ليلة "مفترجة"

في قريتي الصغيرة، في أقصى أطراف الدلتا، قبيل التقاء النيل بالبحر، كان البسطاء يبحثون عن الفرحة فيبسطون قلوبهم لها.
الأربعاء 2018/06/13
طعم الفرحة قد تلاشى ولم يعد بذات الحميمية التي عشناها صغارا

ساعات قليلة وتنتهي هوجة “سي رمضان” بكل ما فيها من تناقضات.. ساعات فقط وتعود حياة الأوس والخزرج وبني قينقاع وبني قريظة إلى طبيعتها.

دعك من القبلات والأحضان والتهاني الحارة بـ”العيد السعيد” كما نردّد، فهذه قد انتهت نسبيا إلى حد كبير، وحلت علينا رياح العولمة الجديدة بتجلياتها المتشابكة، وتقنياتها المتعددة على طريقة صلوا الأرحام ولو بـMessage، أو تكتفي باتصال هاتفي من قبيل أداء الواجب وقد لا يجد ردا فيحمد المتصل الله لأن من اتصل به قد وفّر عليه قيمة المكالمة، أو بزيارة عابرة اضطراريا تحمل من البرودة ما لا يكفي لتلطيف حرارة الطقس أو المشاعر.

طعم الفرحة قد تلاشى ولم يعد بذات الحميمية التي عشناها صغارا، وحُرمنا من ثمارها كبارا، فبات معظمنا يضطر إلى العودة إلى الماضي ربما يجد فيه ما يسدّ مواجعه، أو يعيد إليه ضحكة رسمتها الشفاه بعفوية فاستقرّت في القلوب المتعبة، وكان على من هم مثلي أن يسمعوا كلام “زعران” آخر زمن.. فلا يملكون إلا التحسّر على من لا يعرف “قيمة”، أو لا يدرك “أصلا” فينسلخ من هويّته.

في قريتي الصغيرة، في أقصى أطراف الدلتا، قبيل التقاء النيل بالبحر، كان البسطاء يبحثون عن الفرحة فيبسطون قلوبهم لها، وعلى أضواء قنديل صغير، حيث لم تكن هناك كهرباء بعد، كان التجمع في الساحة بعد العشاء حول سيجارة “لف” ومذياع يبث أغاني العيد، وبينما يتحسر المعلم أركان حرب فراج الطحاوي، مسحراتي القرية على أيام رمضان، كان يمني النفس بما تجود به النفوس كعيدية ومكافأة على صوت “صفيحته” التي ينقر عليها ليلا لإيقاظ الناس للسحور.

أذكر أن القرويين البسطاء المهووسين بـ”الأعمال”، وهي نوع من السحر والدجل، اجتمعوا على رفض ابتزاز علي أفندي لهم، وقد كان مدرسا امتهن فك الأعمال والربط بعد تقاعده، وقرروا عدم الخضوع له، وليلة العيد انصرف كل منهم لممارسة حقوقه الشرعية كنوع من “العيدية” المعتادة في هذه المناسبات، واكتشفوا أنهم “مربوطون” وعاجزون تماما، فهرولوا كل يضع ذيل جلابيته بين أسنانه غيظا يبحثون عنه لترضيته، ويسأل كل منهم الآخر بخجل: ألم تر علي أفندي؟ دون أن يفصح له عن السبب.

أخيرا توصلوا إليه منزويا هربا أسفل شجرة على الترعة، فانهالوا يقبّلون يديه ويسترضونه بأغلظ الأيمان، وكل يضع بين يديه ما يجود به.. فوضع خيطا على الأرض كان قد ألقى عليه تعويذته، ومن يدفع يتخطى الخيط، وهو يتمتم “يا لله يا أولاد الكلب.. عالم ما تجيش إلا بالتهزيء”.. وأي تهزؤ خاصة في ليلة “مفترجة” وأمام النساء؟

24