا ينفك يجوب الضواحي الباريسية بحثا عن معامل ومستودعات مهملة، ولا يزال ينجز أعماله وحيدا أو بالتعاون مع صديقه سوات.

وسوات فرنسي من أصل أميركي، ولد عام 1978 بمرسيليا، زاول الرسم منذ سن المراهقة في الشارع، والحواري الخالية، وعلى جانبي سكك الحديد في عاصمة الجنوب، تأثر بكتابة شولو (وهو نوع من الغرافيتي اللاتيني بمدينة لوس أنجلس) ولا سيما أعمال تشاز بوخرغيث، وألف مع “غري1” كتاب “فرنسا القاع” يتتبع فيه ظهور الغرافيتي في جنوب فرنسا.

وبدأ سوات أيضا عضوا بمجموعة “دا منتال فابورز”، رفقة دران وبوم وآخرين، ونشر خطوطه التجريدية في شكل جداريات ضخمة، مثلما شارك مع فريقه في معارض بشتى أنحاء العالم، من أستراليا إلى الدانمارك، ومن إنكلترا إلى ألمانيا. ثم انتقل إلى عمل تجريبي باستعمال الفيديو استخلص منه، بالتعاون مع صديقه ليك، شريطين هما “مقام” و”تخطيط مباشر”.

فأما “مقام” فيتناول تجربة فريدة في فضاء “سوبر ماركت” مهجور بضاحية أوبرفيلييه، يمسح أربعين ألف متر مربع، حوّله الصديقان إلى إقامة فنية دعَوَا إليها أكثر من أربعين فنانا فرنسيا من شتى الأعمار ظلوا يمارسون هواياتهم فيها على مدار عام كامل.

وبقي المشروع سرّا لم يتخط ذلك الفضاء، إلا بعد أن تحوّل المشروع إلى فيلم، حيث تم التقاط صور عن كل الأعمال خلال إنجازها، ثم انتخبت من بينها حوالي تسعة آلاف صورة شكلت مادة الشريط، مع موسيقى تصويرية تكرّم بها الموسيقار الأميركي الشهير فيليب غلاس، صاحب “أينشتاين على الشاطئ”، و”أخناتون”.

صديقان يحولان خرائب فرنسا إلى فضاءات فنية

وأما “تخطيط مباشر”، فقد تمّ بالتعاون مع عشرين فنانا من فناني “الستريت آرت” في ذلك الفضاء السري، ما مكنهما من تسجيل حضورهما لأول مرة في تشكيلة مركز بومبيدو للفن المعاصر، ولفت انتباه المفوض جان دو لوازي، فدعاهما مع خمسين فنانا آخرين إلى دهاليز قصر طوكيو بباريس، حيث أنجزوا جميعا طوال سنة كاملة معرضا فنيا بعنوان “مشروع لاسكو”، إشارة إلى كهف لاسكو التاريخي، بعيدا عن أنظار زوار المتحف الياباني.

وعن تلك التجربة يقول ليك “إن الغاية لم تكن إبراز جمالية الغرافيتي، بل مساءلة موقعه داخل المؤسسة، واقتراح عدة أنماط لتثبيته، ولذلك تصرفنا بطرق مختلفة، وهو ما نفصّل القول فيه ضمن الكتاب الذي أنجزناه عن هذه التجربة”.

ويضيف “في مرحلة أولى، أنجزنا جدارية مشتركة في المدرج لنبين جمالية الغرافيتي وخصوصيته بوصفه حركة جماعية، ثم دعونا خطاطين نعتقد أن لهم أهمية في تاريخ ثقافتنا الفنية، كي نؤكد على تعدد فروعها وتباينها”.

ومنذ ذلك الوقت والصديقان لا يتوقفان عن التعاون مع فنانين من آفاق مختلفة أمثال جون جورنو، وأنياس ب، وجان شارل دو كستلباجاك، وهم من رواد حركة “غرافيتي فوتورا”، إلى جانب موضة 2، وجونون، وجاك فيلّيغلي الذين يُعدّون هم أيضا من رواد “الستريت آرت”، مثلما حصل في “جدار”13، حيث شاركا في إعداد جداريات إلى جانب عدة فنانين تلبية لطلب بلدية باريس 13 بتزيين عمارة معدّة للتدمير زينة مؤقتة، أو على غرار “المتحف الخيالي” الذي أنجزاه ذات ليلة، رفقة أحد عشر رساما من مجموعة 1984، في محطة مهجورة لتوليد الكهرباء بالدائرة 19. وتلك سمة فن “الستريت آرت” بعامة وفن الغرافيتي بخاصة، فهو عارض عابر سريع الزوال، لا يثبت إلا بالوسائط التقليدية كالكتب والتصوير الشمسي والكاميرا.

ولعل أجمل اعتراف بتجربة الصديقين ليك وسوات، دعوة جاءتهما من الأكاديمية الفرنسية في روما، الشهيرة بفيلاّ ميدسيس، كي يقاربا المدينة الخالدة بآثارها القديمة وقيعانها وأنفاقها، وقصورها ومقاطعها المهجورة، ومسالك تهويتها لتحويلها إلى فضاءات فنية، واستكشاف الصلات التشكيلية الموجودة بين الغرافيتي العتيق، كمصدر ثمين لعلماء الآثار، والغرافيتي المعاصر، كما انبعث من جديد في المترو النيويوركي خلال سبعينات القرن الماضي.

16