ليلا تريتيكوف جميلة وصغيرة تقود تطلعات ويكيبيديا نحو الشفافية

السبت 2014/08/09
الهيمنة الذكورية أبرز التحديات التي تواجه تريتيكوف

لندن – تربع الروسية ليلا تريتيكوف المتأثرة بسياسة بيريسترويكا، على قمة المصدر الوحيد للمعلومات الحرة في العالم، يضعها أمام تحديات كبيرة، فيما تعكس رؤيتها الاستشرافية لويكيبيديا صورة تكنولوجية للشركة ككلّ، بدلاً من صورتها الإعلامية.

لم تكن ليلا تريتيكوف سوى طفلة عندما بدأ الاتحاد السوفيتي في اعتماد سياسة بيريسترويكا (سياسة الانفتاح في الاتحاد السوفيتي في السابق) في الثمانينات من القران الماضي مكّنت هذه الحريات الجديدة تريتيكوف، الطالبة المميزة، من الانتقال من موسكو إلى نيويورك بنفسها، حيث عملت كنادلة لتعلم اللغة الإنكليزية ودفع تكاليف السنة الأخيرة من تعليمها الثانوي. في نهاية العام، كانت قد اعتلت ترتيب فصل شكسبير الذي التحقت به. إثر ذلك، أمضت تريتيكوف 18 عاماً في دراسة علوم الكمبيوتر والتعاونية، وتعمل مع برمجيات “المصدر المفتوح”. وفازت، بوظيفة المدير التنفيذي لخامس أكبر موقع في العالم، ويكيبيديا، في شهر مايو الماضي، من ضمن 1300 مرشح.

حسب تريتيكوف، هناك تشابه بين بيريسترويكا وتطلعات ويكيبيديا نحو الشفافية والانفتاح. وصرّحت تريتيكوف لصحيفة الغارديان في أول مقابلة لها "الغلاسنوست أو بيريسترويكا كانت فترة عظيمة ونهضة تاريخية لروسيا، وعلمتني الكثير عن أهمية حرية المعلومات".

وأضافت "السبيل الحقيقي الوحيد لتحسين ظروف الحضارات هو توفير حرية الوصول إلى المعلومات للتعليم والثقافة، وأن نكون منصفين للماضي. في غياب حرية المعلومات، سنقضي حياتنا في حذر مستمرّ من بعضنا البعض، وسنكرر أخطاء أجدادنا".

تمثل النساء 15 بالمئة فقط من 80 ألف محرر منتظم بالموسوعة الإلكترونية

الإنجازات الأكاديمية لتريتيكوف في مجال تعلّم الآلات مكنتها من الحصول على وظيفة في شركة “صن مايكروسيستمز″ سنة 1999، ثمّ أسست شركتها الخاصّة في مجال تسويق التكنولوجيا، “جروكديجيتال”، في السنة التالية.

عند التحاقها بشركة سوغركرم، بكاليفورنيا، التي توفر لحرفائها من الشركات خدمات في إدارة البرمجيات، تمكنت من توسيع نطاق اهتمامتها في مجال برمجيات المصدر المفتوح حيث يتم نشر “كود” المصدر، وتقاسمه وتحسينه مع المجتمع المطور.

بصوت خافت ولهجة روسية واضحة، تتحدّث تريتيكوف، البالغة من العمر 36 سنة، حول طموحاتها لمستقبل ويكيبيديا، بالرغم من أن تعيينها كمديرة تنفيذية كان مثيرا للجدل في صفوف مجموعة من المحررين المتطوعين في كنف ويكيبيديا.
تشمل هذه المجموعة حوالي ثلاثة آلاف من المتطوعين المتشددين الذين قاموا بما لا يقل عن 20،000 تحرير فردي على صفحات الموقع، وعندما أقرّت تريتيكوف أنها قامت مؤخّرا بأوّل تحرير لها على الموقع الإنكليزي لويكيبيديا، كانت هناك ردة فعل عنيفة ومتوقعة. وكتب المحرر المخضرم لويكيبيديا، فورسيث بيت، في رسالة إلكترونية مسربة: "لقد انتهى بنا الأمر مع أحد الهواة، وهو أمر مخيف جداً".
تنبع قراراتي بشأن مسائل ويكيبيديا من تحليلي الخاصّ للأمور

وقد انتقد آخرون انضمام صديقها، المطور ويل سنكلير، إلى موقع يراقب مقالات ويكيبيديا ومحرريها، ووصفوا سنكلير بأنه، “ضيف تريتيكوف الذي لا يرغب أحد في استقباله”، وهو ما أجابت عليه تريتيكوف بعقلانية قائلة: “تنبع قراراتي من تحليلي الخاصّ للأمور، وأنا لا أستشير ويل بشأن مسائل ويكيبيديا، ولا أطلب منه أن يفعل أي شيء باسمي كما لا أرصد ارتباطاته مع المجتمع… لطالما تمسّك كلانا باستقلاليته التامة".

تفرض مجموعة حقوق الرجال، رقابة على الآراء التي يدليها أعضاؤها حول مؤامرة “نسائية” على الموقع.

ويتمثّل التحدي الجديد لتريتيكوف في كسب ثقة مجموعة متطوعين يهيمن عليها الذكور -عمل الكثير منهم في الموقع لسنوات لإثبات العمليات والمعايير- وجعل الموقع أكثر جاذبية وتنوعاً وإتاحة الفرصة للمحررين الجدد، في نفس الوقت.

التنوع هو معضلة ويكيبيديا الكبرى، إذ يهيمن وجود الرجل الغربي الأبيض على الموقع. بعد ثلاثة عشر عاما على انطلاق الموقع، تقوم ويكيبيديا اليوم بنشر وصيانة أكثر من 32 مليون مقال في 287 لغة مختلفة، وتتمّ معالجة هذه المادة الضخمة استنادا على سياسة تصويت ديمقراطي وتوافق آراء معقد ومنهك.

لكن تمثّل النساء 15 بالمئة فقط من جملة الـ80،000 محرر منتظم بالموقع، كما يسجل نقص كبير في عدد متطوعيه في العالم النامي. وتقول تريتيكوف بهذا الشأن: "أهم شيء بالنسبة إلينا هو خفض الحواجز التي تحول دون الدخول إلى هذا المجتمع الرامي إلى بناء المعرفة. مهمتنا هي التثقيف، لذلك كلما انفتحنا على أنواع مختلفة من التفكير كلما نجحنا في تحقيق مزيد من التنوع".

بحكم أنها الموقع غير التجاري الوحيد بين منافسيها، تمثّل ويكيبيديا، الموقع الشاذ والمتفرد بين كبار الأسماء التي تهيمن على شبكة الإنترنت.

فورسيث بيت: لقد انتهى بنا الأمر مع أحد الهواة، وهو أمر مخيف جدا

كما إنها تبقى مؤسسة فريدة ومعقدة، وسيكون على تريتيكوف أن تساعد في المحافظة على مواردها المالية، إذ تبلغ تكاليف تشغيل الموقع 29 مليون دولار سنويا، وتعتمد على المنح الخيرية وهو يعتمد أساسا على الهبات المقدمة من المستخدمين، والتي ارتفعت من 4 مليون دولار إلى 45 مليون دولار تحت إدارة سلف تريتيكوف، سو جاردنر.

إذا قررت ويكيبيديا عرض إعلانات مستخدمي الموقع (وهو ما ينصح به العديد من المراقبين)، الذين يبلغ عددهم ما يقرب النصف بلیون شهريا، يمكن للموقع أن يجني 3 بليون دولار تقريبا في السنة، حسب أحد التقديرات. وتقول تريتيكوف: “تعتمد المعرفة كليا على الثقة. عدم الرضوخ لمطالب السوق يعطينا الحرية في أن نعمل لصالح المستخدم أولاً وقبل كل شيء. هذه الحرية تسمح لنا أن نكون أكثر تركيزاً على المستخدمين، وعلى احتياجاتهم".

ولأنها كذلك أكبر مصدر وحيد للمعلومات الحرة في العالم، تجد ويكيبيديا نفسها مجبرة على مكافحة تضليل الشركات والحكومات، وهي تشمل بالفعل بعض البرمجيات الآلية التي تقوم بالدفاع عن الموقع من خلال نشر إشعار تويتر عندما يتمّ تحرير مقالات تتصل بالكونغرس أو البرلمان أو الهيئات العمومية الأخرى من قبل مصدر داخلي لها.

وقد بدأت الجهود المبذولة في الآونة الأخيرة في إصلاح نظام تحرير الموقع حتى يكون أسهل وأقل تعقيدا للمحررين الجدد، لكن البرامج التلقائية من شأنها أن تساعد في هذا الصدد. ويتمتع موقع ويكيبيديا باللغة الإنكليزية بالفعل، بحوالي 2،000 “موافقة”. تسمح هذه البرامج بإجراء مجموعة من المهام الاعتيادية من تصحيح للأخطاء الإملائية وتحديث للمعايير وحتى مكافحة عمليات التخريب.

تقول تريتيكوف: "في المستقبل، سيتمكن أي محرر، لا يتمتع بمهارات ترميز، من الوصول إلى الأدوات التي يمكن أن تسمح له بالتفحص التلقائي للمواد وتسدّ فجواته من خلال بعض نقرات على زر معين”، وتضيف: “يبحث المبرمجون حاليا في حلول تسمح بزيادة وتحسين المهام البشرية بتسليم الصعب منها للآلات، وهو ما يمكننا من التركيز على المهام الإبداعية والخلاقة.

السبيل الحقيقي لتحسين ظروف الحضارات هو توفير حرية الوصول إلى المعلومات للتعليم والثقافة، وأن نكون منصفين للماضي

التحدي الأكبر الذي يواجهنا هو أن ندرك طريقة تغيّر الأوضاع والتجربة التكنولوجية للبشر، وأن نفرض وجودنا على أولئك الذين ليسوا على الإنترنت بعد".

وقالت تريتيكوف إنها تقرّ بشرعية القلق إزاء تزايد استخدام الآلات لإنجاز المهام البشرية: "ولكن أجهزة الكمبيوتر بالتأكيد أفضل بكثير من البشر في معالجة كميات كبيرة من المعلومات، وهو السبب الذي يدفعنا إلى استخدامها بكثرة في هذا المجال. هناك العديد من المجالات المستجدة حيث يمكن للـ”سير” أن يساعدنا على تحديد أشياء مثيرة للاهتمام. ولا يجعل ذلك من أجهزة الكمبيوتر آلات إبداعية، ولكنها تساعدنا على تحسين الإبداع الخاص بنا".

نظراً إلى التجارب التي خاضها الموقع مع التشغيل الآلي واهتمام تريتيكوف الأكاديمي بالذكاء الاصطناعي (فقد شاركت في تأليف العديد من براءات الاختراع)، لا عجب أن تعكس رؤيتها الاستشرافية لويكيبيديا صورة تكنولوجية للشركة ككلّ، بدلاً من صورتها الإعلامية. سوف يأتي الاختبار الحقيقي الأول لها اليوم، عندما تقف أمام “طائفة” ويكيبيديا في العالم الحقيقي لتعلن الخطط المستقبلية التي وضعتها للشركة. وتقول: “الشيء الوحيد الذي يمكن أن نفعله لتغيير الأمور، هو مواصلة التقدم وتغيير الأمور من خلال الإنجازات، من خلال المحاولة. من يدري، خلال 50 عاماً من الآن، قد ينتهي بنا المطاف إلى مساعدة الإنسان على تغيير الوضع القائم في العالم، عالم تكون فيه المرأة العامل الفعال والقادر”.

18