ليلة.. خلف القضبان

ما الذي يمكن أن تضفيه تجربة تقييد الحرية وما قد تسببه من ضغط نفسي وعصبي وشعور مرير بالوحدة؟
السبت 2018/04/14
السجن الفندقي

يمكنك أن تصبح سجينا من دون أن ترتكب أي مخالفة، حتى لو كانت رمي النفايات في الشارع مثلاً أو تجاوزا مروريا بسيطا، كل ما هو مطلوب مبلغ مالي لا يتجاوز 75 جنيها إسترلينيا لا غير!

هذا العرض السياحي الغريب يستطيع أن يستمتع به أي مواطن حسن السيرة والسلوك، لقضاء ليلة واحدة خلف القضبان في مخزن تم تحويره إلى نزل فندقي المواصفات، وفي الوقت ذاته، يتوافر على كافة مستلزمات السجون التقليدية من غرف كئيبة أشبه بالزنزانات، أرضيات من حجر، سلاسل حديد، قضبان، مساحات مكتومة لا تستوعب إلا أنفاس محدودة، رفوف ضيقة لا تستقبل سوى بضعة كتب وسجل مذكرات وأصيصة نبات شوكي مع أكواب من الصفيح لشرب الماء.

وفي زاوية يتيمة يقبع براد تقليدي لصنع الشاي والقهوة، ثم أدوات مطبخ تتدلى من السقف مع ضوء ليلي خافت، أما الأبواب فهي نسخة مطابقة للأصل تماماً؛ باب حديدي صدئ بمفتاح كبير تتوسطه نافذة بقضبان وأقفال تهديك أصوات حشرجة لدى احتكاكها، كما أن الجدران مزينة بواجهات زجاجية لعرض الأقفال والأصفاد وأزياء السجن.

تقول مالكة النزل – السجن “لقد صنعنا نموذجاً متكاملاً من الفخامة والفرادة، هذا هو الاختيار المناسب لكل من يبحث عن مكان غير تقليدي يقضي فيه إجازة مريحة”!

أستطيع أن أتفهم الفكرة عندما يذهب الناس إلى مدن الألعاب الكبيرة ليهدروا أموالهم من أجل تجربة مثيرة لركوب لعبة قطار الموت أو لدخول كهف الرعب، توفر لهم الفرصة لاختبار لحظات انزعاج مجانية وربما لرج أحشائهم قليلاً بعد تناول وجبة طعام خفيفة، ليستمتعوا بعدها بلحظات خوف تتسابق فيها ضربات القلب مع سيول القيء التي تلي أو تتخلل التجربة، من دون سبب مقنع، لكن، ما الذي يمكن أن تضفيه لهم تجربة تقييد الحرية وما قد تسببه من ضغط نفسي وعصبي وشعور مرير بالوحدة؟

ولأن السجن الفندقي في مقاطعة كينت البريطانية، حصد وسيحصد إقبال عدد لا بأس به من الفضوليين، فإن السؤال المهم هنا؛ لماذا يبحث الناس عن المتعة في تعذيب أنفسهم بهذه الطريقة؟

التجربة ليست الأولى من نوعها، إلا أنها تختلف في تفاصيلها عن معظم التجارب المشابهة في العالم حيث تطلب الأمر في السابق قليلاً من الجهد والخيال، لتحويل سجون حقيقية إلى فنادق فخمة، مع إجراء بعض التحويرات والتجديدات لجعلها مناسبة للدور الجديد الذي ينتظرها، فهناك فنادق في هولندا، ألمانيا، فنلندا، تركيا، كندا، الولايات المتحدة وغيرها، كانت تعدّ مراكز إصلاحية في الماضي تحولت إلى مشاريع سياحية فاخرة مستغلة دورها القديم كأماكن مرعبة، بعضها كانت ترتكب فيها أفظع الجرائم بحق السجناء كما لم يخلُ بعضها من آثار لساحات أو غرف كانت تنفد فيها أحكام إعدام.

أما في هذا النزل فقد اختلف الأمر كثيراً، حيث أن المبنى في الأساس لم يكن سجناً بل مجرد مخزن في مبنى قديم تم تطويره و(تأثيثه) بأكسسوارات السجون، ليحقق الرفاهية لزواره ويمنحهم الفرصة لخوض مغامرة استثنائية، مغامرة لا يمكن أن تتوافر في بلاد تحسب لحرية أفرادها أيما حساب وتحنو على الخارجين عن القانون فيها كما تحنو الأم الرؤوم على صغيرها العاق، علّه يثوب إلى رشده ويعود إلى صفوف المواطنين الصالحين، الذين يقضون عطلة نهاية الأسبوع في سجون افتراضية تجمع بين الفرادة والفخامة والإثارة!

21