"ليلة الإمبراطور" فانتازيا أدبية تنهل من كتب التراث

الاثنين 2014/06/23
غازي حسين العلي يكتب رواية محبوكة بألوان كتب التراث وحكاياته

برلين- رواية “ليلة الإمبراطور” للكاتب السوري غازي حسين العلي، الصادرة عن دار “ضفاف” (2014)، من الروايات التي يمكن تصنيفها من روايات المتعة والمؤانسة، لخفة ظلها وطرافة أسلوبها السردي، وما تحمل من فانتازيا برع الكاتب في تشكيلها، لكنها في الوقت نفسه معجونة بالقهر تنبش الأحزان من أغوار النفس فتذهب بروح القارئ إلى أقاصي البكاء، في الوقت الذي تغرقه في الضحك.

ستة عشر فصلا تتوزع في السرد، كل فصل يحمل عنوانه الخاص المدبّج بسجع جميل ومعنى طريف، كاستهلال لأسلوب سوف تنهض الرواية وفقه مما يمنح السرد ميزة الانسجام مع الجو العام للعمل بما يحمله من فانتازيا أدبية وعبثية تتصادى مع عبثية واقعنا السوري، وواقع الراوي “سعيد” المواطن البسيط المغلوب على أمره، المقيد إلى ظروف حياته والظروف العامة التي تعيشها سوريا، ودمشق على وجه الخصوص.


القتل واجب وطني


سعيد يعمل قاتلا للكلاب الشاردة في بلدية تابعة لمحافظة دمشق، مشبوح بين أب قصّر تجاه زوجته فارتمت في أحضان الجار الذي أخذها إلى السعودية، وقد كان مغرما بسعاد حسني، صادف أن وجد فتاة تشبهها وهي سكرتيرة لرئيس البلدية فوقع في غرامها من أول لحظة وأحبها إلى الأبد مثلما لو أنه اكتشفها مقيمة في أعماقه منذ الأزل، وبدأت سلسلة الأحلام والكوابيس في رحلة سعيه للحصول على سعاد حبيبته التي سيزوجها أهلها من ابن عمها “الضابط” الذي وعدها بـ”سيارة وعمارة”، بينما هو الرجل البسيط الذي يتقدم لخطبتها ويجيب على أسئلة أبويها بكل صدق بأن والده في سجن عدرا بتهمة السرقة، وأمه هربت مع جارهم “أبو زهدي” إلى السعودية بعدما ضبطهما أبوه في السرير، وهي لا تزال تؤدّي العمرة هناك.

رواية تكشف المسكوت عنه في تراثنا الثقافي ومنظومتنا القيمية، والاستبداد كمنظومة سياسية ودينية واجتماعية

سعيد لم يتحصل على شهادة، فقد درس حتى الصف السادس لكنه مغرم بالقراءة ولديه صديق يعيره الكتب، أما أخو سعاد حبيبته، التقدمي، نصحه بقراءة لينين وماركس ودوستيوفسكي وتولستوي. يعاني سعيد من إحساس بتأنيب الضمير أثناء قيامه بقتل أرواح بريئة حتى لو كانت كلابا، ويعاني من استبداد رئيس البلدية له الذي كلفه بهذه المهمة وهو في الأساس مراسل، يحاول أن يعتذر ويطلب إعفاءه من هذا الدور لأن جمعية الرفق بالحيوان تلومه، ويتذكر أيضا ملاحقة عيني جرو صغير كان قد دار بينهما حوار قبل أن يرديه قتيلا بعد أبيه، لكن رئيس البلدية يرفض، ويستنكر هذه الجمعيات المغرضة التي تريد أن “تعلمنا الحلال والحرام”.

ثم توكل إلى سعيد المهام الأصعب بالتدريج إلى حدّ أن تصبح مهمته في القتل واجبا وطنيا وبطولة لن ينساها له أصحاب القرار وسوف يكافأ عليها، وهو إذ يقوم بهذه المهمة فسوف يتشبه في وجدان الناس بـ”سليمان الحلبي” وسيكون اسمه “سعيد الشامي”، لأن هناك أعدادا كبيرة من الكلاب تسرح وتمرح في البلدة وقد تضاعفت أعدادها عشرات المرات، وجاءتهم أوامر “من فوق” للقضاء عليها بسرعة وقبل فوات الأوان.


بين يقظة ونوم


تنهض الحكاية وشخصياتها عبر تسلسل الأحلام والكوابيس، بين يقظة ونوم، في رحلة البحث عن سعاد الحلم، وتخليصها من ابن عمها الضابط الذي لا تحبه سعاد كما يكرر سعيد، فيتماهى الواقع مع الخيال، والحقيقة مع الوهم، والجد مع الهزل، والنظامي مع الفوضوي، والهادف مع العبثي. كوابيس تلاحق الأحلام عند كائن بشري بسيط مستضعف مرهون للابتزاز، محكوم بقصر باعه وعجزه عن صنع حياته، حتى إنه في حمّى بحثه عن حلمه “سعاد” يستبدلها بـ”مانكان” صورة طبق الأصل عنها، فيأخذها إلى بيته بعدما اكتشف كم هو وحيد وأعزل ومنبوذ، لتكتسب نبضا ويشاركه في عرسه على سعاد المانيكان أرض غرفته وجدرانها وسقفها ويشعر بأن له أهلا يفرحون لفرحه، يعزّي نفسه لما يحدث معه بالكتب التي قرأها كل ليلة قبل النوم بدلا من تفكّره في واقعه، كتب تُستدعى من الماضي وأسماء من التاريخ، وكل حلم له كتابه في لاوعيه، أولها “البغاء عبر العصور”، “الحياة ما بعد الموت”، “عن الرحلة الإمبراطورية في الممالك العثمانية”، “التعذيب عبر العصور” و”تفسير الأحلام الكبير”؛ ويحضر كتاب ألف ليلة وليلة بحكاياته المحبوكة لخدمة السرد، وغيرها، بل يحضر في أحلامه وكوابيسه وتهويماته ابن حزم نفسه، والسهروردي، والكواكبي، وتدور الحوارات بينه وبينهم.

فانتازيا أدبية وعبثية تتصادى مع عبثية واقعنا السوري

وفي حمّى هلوساته وكوابيسه مدفوعا بالخوف المعشش في أعماقه تفبرك له التهم وتلصق به الجرائم، من اختطاف سعاد فاغتصابها إلى تهمة الإرهاب، ويطلب إلى التحقيق مرات ومرات، ويخضع إلى التعذيب ويدخل السجن ويودع في الزنازين، وفي الفصل العاشر تحت عنوان “تسقط ديكتاتورية الإنسان على الحيوان” تدور حوارية مؤلمة بينه وبين القاضي بعد رؤيته أنه طعن رئيس البلدية، وحجته في الدفاع عن نفسه هي أن رئيس البلدية أجبره على قتل أرواح بريئة مستغلا حاجته إلى الوظيفة، و”حولني إلى قاتل مأجور”. ويحلم بأن يقتل الضابط ابن عم سعاد الذي يرتقي في النهاية إلى رتبة عماد، حيث جاءته سعاد في أحد المنامات وقالت له: “أرجوك يا حبيبي أن تخلصني من سجن العماد”.


ألوان التراث


لكن نبوءة سعيد جاءت على شكل كابوس فبركه خياله من وحي كتاب “عجائب المقدور في أخبار تيمور” الذي يقول: “بأن المدعو سعيد الذي كان يعمل في بلدية عيشة سيجمع بعد سنين العساكر الجرارة والسهام الطيارة والسيوف البتارة، ويهجم على البلدية هجمة قوية، ويحررها من الحاقد الذي يسمونه (ضابط)”.

أما الحلم الأخير فنجد أن سعيدا ارتقى إلى رئيس قسم “الطعوم السمية” بعد تبني اقتراحه الذي قدمه قبل أن يطلب إعفاءه من مهمته في قتل الكلاب، وما لحق به من أصناف الضغوط والتعذيب بسببه، يقول له رئيس البلدية: “أرجوك أن تبلغ سلامي للسيد رئيس جمعية الرفق بالحيوان، وأن تنقل له موقفي الجديد، وقل له إننا أصبحنا في خندق واحد بمواجهة القتلة عديمي الرحمية، وإنه بتعاوننا هذا لا بد لنا، عاجلا أم آجلا، من تقديمهم للمحاكمة”.

15