"ليلة قالمة" عودة الفرنسي الملعون نابشا في الجرح الجزائري

شكلت ثورة الجزائر التحريرية، في منتصف الخمسينات من القرن الماضي، محور العديد من الأعمال الأدبية وخصوصا تلك التي نقلت تفاصيل ظلت مجهولة على مدى العديد من السنوات. أعمال مازالت تنبش في الذاكرة وتعود بنا إلى سنوات عرفت خلالها الجزائر العديد من التقلبات والمآسي التي أثرت فيها، وألقت بظلالها إلى اليوم. والحقيقة أن تاريخ الجزائر الحديث مازال يثير الكثير من الحبر ويكتنفه الكثير من الغموض لما شهده من أحداث دموية ومعاناة ظلت تكتب إلى الآن بحجم الألم الذي عرفه الجزائريون إبّان الاستعمار الفرنسي الذي نددت به شعوب العالم وحتى الشعب الفرنسي ذاته.
السبت 2016/02/13
الصمت هو ما أفضله في النهاية

منذ أزيد من عقد، يعيش الكاتب الفرنسي الكبير رينيه فيكتور بلهاس المولود عام 1934 آلام الشيخوخة وأوجاعها مثل “خنزير جريح” كما يحب أن يقول، ويتردد على طبيبه الخاص لعلاج سرطان البروستات الذي أصيب به قبل ست عشرة سنة، وهو يتكلم بصعوبة، ولا يستقبل أصدقاءه النادرين إلاّ في أوقات قليلة ومحدودة.

رواية حقيقية

في مطلع العام الحالي (2016)، وبعد 17 عاما من الصمت الإبداعي، أصدر رينيه فيكتور بلهاس رواية جديدة حملت عنوان “ليلة قالمة” (قالمة: مدينة جزائرية قريبة من الحدود التونسية)، وفيها اختار التكثيف والاختصار على طريقة ألبير كامو في “الغريب”، وفي “السقطة”، وقد أرادها أن تكون “وصيّته الأخيرة”، وتحية وداع لعالم الكتابة والأدب.

ويقول رينيه فيكتور بلهاس: ليس لديّ شعور بأنني أصدرت رواية، ولا بربط صلة جديدة بالأدب، بل لدي بالأحرى إحساس بأنني كائن ميت/ حي. ولا أحد يعلم بحالي راهنا، ولا بما أكتب. وباستثناء رواية “الملعون”، ليس هناك في المكتبات أيّ كتاب آخر لي. وربما يعود ذلك إلى أنني أصبحت لدى القراء من ضمن الكتّاب الذين لا يثيرون أيّ اهتمام. والحقيقة أنه لم يعد لديّ ما أقول. وليست لي أي رغبة في الكتابة. الصمت هو ما أفضله في النهاية.

بطل رواية “ليلة قالمة”، قسّ كان مرشدا عسكريّا في الجزائر. وفي الأيام الأخيرة من حياته، يستعيد ذكرياته مع الضابط جان ميشال لوتيي الذي جرح أكثر من مرة في المعارك، ثم توفي في المستشفى متأثرا بجراحه عام 1961. وكان هذا الضابط من “الأرجل السوداء” قد درس في أحد المعاهد بمدينة تولوز. وفي عام 1953 التقى في السجن بالمناضل الوطني الجزائري عبان رمضان الذي سيقوم في ما بعد بإعداد أول دستور للثورة الجزائرية في جبال الأوراس.

رواية اختار فيها بلهاس التكثيف والاختصار على طريقة كامو في(الغريب)، وأرادها أن تكون وصيته الأخيرة

بعد أربع سنوات، يصبح لوتيي ضابطا فرنسيا يقوم بدوريات في منطقة قالمة، فوجد رمضان وهو في طريق الهرب إلى المغرب. وجد لوتيي نفسه وجها لوجه في لقاء مثير بين أسطورة الثورة الجزائرية والشاب الملتحق حديثا بالجيش الفرنسي، وهذا يتضمن في حدّ ذاته أوجه الصراع والتعقيدات في العلاقات بين الجزائريين والفرنسيين وقضايا الحرب الوطنية ومفارقات التاريخ الاستعماري.

وعند انـــدلاع الحــرب التحريرية الجزائرية تعرف الضابط المذكور على عبان رمضان في ما يسمى بالجزائر وتونس بـ“المشتى” غير أنه لم يرغب في إلقاء القبض عليه. وفي ما بعد سوف يحزن عندما يعلم أن رفاقه في جبهة التحرير الجزائرية قاموا بقتله غدرا وذلك عام 1957.

يقول رينيه فيكتور بلهاس: لم أختلق أيّ شيء في هذه الرواية. فعندما كنت ضابطا في الجيش الفرنسي خلال الحرب الجزائرية، شاع خبر يقول بأن أحد الضباط تعرف على عبان رمضان أثناء فراره إلى المغرب، ولم يشأ القبض عليه. والحقيقة أن عبان رمضان لم يكن يرغب في الكفاح المسلح، مخيرا النضال السلمي عن طريق منظمة الأمم المتحدة. لذلك اغتاله رفاقه لأنه كان يقول لهم “الثورة الحقيقية تتم بالعقل ليس بالبندقية”.

العنف والرأسمالية

ينتسب رينيه فيكتور بلهاس إلى عائلة مرموقة من جنوب غربيّ فرنسا. ولأنه ابن غير شرعي، فقد تكفلت جدته بتربيته، مانحة إياه مبكرا فرصة اكتشاف كبار الكتاب والفلاسفة. وفي سنوات شبابه، التحق بالجيش الفرنسي ليعيش تجربة الحرب الجزائرية المريرة التي ستظل أحداثها الأليمة راسخة في ذاكرته. لذلك ستحضر في ما بعد في أغلب ما كتب من روايات. وفي مطلع الستينات من القرن الماضي، عمل في الطيران المدني الفرنسي، مكلفا بالدعاية والإعلانات.

قصة لقاء بين ضابط فرنسي وأسطورة الثورة الجزائرية

وفي هذه الفترة، شرع في الكتابة ليصدر وهو في الثلاثين من عمره رواية بعنوان “لاروهباب”، وفيها يستعيد البعض من ذكرياته عن الحرب الجزائرية. وبعدها أصدر روايته الثانية التي حملت عنوان “الملعون”، محققة له شهرة عالمية واسعة، ومتيحة له فرصة التفرغ الكامل للكتابة.

وفي هذه الرواية التي أحرزت على جائزة “ميديسيس” الرفيعة، وأيضا على جائزة “فيمينا”، يروي أحداثا غريبة تجري في شركة أميركية متعددة الجنسيات تسمى “روتسيري آند ميشال”. ولهذه الشركة فروع في جميع أنحاء العالم. وهي مثال للشركات متعددة الجنسيات التي لا تتردد في استعمال العنف ضد كل من يسعى إلى مزاحمتها، أو التصدي لمخططاتها الجهنميّة. كما أنها ترمز لكلّ ما يتصل بجنون الربح، ودكتاتورية الليبرالية المتوحشة.

وفي الفرع الفرنسي لهذه الشركة، يقوم مجهول بألاعيب، وابتكار حيل شيطانية تدخل الرعب في قلوب المسؤولين عنها فلا يتمكنون من التعرف عليه.

وقد اعتبر النقاد الرواية المذكورة وثيقة هامة حول الوجه البشع للرأسمالية بعد الحرب العالمية الأولى مباشرة بالأزمات التي سيتعرض لها الاقتصاد العالمي في فترات مختلفة. وفي روايتيه “بومبي”، و“الوسيطة”، يتطرق رينيه فيكتور بلهاس إلى توسع الإرهاب، وتفشي العنف في المجتمعات الرأسمالية التي ظهرت فيها تنظيمات يسارية معادية للأنظمة الليبرالية مثلما هو حال “الكتائب الحمراء” في إيطاليا، و”بادر ماينهوف” في ألمانيا في السبعينات من القرن الماضي. وفي رواية “لاجوسكيام”، يروي قصة صحافي على أبواب التقاعد يجد نفسه مجبرا على ملاحقة رجل مجهول يتحاور مع الموتى في المقابر.

16