ليلى حاتمي صورة إيران بين الولي الفقيه والسينما

السبت 2014/05/10
حاتمي مسكونة برهاب الحجاب

لم تنصفها بلادها بعد، وهُددت سابقا بمنعها من السفر لأن “حجابها ليس كاملا” ولأنها “صافحت الرجال” في مهرجان كرّمها خارج إيران، لكن العالم أنصفها بحصولها على جوائز من مهرجانات دولية، وزاد في تكريمها، ربما لإزعاج الدينيين الذين طالما انتقدوا مشاركة الإيرانيين في المهرجانات الدولية وشككوا في غاياتها؛ وتمّ اختيارها، الاثنين، لتكون ضمن هيئة تحكيم مهرجان كان في قسم المسابقة الدولية وهو أهمّ أركان فعاليات المهرجان، لأنها فنانة موهوبة بالفطرة، تحب التمثيل وتحب بلادها والسينما الإيرانية التي “تشهد تحولا جذريا إذ لا نرى أدوارا غير طبيعة أو مصطنعة”، على حدّ قولها.

لا تريد “ليلى حاتمي” أن تثير غضب الحاكمين الدينيين في بلادها، كما لا تريد أن تكرر تجربة أمها ولا زميلات لها يقول عنهن المعترضون (الدينيون) إنهن يتسكعن على أبواب المهرجانات العالمية؛ فهي إذن لا تريد أن تقضي حياتها تبحث عن دور ثانوي أو حتى أساسي في فيلم أجنبي، يعرّي الجوانب السلبية فقط، من إيران.

غير أن إشادة الإعلام الإيراني الرسمي بشكل غير مسبوق بمهرجان “كان”، وتقديمه بعد اختيارها ضمن هيئة التحكيم على أنه “أحد أهم المهرجانات السينمائية عبر العالم ويرجع تأسيسه إلى سنة 1939 وهو يقام كل عام عادة في شهر مايو، بمدينة كان جنوب فرنسا”، تشير إلى أنها ستحضر بالفعل إلى المهرجان لترفع اسم بلادها عاليا في عهد “التدبير والأمل والاعتدال”!..

صحيح أن “ليلى حاتمي” سبقتها في التعيين ضمن هيئة تحكيم دولية، الفنانة الإيرانية الشابة “ترانة عليدوستي” التي انضمت إلى أعضاء لجنة تحكيم مهرجان “وزول” الفرنسي الدولي للأفلام، والذي أقيم في الفترة من 11 وحتى 18 من شهر فبراير الماضي، لكن مهرجان “كان” يظل سحره يخطف ألباب حتى “الدينيين” المتشددين.


ليلى والفن


هي”ليلى حاتمي” ويكتب الإيرانيون اسمها “ليلا”.. ممثلة سينما حصدت جوائز من مهرجانات دولية وكادت بلادها تحرمها من مواصلة التمثيل كما فعلت مع أمها التي اشتهرت بأفلام الإغراء والإثارة، وحرمت كذلك فنانات أخريات من السفر بحجة مخالفتهن الصريحة لأصول ومعايير الحجاب الإسلامي المفروض في الجمهورية الإسلامية.

ليلى حاتمي تحاول من خلال السينما عكس الواقع الإيراني كما هو، دون رتوش أو تزييف، ولكنها لا ترتاح للقيود (لأن الفن لا يتنفس داخل السجن، ولا ينطلق وهو مقيد بالأغلال)

وهي مولودة في الأول من أكتوبر 1972 وتقول عن نفسها إنها ولدت هكذا من بطن أمها ممثلة مبدعة، لأنها الابنة الوحيدة للمخرج المشهور “علي حاتمي” الذي أثرى الفن الإيراني بروائعه المميزة أبرزها “العندليب” ومسلسل “هزاردستان”، ولممثلة الإغراء “زري خوشكام” (التي غيّرت اسمها بعد الثورة الإسلامية إلى زهرا حاتمي خشية ملاحقتها من قبل اللجان الثورية الإسلامية)، ومتزوجة من الممثل والمخرج “علي مصفا” منذ سنة 1999 وكان زميلها في طاقم فيلم “ليلى”، وشاركت في فيلم من إخراجه “سیماى زنى در دور دست” “تصویر امراة من بعید” 2003، وهي تدير معه بنجاح، رغم الظروف الصعبة التي تواجه السينما الإيرانية، إحدى دور العرض بطهران، التي ورثتها عن والدها الذي كان يديرها قبل 17 عاما، وحول ذلك تقول حاتمي: “أحاول أن أعطي فكرة مختلفة عن مفهوم السينما والمقاهي التي للأسف فقدت روادها ومفاهيمها التقليدية العريقة”.

أكملت ليلى المدرسة الثانوية في إيران ثم انتقلت إلى لوزان بسويسرا، وبدأت دراستها في الهندسة الكهربائية بمدرسة الفنون التطبيقية الاتحادية بلوزان (EPFL). وبعد عامين غيرت دراستها إلى الأدب الفرنسي. وأتمّت دراستها في اللغة الفرنسية خلال بضع سنوات، قبل أن تعود إلى إيران للبقاء إلى جانب والدها المريض قبل رحيله في الخامس من ديسمبر عام 1995، وكانت بدايتها مع التمثيل في العام 1984 عندما مثلت دور مرحلة طفولة الرسام الإیراني “کمال الملك” في فیلم یحمل اسمه ومن إخراج والدها.

وبعد توقفها عدة سنوات، قررت الاستمرار في دراستها بسويسرا، وقامت بأول أدوارها كممثلة محترفة في فيلم “ليلا” (ليلى)، من إخراج درويش مهرجوي. وقد نال أداؤها في هذا الفيلم استحسان النقاد والجماهير، وحازت عن دورها في الفیلم جائزة أفضل ممثلة في مهرجان فجر السینمائي في نسخته الـ15، عام 1996.


فنانة ناعمة


لا ترغب “ليلى حاتمي” في مجرّد التفكير بأن مصيرها سيكون يوما مثل فنانات إيرانيات منعن من السفر بسبب “عدم الالتزام بالقيم” أو أن تضطرّ للسفر ثم تمنع من العودة لنفس السبب لأنها تعتقد أن نجاح السينما الإيرانية وتألقها لن يكونا إلا في الداخل..

تملك شخصية ناعمة هادئة مسالمة ولا تتعمدّ استفزاز مشاعر “الدينيين” ولا تمارس نشاطا يزعج حكومة بلادها وتقول إن أنظار الغرب المعجب بالسينما الإيرانية تجذبها فقط هذه السينما، عندما تعمل في الداخل لتعكس الواقع كما هو دون رتوش أو تزييف. لكنها بالتأكيد لا ترتاح للقيود “لأن الفن لا يتنفس داخل السجن، ولا ينطلق وهو مقيّد بالأغلال”.

كانت بدايتها مع التمثيل في العام 1984 عندما مثلت دور مرحلة طفولة الرسام الإیراني (کمال الملك) في فیلم یحمل اسمه ومن إخراج والدها

في كارلوفي فاري، وفي كل ظهور عام أمام الناس، لم يفارق غطاء الرأس “ليلى حاتمي”، وكانت قد تخلت أيضا طواعية كما صرحت عن الماكياج الذي أثار حفيظة بعضهم خلال تواجدها في “كان” العام الماضي، دون أن تفقد شيئا من جمال وجهها وبراءته. إلا أنها انتُقدت صراحة من قبل نائب رئيس الشرطة في إيران بهمن كاركر بعد ظهورها في مهرجان “كان” في الربيع الماضي، لأنها صافحت الرجال. كما تناقلت الشاشات صورها قبل ذلك وهي تضع ماكياجا ظاهرا وعنقها بارز، وتساءل المسؤول في الشرطة الإيرانية بامتعاض “أين هذا السلوك من ثورتنا”؟!..


لا للسياسة!


على موقعها الألكتروني الشخصي تبرز الممثلة الشابة موقفها الرافض بكل وضوح لخلط الفن بالسياسة، وتدعو إلى تجنب اتخاذ مواقف سياسية باسم الفن لكنها لاتخفي دعمها الأكيد لكل الفنانين الذين يتعرضون للقمع وتفرض عليهم ضغوطا بسبب مواقفهم السياسية وتبرر ذلك بأنها لا تريد أيّة مجابهة تحرمها من ربوع الوطن أو تسجنها داخل حدوده… ويكتب عنها بعض محبيها “إن وجهها الطفولي ونعومتها الزائدة لا يضعاننا أمام ممثلة ثائرة… إنما ممثلة بالفطرة تؤمن بالفن… والفن فقط” ويشيرون إلى أن “ليلى حاتمي” تخلت عن دراستها الأكاديمية في هندسة الكهرباء لعامين في سويسرا ثم الأدب الفرنسي الحديث، لتمتهن التمثيل وليصبح التمثيل والفن قوتها اليومي.

ينقل مقربون منها إنها ترتجف كلما تتذكر أن السلطات منعت ممثلات مثل فاطمة معتمد أريا من مغادرة إيران لظهورها في مهرجانات دولية مكشوفة الرأس، لكنها تشعر أيضا بالطمأنينة لأن فاطمة معتمد آريا معروفة بنشاطها السياسي ودعمها الصريح للمرشح الرئاسي المعترض مير حسين موسوي، بينما هي لا تتدخل في السياسة!

وحتى أنموذج “غولشيفته فراهاني” التي منعت من العودة إلى البلاد، لا يماثلها في شيء، لأن “غولشيفته فراهاني” ظهرت في الفيلم الهوليوودي “متن الأكاذيب” مع ليوناردو دي كابريو شبه سافرة عام 2008، ممّا أدّى إلى منعها من السفر إلى الخارج بعد عودتها إلى إيران، قبل أن يُسمح لها بمغادرة البلاد من جديد، فما كان منها إلا أن أطلت في مجلة “لوفيغارو” الفرنسية عارية احتجاجا على القيود الإيرانية التي تُفرض على المرأة، ما حدا بالسلطات الإيرانية إلى إعلامها بأنها شخص غير مرغوب فيه بطهران، أما هي فإنها لم تفعل كل ذلك!..


جوائز أنصفتها!


حصلت “ليلى حاتمي” علی أولى جوائزها العالمیة عام 2002 من مهرجان مونتریال في كندا عن دورها في فيلم “ایستكاه متروك” “المحطة المتروكة” للمخرج علي رضا رئیسیان 2000 - 2001.

تقول عن نفسها إنها ولدت هكذا من بطن أمها ممثلة مبدعة، لأنها الابنة الوحيدة للمخرج المشهور (علي حاتمي) الذي أثرى الفن الإيراني بروائعه المميزة وأبرزها (العندليب) ومسلسل (هزاردستان)، ولممثلة الإغراء (زري خوشكام) التي غيرت اسمها بعد ثورة الخميني إلى زهراء حاتمي

ونالت ميدالية الأدب والثقافة الفرنسية “وسام فارس”، سلمتها لها السفارة الفرنسية في طهران. وحازت جائزة الدب الذهبي كأفضل ممثلة في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم “انفصال نادر وسمين” الذي لاقى استحسانا وإقبالا كبيرين. وحصدت “ليلى حاتمي” جائزة أفضل ممثلة في مهرجان كارلوفي فاري بالتشيك، عن دورها في فيلم “الخطوة الأخيرة” للمخرج زوجها علي مصفا.

وتسلمت كما هو واضح جائزة أفضل ممثلة في مهرجان فجر السینمائي، النسخة 15، عن دورها في فیلم لیلى، وجائزة أفضل ممثلة في حفل بیت السینما، النسخة الخامسة، عن دورها في فیلم “آب وآتش” “الماء والنار” عام 2001. وانتخبت کأفضل ممثلة من قبل المؤلفین والنقاد السینمائیین عن دورها في فیلم “الماء والنار” 2001.


الفن السابع


قدمت “ليلى حاتمي” العديد من الأفلام وكانت حريصة على أن لا تكرر تجربة أمها التي تهاجم حتى اليوم بسبب ظهورها عارية وتقديمها لقطات ساخنة جدا في أفلامها التي كانت تشارك فيها خصوصا فيلم “آدمك” أو “الرجل المزيف” الذي عرض عام 1971، ولا يزال يحرك ألسنة “الدينيين” ضدّها برغم ظهورها في مناسبات عامة رسمية عدة بالحجاب الإسلامي مع مسؤولين بارزين في النظام الإسلامي.


انفصال


“انفصال نادر وسمين” والمعروف اختصارا انفصال (بالفارسية: جدایی نادر از سیمین)، هو فيلم سينمائي إيراني عرض عام 2011 من تأليف وإخراج أصغر فرهادي وبطولة “ليلى حاتمي” وبیمان معادي وشهاب حسیني وساره بيات وسارينا فرهادي.

ترسم قصة الفيلم معاناة عائلة من المجتمع الإيراني والمشاکل التي یفرضها الواقع المعیشي والاجتماعي علی تلك العائلة في ظل الظروف التقلیدیة السائدة في إیران، من خلال زوجة تطلب الطلاق حتى تستطيع السفر والعيش في ظروف أفضل خارج إيران مقابل رفض زوجها، وتبدأ المعاناة بين الزوجين، عندما يتهم الزوج بدفع الخادمة التي تعمل في بيته والتسبب بإجهاضها.

حصل فيلم “انفصال نادر وسيمين” على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية عام 2012، كما ترشح لجائزة الأوسكار لأفضل سيناريو أصلي. وحصد الفيلم أيضا أكثر من 30 جائزة من مهرجانات متعددة، إلى جانب جائزة الدب الذهبي لأحسن فيلم في مهرجان برلين السينمائي الدولي، ويعدّ أول فيلم إيراني يحصل على جائزتين (من أوسكار أيضا). بالإضافة إلى جوائز الأداء التمثيلي في مهرجان برلين ذاته، فكان من نصيبه جائزة كل من البطل والبطلة وكذلك الدب الفضي؛ وحاز جوائز أيضا على صعيد المونتاج والتصوير وكذلك التأليف. وفي مهرجان أبوظبي السينمائي عام 2011، حصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة.

15