ليلة القدر تكفير للذنوب وهداية الله للصائمين

السبت 2014/07/26
يحرص المسلمون على احتفالهم الخاص بليلة القدر لأنها الليلة المباركة وهي خير من ألف شهر

القاهرة- خص الله تعالى شهر رمضان بليلة مباركة تتطلّع فيها القلوب المؤمنة بالرجاء والدعوات، يقول تعالى في كتابه العزيز: “إنا أنزلناه في ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر”.. وهي ليلة السلام والتسامح، وتحظى بمنزلة خاصة في قلوب المسلمين، وفرصة تتكرر كل عام ليوثق فيها العبد علاقته مع الخالق جل جلاله.

منذ الفتح الإسلامي لمصر في عهد القائد والصحابي الجليل عمرو بن العاص، عرف المصريون قواعد الإسلام وشرائعه وسنته، وصارت لهم مظاهر احتفالية خاصة بقدوم المناسبات الدينية، حيث تزايد الوعي الديني ببناء المساجد وتوافد عليها آلاف المصلين، لتأدية الفروض والتزوّد بالعلم ونور الإيمان، لتكون مساجد الفسطاط وابن طولون والأزهر منارات سامقة على مر التاريخ.

وكانت هناك عادات للمصريين تأصلت بمرور السنوات، خاصة في شهر رمضان، ومنها موكب استطلاع الهلال واحتفال ليلة القدر، حيث المساجد عامرة بالمصلين، والأضواء تعلو المآذن والعمائر في سائر أنحاء البلاد. ومن الفساط، أول عاصمة إسلامية لمصر، إلى مدينة العسكر والقطائع والقاهرة، لم ينقطع المصريون عن احتفالاتهم بالمناسبات الدينية، والتي صارت مصدر بهجة لهم، وفرصة لتوثيق الصلات بين الحاكم وشعبه. وكان أهم ما يميز هذه الاحتفالات هو (المواكب) ومنها موكب ليلة القدر، الذي يشارك فيه الخليفة ورجال الدولة، والذي يخرج من قصر الخلافة إلى الجامع الأزهر لصلاة العشاء والتراويح (في العصر الفاطمي)، ليتحوّل الميدان إلى قطعة من نور يتخطف الأبصار، لتمتد الاحتفالات وتعم الفرحة قلوب المصريين حتى يحين موعد أذان الفجر.

وقد حافظ المصريون على احتفالهم الخاص بليلة القدر، لأنها الليلة المباركة التي هي خير من ألف شهر، فهي ليلة ذات قدر، نزل فيها كلام ذو قدر، نزل به ملك ذو قدر، على نبي ذي قدر، لأمة ذات قدر، هي أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. ولما كانت هذه الليلة ليلة مباركة، كانت العبادة فيها مضاعفة، فالطاعة فيها خير من ألف شهر، وهو ما يزيد على ثمانين عاما.

وقد روى أحمد والنسائي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر".

جرت العادة في مصر أن يكون الاحتفال بليلة القدر، ليلة السابع والعشرين، حيث يقام احتفال كبير في رحاب الأزهر الشريف

كما أنها ليلة الصفاء والسلام مع النفس، ومع الأهل والأولاد، ومع الجيران والأقارب، مع المسلمين جميعا، ومع غير المسلمين الذين لا يعتدون على المسلمين، وحتى يجتهد المسلم في العبادة في هذه الليلة، والليالي الأخيرة المباركة من شهر رمضان، أخفى الحق تلك الليلة، وبين الرسول صلى الله عليه وسلم أنها في الوتر من العشر الأواخر، فقال صلى الله عليه وسلم: “تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر”. ويرجح العلماء أنها ليلة السابع والعشرين، ويقول نفر منهم إنها تتغير من سنة إلى أخرى، فربما تكون في خمس وعشرين في سنة، وسبع وعشرين في سنة أخرى، ومن أجل ذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحرص على إحياء الليالي العشر كاملة ويوقظ أهله ويحثهم على إحياء هذه الليالي كلها.

وجرت العادة في مصر أن يكون الاحتفال بليلة القدر، ليلة السابع والعشرين، حيث يقام احتفال كبير في رحاب الأزهر الشريف، تبثه على الهواء الأجهزة السمعية والمرئية، ويتحدث فيه شيخ الأزهر والمفتي وعلماء وشيوخ أجلاء، ليبينوا لأمة الإسلام مزايا ليلة القدر، ويوضحوا أنها مهرجان لأهل الأرض والسماء، حيث تحتشد الملائكة تحت إشراف أمين الوحي جبريل عليه السلام، فيركزون رؤيتهم عند الكعبة، ويأمرهم جبريل بإذن الله أن يمروا على المؤمنين الذين يحيون هذه الليلة بالقرآن الكريم والصلاة والدعاء فيبلغوهم تحية الله، وأن ثواب العمل في هذه الليلة خير من ثواب العمل في ألف شهر، وأن موكب النور الذي تنزل به الملائكة والروح حين يلتقي مع النور الذي يفيض على وجوه المؤمنين القائمين الراكعين الساجدين، يكون القدر والشرف وقوة العقيدة والروح والخلق والسلوك.

ويحذر العلماء هؤلاء الناس الذين يقولون إنهم رأوا طاقة من نور في ليلة القدر، لأن الغرض الحقيقي إذا رأى أحد شيئا لا يتحدث عنه، ولكن الذي يريد أن يتاجر ويستغل ويدعي الإيمان، يتحدث عن هذه الأشياء وهو لم ير شيئا، فإذا قال إنسان إنه رأى كذا في ليلة القدر، فقل له بارك الله لك، ولا تفعل شيئاً غير ذلك، لأنك لا تستطيع أن تصدقه ولا أن تكذبه.

البعض يعتقد أن هناك جوائز مالية أو عينية ستسقط عليه من السماء

ومع ازدياد الوعي الديني لدى المسلمين في مصر، فإن نادرا ما يحدث أن يقول إنسان إنه رأى كذا أو سمع كذا، لأنه استقر في الضمير أن هذه علاقة خاصة بين العبد وربه، ولا يجوز الحديث عنها، فإن ما يثار، حسب قول العلماء، من أن كوكباً يضيء في تلك الليلة أو تظهر “طاقة” نور لمن يلتمسها، فإذا رآها ودعا الله، يُستجاب دعاؤه، فإن هذه خصوصية لا ينكرها أحد ولا ينفيها.

ولكن البعض يعتقد أن هناك جوائز مالية أو عينية ستسقط عليه من السماء، لذلك قد يدعو البعض أن تمطر عليه السماء ذهباً أو فضة، أو يصير من أصحاب الجاه، أو النفوذ، ولم يثبت إلا الأدلة التي أشارت إليها الأحاديث النبوية من صفاء السماء، وسطوع القمر وشروق الشمس حمراء ضعيفة لا شعاع لها، وعدم وجود برد أو حر في تلك الليلة.

ولا زالت الفرصة تتكرر كل عام، ليخرج الملايين من المسلمين، يتقربون إلى الله تعالى بالدعاء والسلوك القويم، راغبين أن يتم الله عليهم الشهر الكريم بالنور والبركات، وأن يوثق العرى بين المسلمين في سائر أنحاء المعمورة، وهذا خير دعاء في خير ليلة من ليالي الزمان بأسره.

21