ليلى نصير فنانة تجريبية ترسم لوحاتها بخربشات أثرية

الجمعة 2015/03/27
لوحات ليلى نصير تنتصر للمرأة بعيدا عن النسوية

بيروت - تستضيف صالة “مارك هاشم” في بيروت حاليا معرضا استعاديا للفنانة السورية ليلى نصير، التي تعتبر واحدة من أهم رواد الفن التشكيلي السوري.

الفنانة التشكيلة السورية ليلى نصير من مواليد اللاذقية سنة 1941، تخرجت من كلية الفنون الجميلة في القاهرة، لتمرّ بعد ذلك بسلسلة من التجارب والاختبارات الفنية الواقعية والتعبيرية، والتعبيرية-التجريدية، والسوريالية، إلى جانب الطباعة، وصولا إلى التجريدية، حتى الدمج ما بين التشخيصية-التشكيلية والتجريدية في لوحات تستقي جمالياتها ومواضيعها من أساطير المنطقة من ناحية، ومن حالات الإنسان المنغمس في متاعبه وانشغالاته النفسية من ناحية أخرى.

لوحاتها المعروضة في صالة “مارك هاشم” تظهر للزائر استعمال الفنانة لمختلف المواد من أقلام الرصاص، والألوان الزيتية، والباستيل، والغواش والأكريليك. كل تلك التجارب تنتج نصا فنيا موحدا قادرا على الإشارة إليها دون غيرها من الفنانين.

اشتهرت الفنانة من خلال لوحاتها الفنية، غير أن اهتمامها الأسبق بفن النحت كان له بالغ الأثر في مسارها الفنيّ اللاحق، من حيث ضخامة الأشكال التي برعت في تشكيلها ونحت ملامحها، أو من حيث قدرتها الكبيرة على جعل سطح اللوحة الناعم يبدو وكأنه مخطط بتعاريج تحيل إلى ضربات إزميل متمكن.

سطح لوحة الفنانة محيّر، فهو ناعم ولكنه مشغول بطريقة يبدو فيها وكأنه مجتاح “بخربشات” أثرية، ولطخات ملونة متفتتة لها ملمس الرمل، وخشونة التراب والحصى، ما أضاف بعدا أسطوريا مضاعفا على أعمالها.

لوحاتها تفشي سرّ عشقها للنحت، والزهد اللوني في لوحاتها يشير إلى ذلك أيضا. ربما لو أكملت الفنانة مسارها في النحت عوضا عن الرسم، لكانت أعمالها ستبلغ مستوى قلّ نظيره في عالمنا العربي.

حالة الحمل في لوحات نصير مشغولة بشكل يجسد معنى العبء، والاستسلام إلى حمل لا يتوقع منه أن يفضي إلى ولادة

بدأت ليلى نصير بالعرض في فترة الستينات من القرن الفائت، وسجلت حضورا بارزا على الساحة الفنية منذ ذلك الحين، ونالت جوائز فنية قيّمة دعمت من دون شك مسيرتها الفنية.

اللافت أنه غالبا ما كان يشار ويركّز على حضور المرأة في أعمالها، وذلك حتى قبل تكريس هذا الحضور في لوحاتها منذ بداية الثمانينات من القرن الفائت. نادرا ما كان الدخول إلى أعمالها يتم من مدخل آخر غير ما يسمى “بالفن النسوي”، وهذا أمر فيه إجحاف في حق عملها وعمل سائر الفنانات العربيات.

من هنا تجدر الإشارة إلى أنه ليس هناك ما يسمى بالفن النسوي فعليا، إلاّ إذا افترضنا أن المرأة هي من كوكب آخر، ولا تنتمي إلى جنس الإنسانية.

لسنا هنا أمام أعمال “نسوية” بل أعمال “إنسانية”، حتى لو كانت الفنانة من اللواتي ثرن على المجتمع العربي-التقليدي، ودخلن إلى عالم الرجال من الباب العريض.

يذكر أن الفنانة في بداية حياتها الفنية كانت تدخل إلى مقاهي اللاذقية التي كان يحتكرها الرجال. تجلس معهم وتقوم برسم المارة بسرعة كبيرة. وثمة مقهى يحتفظ بكرسي لها هناك اعتادت الجلوس فيه منذ أكثر من 30 عاما.

المرأة في لوحتها المعروضة في صالة “مارك هاشم” لا تتبجح بالإشارة إلى أنوثتها أو أمومتها، (أغلب النساء في اللوحات حوامل)، بقدر إشارتها إلى الحالة الإنسانية المتردية التي تعبر عنها. حالة الحمل في اللوحات مشغولة بشكل يجسد معنى العبء، والاستسلام إلى حمل لا يتوقع منه أن يفضي إلى ولادة.

نصير عملت من خلال الترميز واستخدام الأضداد على تحويل الحلم إلى نوع من توجس إنساني يخفي وراءه خفر الحلم بمستقبل أفضل

عملت الفنانة من خلال الترميز واستخدام الأضداد على تحويل الحلم إلى نوع من توجس إنساني يخفي وراءه خفر الحلم بمستقبل أفضل. ويسلط المعرض المقام في بيروت الضوء على هذه المرحلة الفنية بالذات حيث الانصهار بين الأساطير وواقع الإنسان. يشار إلى أن غالبية المعروضات الفنية أنجزت قبل عشر سنوات وأكثر، أي إلى ما قبل انطلاق الثورة السورية بكثير.

ومع ذلك تبدو هذه الأعمال نوعا من التأريخ الفني لمرحلة إنسانية صعبة، عاش فيها الإنسان العربي بشكل عام والإنسان السوري بشكل خاص، تحت حكم الاستبدادوضيق العيش، خاصة في المناطق الزراعية بعيدا عن ضوضاء العاصمة.

قد يحلو للكثير من الزائرين النظر إلى تلك اللوحات على أنها تؤرخ لما قبل الثورة السورية، حين كان الألم والضغط النفسي هما سيدا الموقف. أكثر ما يعبر عن ذلك في لوحات ليلى نصير، هي العيون التي تعود إلى نساء حجريات يملكن عيونا أشبه ببحيرات تغص بدموع متجمدة لا تسيل.

لعل هذه القراءة لأعمال الفنانة، والتي يصعب تجنبها، تؤكد على أن أعمالها معاصرة، إذ يشترك المشاهد في صنعها واستنباط معانيها الخفية.

ليس خفيا على أحد أن “حيلة” إدخال الأساطير، أو استلهامها في الأعمال التي تتحدث عن الإنسان المعذب، هو نوع من الامتناع عن تسمية الأشياء بأسمائها، أو وضع الإصبع مباشرة على موقع الألم ومصدره، خاصة أننا في زمن استشهد فيه اللون الرمادي ليترك الأسود والأبيض في مواجهة مفتوحة ومصيرية.

ربما لذلك أيضا تبدو الأساطير في أعمال الفنانة عاجزة تماما عن سرقة الضوء، بعيدا عن الجرح الثاقب الذي يخترق أجسادا صلبة عايشت الألم واستبطنته كليا.

تقول ليلى نصير في إحدى المقابلات: عشت في الريف السوري، وبسبب عمل والدي نلت فرصة الانتقال بين الأرياف بكل فضاءاته، وأقمنا في “راجو” البلد الذي يغلب عليه القحط، والمدرسة التي تبعد مسافات طويلة عن منزلنا، ما جعلني أمشي على الرغم من الثلج والبرد، وألتقط في مشواري صور الأطفال الجياع والفقراء، وهذا ما أعطاني تأملا خاصا لهذا القطاع الكبير من حولي، كمحاولة لتفهم الواقع الذي نعيش فيه، والبحث عن الجوهر وراء تلك الوجوه والحوادث.

لا عجب في أن تطلق ليلى نصير على ذاتها لقب “فنانة التجربة”، لأن معاينتها للألم الإنساني سبقت تجربتها الفنية، وكان لها الفضل في بلورتها ورفدها بكل تلك الشفافية الخاصة التي تتمتع بها.

17