ليلة بكت فيها الأطلال

الأحد 2017/05/14
لوحة: شادي أبوسعدة

سألته الرحيل بصمت بعدما وضعت له بقية أشيائه بجوار الباب. أدرك قصدي فعاد متوعداً أنه لا يزال زوجي والد أبنائي، أشحت ببصري عنه حابسة دمعي بكبرياء كملكة نالتها هزيمة من عدوّ كان صديقا.

أغلق الباب خلفه، حبست نفسي في غرفتي بعيداً عن أبنائي الذين حاولوا مواساتي. مهما تأثروا بسبب زواج أبيهم إلا أنهم لن يشعروا مطلقا بإحساسي. رحت ألملم بقايا أشلاء روحي الممزقة من معركة خاسرة، وجنود أخذوني أسيرة بأسلحتهم، كانوا مجتمعين كلهم في صوتي. ليس عندي إلا لساني محامياً عنّي فقطعه لي، فأصبحت مشوّهة النبرات.

تأملت مليا فراشي الذي أمسي غريبا. فقد كان زوجا حبيبا، وأقرب الوجود إلى قلبي. مضت أيام كثيرة. وضعت رأسي على وسادتي وحيدة بشوق عودته، ولكنني الآن أتمنى موته. فكرت بمصابي، أهو أمر الله، أم خطأ مني؟ أم أنه غرور في نفسية الرجل يشعر دوما بشبابه مهما بلغ به العمر أنه فتيّ لم تهرمه تكاليف الدهر ولا كثرة الإنجاب، وتعب التربية، وعمل البيت. فكل الذي يفعله أن يقرا جريدته عند عودته إلى بيته، أو يتابع التلفاز، وأين ذهبت كرة فريقه، أو يسلّي نفسه صباحا في دوام مكتبه، وما بعد الظهر يجالس صحبه.

لم أتوقعه يوما أن يعقد مجلس خيانة لينفّذ معركة غادرة ضدي، فيخطب امرأة أخرى فقط لكونها أصغر مني. لماذا ألست امرأة صالحة لأمارس الحكم على قلبه؟ أو أن روحي أصبحت عرجاء تتكئ على عصا الماضي. لو كنت أعلم لجعلت من عصاي حكما متسلطا، وأغلقت عليه كل نوافذه. لكن الثقة التي منحتها له طعنت ظهري بخنجر صدئ. قالوا لي لا تثقي بالرجل دائما، وكما يقول المثل ” كل رأس دانيا تحته جني”.

أبيت التصديق وقلت كل الرجال نعم إلا زوجي. لا أعلم ماذا أسمّي جريمته، هل هي خيانة رغم أنها زواج، أم حلال رغم أنها قهر؟ احترت كثيرا، وبدأت أعاصير الماضي تلف رأسي منذ تزوجته حتى اللحظة التي أعلن فيها عن موتي.

بدأت الدنيا تدور بي ورأيت عقارب الساعة تسير مسرعة، وكأن الزمن أراد أن ينهي حياتي. ليته فعلا بهذه السرعة يقضى على روحي. لكن لست من هؤلاء البشر لأن ما يزال عندي موعد مع العذاب.

حملني مركب فراشي إلى بحر الظلمات، فتقاذفتني الأمواج وانكسر شراعي. تقلبت عليه أبحث عن الأمان، فوجدته يزيد من عذابي، من ذكريات يحملها كانت مفعمة بأمطار الشهوة. أريد تحطيمه. كسر عنقه أو اصطياد روحه. أريد أن أحيا بعيدة عنه لأنني أرى موتي يتراءى بين عينيه.

قمت من فراشي، فأخرجت صور فرحي أمزقها. أمسح كل خرائطي وسجلات تاريخي ومحو كل أثر له. أودّ نزعه من جسدي وتقطيع لمسات قبلاته عليه. لا اشتهيه بعد اليوم. لا أرغب به فلست محطة يقصدها كلما تعطل فراشه الآخر بضعة أيام من الشهر.

لذلك عاد، ولهذا السبب أعلنت رفضي من إصلاح ولو جزء بسيط من ميناء كياني. سأبقيه محطّما حتى يعدّل في قوانين شرائعه بين مدينتيه، فلا يبقيني مهجورة وقتا طويلا لقطّاع الطرق.. فالخيرات مصدرها واحد. لكن النعيم لها والأسى لبقايا أطلالي. جاء لي محبا والظلم في بحور مقلتيه، بعد أشهر من حبس افتراضي ألزمته على نفسي، فتحت له باب قبر حفره بيده لينسى ماضيا جمعنا ففرقنا في ليلة بكت فيها الأطلال.

كاتبة من اليمن

تنشر القصص بالتعاون مع "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

12