ليلة تاريخية في مقديشو مع أول عرض سينمائي منذ ثلاثة عقود

السينما نافذة أمل للصوماليين يطلون منها على الزمن الجميل.
الجمعة 2021/09/24
يمكن للسينما أن تصنع حياة أفضل

تتمحور وظيفة الأدب والفنون عموماً حول تقديم المتعة للجمهور. الأمر لا يقتصر على الأدب وحسب، بل يتجاوزه للفنون كلها، كالرسم والتمثيل والمسرح والسينما والنحت والرقص والموسيقى والغناء وغيرها. ولكن تتجاوز الفنون مسألة المتعة إلى أهداف أسمى وأكثر تأثيرا مثل تحقيق السلام والانفتاح ونبذ الفكر المتطرف وتحسين الحياة. وفي هذا التمشي تأتي إعادة افتتاح المسرح الوطني في مقديشو في محاولة لمداواة جراح المدينة التي عانت طويلا من الحرب والإرهاب.

مقديشو - تمكن سكان مقديشو مساء الأربعاء من الغوص مجددا في عالم الفن السابع بفضل أول عرض سينمائي في المدينة منذ ثلاثين عاما، في حدث ثقافي أقيم في ظل تدابير أمنية مشددة شهدتها العاصمة الصومالية المضطربة.

ويشهد تاريخ المسرح الوطني الصومالي الذي شُيّد كهدية من الزعيم الصيني ماو تسي تونغ سنة 1967، على عقود من الاضطرابات في هذا البلد الواقع في القرن الأفريقي.

عودة الأمل

شهد الموقع الذي استضاف العرض السينمائي بمناسبة إعادة افتتاحه، في الماضي هجمات انتحارية كما استخدمه زعماء حرب قاعدة لهم.

وكان مدير المسرح عبدالقادر عبدي يوسف أكد في وقت سابق أن هذا الحدث سيشكل “ليلة تاريخية لجميع الصوماليين”، مشيرا إلى أن المسرح الوطني الصومالي يسعى ليكون مساحة للتعبير للفنانين المحليين.

وعُرض مساء الأربعاء عملان صوماليان للمرة الأولى وهما فيلمان قصيران للمخرج إبراهيم سي أم بعنوان “هوس” و”دايت فروم هيل”.

وقد بلغ سعر تذكرة الدخول لهذا العرض عشرة دولارات، وهو سعر مرتفع للكثير من سكان مقديشو.

وخضع الحاضرون للتفتيش في نقاط عدة قبل بلوغ المسرح الواقع في منطقة خاضعة لحراسة مشددة في المدينة تضم خصوصا القصر الرئاسي ومقر البرلمان.

الصوماليون يحاولون تكريس السينما في خدمة التنوير في بلد عانى ومازال يعاني من تبعات الإرهاب والفكر المنغلق

وأفادت مصادر عدة بأن العرض أقيم من دون أي حوادث أمنية، وهو ما من شأنه أن يشجع على تقديم عروض أخرى.

وكانت مقديشو تحوي قاعات سينمائية كثيرة خلال عصرها الذهبي، لكن هذه المواقع أغلقت كلها أبوابها مع اندلاع الحرب الأهلية سنة 1991.

وقد أعاد المسرح الوطني الصومالي فتح أبوابه سنة 2012 بعد سنوات من الإهمال، لكنه دُمر بعد أسبوعين على يد مقاتلي حركة الشباب الصومالية المرتبطة بتنظيم القاعدة والتي تشن باستمرار هجمات في العاصمة الصومالية.

وبعد أعمال ترميم دقيقة، ترجع إعادة افتتاح المسرح إلى بال كثر ذكريات لأيام أكثر هناء في المدينة.

وأكد عثمان يوسف عثمان المولع بالسينما “في أيام الزمن الجميل، كنت معتادا على المجيء لمشاهدة حفلات ومسرحيات درامية وعروض لموسيقى البوب ورقصات فلكلورية وأفلام في المسرح الوطني، ويحزنني أن أرى مقديشو من دون الحياة الليلية التي كانت تزخر بها سابقا”.

لكنه قال “هذه بداية جيدة.. لم أكن لأفوّت هذا الحدث التاريخي الليلة”.

غير أن آخرين كانوا أكثر حذرا إذ أبدوا قلقا إزاء الوضع الأمني في المكان.

وقالت حكيمو محمد وهي أم لستة أبناء كانت من رواد المكان “الناس كانوا يخرجون ليلا ويبقون حتى ساعات متأخرة إذا ما أرادوا ذلك. لكني لا أظن أن المكان آمن جدا الآن”.

وقد أُخرج مقاتلو حركة الشباب من مقديشو قبل عشر سنوات، لكنهم لا يزالون يسيطرون على مناطق ريفية واسعة.

السينما والتنوير

Thumbnail

للسينما وظيفة تنويرية هامة، إذ يعتبر الفن الأكثر تأثيرا في العالم، ويتجاوز أن يكون مجرد سرد للحكايات، بل بات وسيلة تستغلها الدول في الترويج لأفكار معينة، ولنا في هوليوود والتعامل الأميركي معها خير مثال على ذلك.

وفي الوطن العربي أثبتت السينما رغم النقائص الكثيرة أنها قادرة على أن تكون أداة تنوير خاصة من خلال فضحها للسلفية الجهادية الدموية وللفكر المتطرف ونقدها له من جذوره وتعريته وكشف خفاياه للناس عبر أعمال سينمائية عديدة كان لها دور بارز في نبذ الانغلاق والتشجيع على دعم حرية المرأة، وفهم الأقليات، والعمل على تمازج المجتمع.

ورغم ما للسينما كأداة ثقافية من أهمية فإن الاهتمام بها مازال منقوصا في العالم العربي، فيما تعتبرها بلدان رائدة مثل أميركا بندا من بنود الأمن القومي.

ويقول الكاتب المصري حجاج أدول “السينما (الثقافة) أمن قومي، وهي أهم وأخطر من تركها بين يدي السينمائيين، تماما كما قيل إن الحرب أهم وأخطر من تركها بين يد العسكريين، كما عرفنا بعد سنوات طويلة من الجهل، أن الرياضة، وهي بند من بنود الثقافة، عرفنا أنها أهم وأخطر من تركها بين يد الرياضيين! فالرياضة ليست لهوا وتضييع وقت”.

ويأمل القائمون على المسرح الوطني الصومالي أن تعود المؤسسة لتقدم العروض السينمائية للجمهور المتعطش للفن السابع، وأن يكون السينما في خدمة التنوير في بلد عانى ومازال يعاني من تبعات الإرهاب والفكر المنغلق الذي يعادي الفنون ويهدد الحياة السوية وينبذ الاختلاف والتعايش، وهو ما يكافحه الصومال بكل السبل، والسينما أحدها.

14