ليلة فرح

الاثنين 2015/01/05

أطفئت الأنوار وتوقفت الأنفاس، وعبثت الأيادي بنتائج العام الفارط المعلقة على الحيطان تمزقها قبل أن يلهث العقرب العجوز ملتصقا بأخيه الأصغر نحو الدقائق الأولى من العام الجديد وسط احتفالات صاخبة، وألعاب نارية ملونة أضاءت ليل القاهرة في أجواء احتفالية رائعة.

وتعددت مظاهر الاحتفال بين سيارة فارهة يقودها شاب في العقد الثاني من عمره متجها صحبة أصدقائه إلى ساقية الصاوي الثقافية للاستمتاع بغناء “الكينغ” محمد منير، وإمرأة أربعينية تجملت وأسرتها لاستقبال الزائر الجديد على أنغام راغب علامة.

ولم يحرم الفقر البعض من ممارسة مظاهر الاحتفال في نزهة نيلية مستمتعين “بالذرة المشوية” وكوب الحمص الساخن، وعمال تجمعوا في مقهى للاحتفال أمام شاشة التلفزيون. وأكثر ما أسعدني هو حارس العقار الطيب الذي يسكن غرفة صغيرة أسفل السلم ولكنها مملوءة بهجة ودفئاعائليا صنعه تجمع الأقارب حول “البطة السمينة” التي أشبعتها زوجته “تزغيطا” لمدة طويلة لتقدمها قربانا للسعادة ولمة الأهل في هذه اللحظات التي يغلفها المرح.

وكذلك جنون الفتاة فرح (طبيبة الأسنان) التي قررت مع خطيبها المهندس الشاب أن تكون ليلة العمر احتفالية مختلفة عن كل حفلات الأعراس التي حضرتها من قبل، عاقدة العزم على أن تستقبل حياتها الجديدة وسط مصريين يستقبلون عامهم الجديد، وأن يكون حفل زفافها مصحوباً بدعوى عامة موجهة للجميع، لا تختص أحدا ولا تستثني أحدا،هاربة من ضيق قاعات الأفراح محددة العدد باهظة التكاليف إلى فضاء الشارع الكبير.

واجهت فرح رفضا عائليا لم يلن إلا بعد محاولات مضنية كانت في حقيقتها صراعا أبديا بين جيلين، أحدهما لا يرى غير الزواج التقليدي ومراسمه المخطط لها بدقة وعناية كأنها خارطة طريق لا ينبغي أن نحيد عنها أو كونها مراسم وطقوسا لها قدسية العبادة من يخرج عليها فهو ليس “ولد ناس”، وبين جيل آخر يعترف بجنونه ويتمسك به ويراه طبيعة مرحلة ونتيجة منطقية للتطور الاجتماعي.

وانتصرت فرح وخطيبها الشاب على التقاليد، وأقاما ليلة عرسهما في غاية الجمال والروعة. حضرها مصريون خرجوا غير عابئين بتهديدات الظلاميين، وزفت فرح على عربة حنطور يجرها حصانان.

وأمام هذا المشهد الجميل وجدتني أسمع في خيالي صوت الساحرة فيروز تشدو: “رزق الله ع العربيات وع أيام العربيات” لكن أهم ما جنته فرح في ليلة عرسها أنها أدخلت السعادة على سكان الشارع في ليلة رأس السنة دون أي ابتذال.

وأجمل ما رأيت في ليلة فرح هو تصالح أسرتين خلال الاحتفال، مودعين الأحقاد والخلافات ليعاهدوا الله على استقبال العام الجديد بقلوب صافية.

ما أحلاك يا فرح، ستظل ليلة عرسك محفورة في أذهان الجميع لأنها ألّفت بين قلوب متباينة في الثقافة والعقيدة والشريحة الاجتماعية، وأذابت الخلافات والأحقاد بين آخرين. فما أجمل أن يجتمع الناس حول الفرح، يستقبلون عامهم الجديد بفرحة وقلوب متجددة.

كل سنة ولياليكم فرح، والسعادة تغمر قلوبكم.

21