ليلة واحدة على كرسي الرئيس

السبت 2016/11/19

وهذا حلمٌ مكرورٌ لا أُحبّهُ، لكنه يزورني كلّ سنةٍ مرة، مثل كابوسٍ ينصنع بعد أوشال سهرة تُجهزُ فيها على صينية كوارع ورأس بصلٍ عظيم، وساعةَ تيمّمُ وجهك النعسان صوب المغسلة لتخليص يديك من دهنٍ ومن زفرٍ، تكون شاشة التلفزيون المعلقة بباب المرحاض، قد رسمت قدامك صورة وصوت الولد الأعبس عباس البياتي.

كان الحلم مستعجلاً بخيلاً صرتُ فيه رئيس جمهورية لليلة واحدة. كنت جالساً في القصر الجمهوريّ بملابس النوم، أنصت إلى المذهلة أُم كلثوم، وقد تأثثت مائدتي بزجاجة عرقٍ عراقيٍّ رائحته تدوّخ حصان الشورجة وتبطحه أرضاً، حتى دخلتْ عليّ ثلة من الجند المخلصين، وطلبوا مني الهروب لأنّ انقلاباً ناجحاً قد وقع ضدَّي. قلت لهم كيف حدث هذا وأنا في ليلتي الأولى على العرش، لكنهم لم يجيبوا، بل قدموا لي ملابس وحقيبة وأخرجوني من المكان حيث سيارة مموهة كانت هناك.

أفلتُّ نفسي منهم وعدت إلى القصر وحملت مكبرة صوتٍ وارتقيتُ فوق السطح، فانفتح أمامي ساحل أبي نواس الجميل ببغداد العليلة. كان مضيئاً كأنه نهار، ومحتشداً بجموعٍ كلها تصيح وتدبك وتغنّي: ارحل ارحل ارحل. قلت لهم أيها الناس كيف تطلبون مني الرحيل، ومكاتيبكم إليّ ما زال حبرها لم يجف، أنْ تعال واحكمنا بالعدل. زاد عياطهم وردوا عليّ بمطرة رصاصٍ وهلهولة هاونات نامت إحدى شظاياها بيميني، فحوّلتُ السمّاعة إلى شمالي، وصحتُ بهم ستندمون وحقكم، وسيأتيكم من بعدي جزّارٌ خبلٌ يسبي نساءكم ويقتل أطفالكم وينهب مالكم، فضجّ الحشد بسمفونية عفاطٍ وضحكٍ وطلقةٍ حارةٍ انزرعتْ بمعدتي.

جنديٌّ وحيدٌ ببندقية عتيقة وقف خلفي وهو يبكي ويتوسلني الهبوط من على سطح القصر المحترق. قلت له اذهب أيها النبيل العزيز إلى زوجك وعيالك، إني ها هنا قائمٌ على قتال الحجة والبرهان علّ الناس تعقل وتهجع وتهتدي. قال الولد الشريف والله لن أتركك حتى يختلط دمي بدمك الطاهر، واعلم أن القوم قد غدروا بك وأهدروا دمك ودمعك وحرفك، بعد أن ملأ الخائن الكبير جيوبهم ذهباً وقلوبهم رعباً. في تلك اللحظة الموجعة، جبنتُ وناديتُ الجمع أنني مسامحكم على ما فعلتموه بي الليلةَ، وأشتهي أن أعود بما تبقى من دمي إلى أهلي وبيتي الدافئ الرحيم. ضحك المجانين المجاذيب بقوة وقالوا انزل فأنت لست بموضع ما تريد وتشتهي.

على رنين هذا المقطع من الملهاة، أخرجتُ من جيبي صورة الولدين البديعين نواس وعلي الثاني ولوّحت بها صوب الثائرين، فصاح بي كبيرهم الذي أرضعهم الخيانة أن اخرج إلينا كي نتلذذ بسحلك، ونعلّقك فوق كانون حطبٍ مثل جهنم، فتصير نصاً مكتوباً تحفظه الناس من بعد كمال حفلة شواء جسدك. لملمتُ نفسي على نفسي ووقفت على طولي والجندي الوحيد ما زال بظهري، فجاءتني طلقة عارمة استقرت بفمي، وقبل أنْ يتهاوى جسمي المثخن بالطعنات، رششتُ على الثائرين بصقةَ دمٍ عملاقة، فصارت بغداد كلّها طوفاناً أحمرَ، لا نوحَ فيها نبياً ولا سفينة نجاة.

24