ليلة القبض على بعيّو

ما دامت هناك جماعات مسلحة وشباب مندفع بهوس تسلطي وما دام المجتمع الدولي عاجزا عن جمع السلاح وحل الميليشيات سيبقى الوضع على حاله وستبقى الدولة المدنية الديمقراطية مجرد شعار أجوف.
الأحد 2020/10/25
محمد بعيو يدفع ثمن مواقفه المناهضة للإخوان

أعلن أمس عن إحالة محمد بعيو رئيس المؤسسة الليبية للإعلام إلى المدعي العام العسكري بتهمة الخيانة العظمى وقت النفير العام وذلك بقرار من آمر المنطقة العسكرية الغربية لحكومة الوفاق أسامة الجويلي، وبضوء أخضر من أمراء الحرب في مصراتة وطرابلس.

عندما اتجهت عناصر من كتيبة ثوار طرابلس مساء الثلاثاء من “عين زارة” إلى “السبعة” على متن مركبات مسلحة بمضادات الطيران، لتختطف رئيس المؤسسة الليبية للإعلام، محمد بعيّو، وولديه الشابين عمر وأحمد، وتنقله إلى مقر الكتيبة للتحقيق معه، كانت هناك قوات أخرى قد حاصرت مقر قناة ليبيا الوطنية الرسمية، واقتحم بعض أفرادها مكتب بعيّو الموجود بداخلها، واستولوا على الوثائق الموجودة هناك، وأمروا العاملين في القناة بإعادة رمز “بركان الغضب” إلى أعلى يسار الشاشة وبث أناشيد تحريضية، الهدف منها تبليغ رسالة مفادها أن الميليشيات لا تزال صاحبة القول الفصل في غرب ليبيا.

بالتزامن، كانت عناصر أخرى قد اتجهت إلى منزل هند عمار، وهي فنانة وإعلامية تم تكليفها مؤخرا بوظيفة رئيسة إدارة البرلمان بالتلفزيون الرسمي، حيث تم اختطافها وتعنيف زوجها الذي كان يحاول حمايتها، وردت وسائل إعلام إخوانية السبب إلى أنها كانت مؤيدة لعملية الكرامة التي أطلقها الجيش الوطني في ربيع 2014 ضد الجماعات الإرهابية والميليشيات الخارجة عن القانون.

في العاشر من سبتمبر الماضي، أصدر رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج قراره ببعث المؤسسة الليبية للإعلام، كجهاز تنفيذي مكلف بالإشراف التام على وسائل الإعلام التابعة لحكومة الوفاق، سواء كانت مرئية أو مسموعة أو افتراضية، وتحديد سياساتها العامّة، وأسندت رئاستها إلى شخصية مثيرة للجدل، هو محمد بعيّو، أحد أبرز الوجوه الإعلامية زمن النظام السابق، وصاحب المواقف المعلنة ضد الإخوان والميليشيات، والذي حاول دائما أن يحافظ على استقلالية قراره، وخاصة من حيث ظهوره في وسائل إعلام موالية للجيش، إضافة إلى عمله فترة من الزمن كمستشار إعلامي لمحافظ مصرف ليبيا، الصدّيق الكبير.

قبل ذلك بأيام، كان السراج قد عقد في الثاني من سبتمبر اجتماعا مع النخب الثقافية والإعلامية.

كان حضور محمد بعيّو كافيا ليؤلب عليه أنصار الوفاق وقوى الإسلام السياسي وأمراء الحرب المنضوين تحت ما يسمى ببركان الغضب، ووصل الأمر إلى توجيه تهديدات مباشرة للسراج، وبرز بالخصوص موقف عضو المجلس الرئاسي ووزير التعليم محمد العماري زايد، المعروف بمواقفه الداعمة للميليشيات والمحسوب على جناح عبدالحكيم بالحاج، الذي طلب من السراج التراجع عن قراره، في حين اختار وزير الداخلية المفوض، فتحي باشاغا، الصمت إزاء التعيين، رغم الحرب المستعرة منذ فترة طويلة بينه وبين بعيّو، وقد يعود الأمر إلى أن الرجلين ينحدران من مصراتة، ولأن قبيلة أولاد بعيّو لها تأثير اجتماعي كبير في المدينة.

بعد حصوله على التكليف الرسمي، دخل بعيّو في مواجهة مع أعدائه، فالرجل صاحب لسان سليط وقلم جارح، وتدويناته كانت كثيرا ما تزعج الجهات المتنفذة في طرابلس، ولذلك بادر بإثارة ملف الاتهامات الموجهة لسليمان دوغة، مدير قناة “ليبيا الأحرار”، التي تبث برامجها من تركيا بتمويلات قطرية باذخة، بالتورط في قضية فساد، وأنه استحوذ في العام 2013 على مبلغ 35 مليون دينار ليبي (28 مليون دولار أميركي) تم رصده من سلطات طرابلس لتأسيس قناة رسمية تحمل اسم “ليبيا”، وسافر إلى خارج البلاد دون أن يترك أثرا.

لا مصالحة وطنية في ظل سيطرة الميليشيات على غرب ليبيا
لا مصالحة وطنية في ظل سيطرة الميليشيات على غرب ليبيا

في 16 أكتوبر الجاري، أصدر بعيّو تعليماته إلى وسائل الإعلام الخاضعة لسلطاته، بما في ذلك وكالة الأنباء، بالقطع مع خطاب الكراهية والتجزئة وعدم التعرض للقائد العام للجيش المشير خليفة حفتر بأية عبارات مسيئة، وأمر قنوات التلفزيون الرسمية والخاصة التي تبث من طرابلس بحذف شعار “بركان الغضب” من شاشاتها، كان يرى أن “هناك بعض المحددات أو الثوابت التي سيتم العمل عليها لتنظيم الإعلام والقضاء على الفوضى، سنعمل على تحويل شعار: إعلام السلام، إلى مشروع خطة عمل تقدم للرأي العام، فإعلام السلام ليس مجرد شعار، حيث يتطلب تعديل الخطاب، ووضع معايير له، وتشجيع من يدعو إلى إعلام السلام، وتوسيع دائرة تأثير إعلام السلام في مواجهة الحرب أو الدعوة إلى الحرب”.

بعد ساعات من حذف القنوات شعار “بركان الغضب”، وتوقفها عن التهجم على الجيش وحفتر، وصمت رئاسة المجلس الرئاسي على هذا التوجه الجديد، بما يعني أنها تدعمه، قررت ميليشيا “كتيبة ثوار طرابلس” أن تأخذ الأمر بيدها، وجاء القرار من آمرها أيوب أبوراس، الذي كان قد سيطر على الكتيبة في ديسمبر 2019 بانقلابه على هيثم التاجوري، الذي كان قد غادر البلاد آنذاك والتحق باستثماراته خارجها، وهو الذي سبق أن انقلب بدوره في 2012 على مؤسس “ثوار طرابلس” الإرهابي مهدي الحاراتي.

أبوراس ينحدر من منطقة “جادو” الأمازيغية بجبل نفوسة، مثله مثل صديقه سليمان دوغة، وهو معروف بتحالفات مع شخصيات مثل محمد العماري زايد وعبدالرحمن السويحلي، ويعتبر من القيادات المتشددة في عدائها للجيش وللنظام السابق، والمتأثرة بفكرة أن من حق المسلحين أن يكون لهم دور مهم في القرار السياسي والتنفيذي والإداري والإعلامي كذلك، وقد صرح بذلك في مناسبات عدة، آخرها في تدوينته بعد اختطاف بعيو.

بعد نقله إلى مقر الميليشيا، كان أول ما فعله قادتها هو التفتيش في هاتف محمد بعيّو علّهم يعثرون على ما يدينه من رسائل أو صور عبر التطبيقات، وهذا أمر مألوف لدى ميليشيات طرابلس، وتمت ممارسته مع هاتف هند عمار التي جرى اختطافها في ذات الوقت تقريبا، وبالتزامن مع إعادة شعار “بركان الغضب” إلى الشاشات، وبث أناشيد تحريضية والعودة إلى بث سموم الكراهية.

لقد أثبتت هذه الحادثة أن لا حل سياسيا، ولا مصالحة وطنية في ظل سيطرة الميليشيات على غرب ليبيا، وأن كل ما قيل ويقال داخليا وخارجيا عن تقدم في الحوار الليبي – الليبي، سواء في جنيف أو بوزنيقة أو القاهرة أو الغردقة أو فاليتا أو غيرها، لا يخرج عن دائرة الوهم أو حبوب التخدير، التي يتم ترويجها إعلاميا بهدف الدفع نحو تأبيد الصراع.

ما دامت هناك جماعات مسلحة وشباب مندفع بهوس تسلطي ورغبة في إبقاء الوضع على ما هو عليه، وما دام المجتمع الدولي عاجزا عن جمع السلاح وحل الميليشيات، وما دام رئيس المجلس الرئاسي نفسه غير قادر على إنفاذ قراراته أو فرض أوامره على قواته، فإن الأمر سيبقى على حاله، وستبقى الدولة المدنية الديمقراطية التعددية مجرد شعار أجوف يتردد على ألسنة من لا يؤمنون لا بالمدنية ولا بالديمقراطية ولا بالتعددية ولا بالدولة أصلا.

6