ليلة الحناء.. حلبة صراع الأجيال في تركيا

يتصارع جيلا الأمهات والفتيات على فرض تقاليدهما على ليلة الحناء التي تسبق ليلة الزفاف في تركيا. ومن أغان عاطفية شعبية تدر دموع جيل الأمهات، إلى أغان عالمية تبعث البهجة في نفوس الفتيات، تتغير فلسفة ليلة الحناء من ليلة وداع تقليدية للعروس، إلى حفل كبير يكون لها ولصديقاتها دور مركزي في إحيائه.
الأربعاء 2017/01/25
العروس أسيرة تقاليد بالية

أنقرة – بدأت أليف أوشار (22 عاما) ووالدتها عايشة صادكلار في التحضير لمراسم ليلة الحناء، وهي الليلة التي تسبق يوم زفافها، لتكون الليلة الأخيرة لأليف قبل أن تصبح عروسا. وهذه هي الخطوة الأخيرة التي تسبق ليلة الزفاف.

وفي هذا اليوم تأتي العديد من النساء والسيدات، صغيرات وكبيرات، للتجمع والاحتفال بالعروس كنوع من أنواع التوديع لها قبل يوم الزفاف.

أما أليف، فكان ذلك اليوم بالنسبة لها هو الجزء الذي لطالما انتظرت حدوثه على مدار فترة التخطيط لزواجها، وهو ما سيتيح لها فرصة لقضاء وقت ممتع مع صديقاتها بحرية قبل الزواج.

ومع ذلك شهدت ليلة الحناء صراعات غير متوقعة بين أليف ووالدتها التي هيمنت عليها مطالب تتسق مع التقاليد والأعراف القديمة في تركيا.

وعلى عكس والدتها كانت أليف مولعة بالأسلوب الحديث والعصري الذي لطالما حلمت بأن تنفذه بحفل زفافها. وعلى الرغم من ذلك أصرت والدتها قائلة “أريد لابنتي حفل زفاف تركي بمعنى الكلمة. يجب أن يتم كل شيء وفقا للتقاليد التركية”.

كانت هذه هي العبارة التي تتردد كثيرا في عقل أليف عندما كانت تفكر بالتخطيط لإقامة مراسم حفل الزفاف.

كما تؤمن أليف دائما باعتبارها شابة وذكية ومواكبة للحداثة، أنها يمكن أن تفعل ما تريد في ما يتعلق باحتفال ليلة الحناء الخاصة بها، حتى لو كان معنى ذلك رفض التقاليد والأعراف، حتى أنها أكدت أنه يمكنها أن تستخدم الألعاب النارية إذا أرادت ذلك.

وتنظر أليف وصديقاتها من الشباب إلى ليلة الحنة باعتبارها يوما للاحتفال أكثر من كونها ليلة وداع تقليدية.

وعلى مر السنين اختلفت طقوس الاحتفال بليلة الحناء بجميع أنحاء تركيا وفقا للعادات المختلفة للأقاليم التركية، لكن اتجاها ظهر حديثا في السنوات الأخيرة، أصبحت هذه الطقوس بموجبه تتعارض مع التقاليد المعاصرة.

فعلى الرغم من أن كلا من أليف ووالدتها اتفقتا على أن الموسيقى هي أهم ما يميز ليلة الحناء، إلا أنهما اختلفتا بشكل كبير على نوعية الموسيقى المختارة. فقد قامت أليف وصديقاتها بالعمل على تحضير قائمة الأغاني الموسيقية للحفل منذ أكثر من ستة أشهر مضت. واحتوت قائمتهن بشكل رئيسي على موسيقى البوب والموسيقى الراقصة، مع وجود بعض من موسيقى الرقص الشرقي.

كل السيدات القريبات من جيل والدة أليف يتمتعن بنفس طريقة التفكير التي تجبر العروس على البكاء في هذه الليلة

وبدا كل شيء مثاليا، حتى راجعت والدتها القائمة، وهنا تأزم الوضع قليلا. وقالت والدة أليف “أعرف جيدا أنني لن أستطيع استبدال تلك الأغاني الموسيقية بغيرها، لكن لابد من إضافة بعض الأغاني الثمينة من موسيقانا الشعبية مثل يوكسيك يوكسيك تيبلير (وهي أغنية عاطفية شعبية من أساسيات حفل الزفاف في الثقافة التركية). ألا يحق لي البكاء على هذه الأغنية في حفل ليلة حناء ابنتي؟”.

وتتمتع كل السيدات القريبات من جيل والدة أليف بنفس طريقة التفكير وكانت لديهن نفس العقلية. وتجبر العرائس على البكاء في هذه الليلة عندما تغنى مثل تلك الأغاني الشعبية من قبل السيدات المدعوات.

ويرتبط البكاء ارتباطا وثيقا بليلة الحناء في المجتمع التركي. وأصرت أليف على أن “هذه الأغاني قديمة، أما الآن فهناك أغاني ريهانا وليدي غاغا وديفيد غوتا التي أعشقها. أريد أنا وصديقاتي أن نرقص على تلك الأغاني. كما أن ديميت أكالين (مغني بوب تركي شهير) وأغانيه يجب أن نرقص عليها في تلك الليلة. لا أستطيع أن أتخيل مشهد الرقص دون أغانيه”.

وتحدث عادة عدة نقاشات مماثلة في ما يخص تنظيم مراسم الاحتفال كالتعاقد مثلا مع دي جي كبديل للطبول والمزامير، ومختلف أنواع الديكورات مثل اللافتات والأقنعة والعروش. وتخطط صديقات العروس لأداء رقصات خاصة لتلك الليلة، وحتى المكان المختار لإقامة الحفل تم تطويره على مر السنين.

وحتى السنوات الأخيرة لم يكن هناك أي نقاش حول مكان معين لإقامة الحفل، حيث كانت المنازل والحدائق الملحقة بها هي الخيار الوحيد. أما اليوم فلا تؤخذ المنازل حتى كبدائل لإقامة حفل الحناء. وبدلا من ذلك تم استبدال المنازل بالصالونات والمقاهي العامة في بادئ الأمر، ثم جاءت الفنادق والنوادي لتطيح بكل تلك الخيارات السابقة.

والفنادق الراقية بمدينة اسطنبول، مثل “بولات رينسانس” أو “فور سيزونز” اللذين يطلان على مضيق البوسفور والقصور العثمانية الفخمة مثل قصري “هيديف” و”كوشوكسو”، من ضمن المواقع الأكثر جذبا لإقامة حفلات الحناء والزفاف.

وعلى الرغم من الطبيعة المتواضعة لليلة الحناء، فإن التحول الكبير من كونها ليلة تقليدية إلى ليلة مواكبة للحداثة لا يشترط أيضا إقامتها في الفنادق أو القصور المترفة.

ومازالت إقامة الحفل في مكان متواضع بأسعار معقولة متاحة أيضا وفي متناول العروسين؛ من بينها المرافق الاجتماعية البلدية، والمطاعم المطلة على البحر، وحتى المقاهي العامة. وتغيرت الفكرة الجوهرية لإقامة حفل الحناء بشكل جذري.

وانحدرت هذه الحفلات تاريخيا من حفلات أكبر ازدهرت في ثمانينات القرن الماضي، وامتزجت فيها الألوان بديكورات خاصة.

وتسببت حفلات تظهر في الدراما التركية مؤخرا، وحفلات يقيمها المشاهير من أجل الاحتفال بليلة الحناء، في هذا التحول الكبير في شكل ليلة الحناء التركية.

واليوم لم يعد غريبا إصرار أي من الفتيات اللاتي يحضرن لحفل زفافهن أن تدعو صديقاتها لوضع قناع العريس على وجوههن، في محاكاة لمشهد الحناء في دراما “أشكي ميمنو” (الحب الممنوع) الشهيرة.

وفي السابق كانت الفاكهة المجففة والمكسرات واجب الضيافة الوحيد في ليلة الحناء، لكن ظهور شركات تنظيم الحفلات غير كثـيرا من نظـرة الشبـاب للاحتفال برمته.

وتعرض هذه الشركات، ومعها مجموعة كبيرة من الطهاة المحترفين في فنادق كبرى، أصنافا كثيرة من الأطعمة الشهية التي تقدم خصيصا في هذه الليلة.

ولن تصمد الفواكه الجافة والمكسرات التي اشترتها والدة أليف من سوق التوابل أمام قطع “الكب كيك” الملونة، التي يظهر عليها توقيع أليف وعريسها.

وبالإضافة إلى كل هذه الابتكارات الجديدة، لا تكتفي العروس، التي تعرف في تركيا أيضا بملكة الحناء، بفستان واحد فقط خلال الليلة بأكملها.

12