"ليل خارجي" مصري ينافس على الهرم الذهبي في مهرجان القاهرة

سيناريو فيلم "ليل خارجي" يقوم بالتحرّر من الحبكة التقليدية لكنه في الوقت نفسه يخضع شخصياته ومعظم مشاهده، لكل تقاليد السينما المصرية التجارية العتيقة.
الثلاثاء 2018/11/27
لليل حكايات لم يبرزها الفيلم

“ليل خارجي” هو الفيلم المصري المشارك في المسابقة الدولية للدورة الـ40 من مهرجان القاهرة السينمائي، وهو الفيلم الروائي الطويل الخامس لمخرجه أحمد عبدالله صاحب “هليوبوليس” و”ميكروفون” و”فرش وغطا” و”ديكور”.

القاهرة- يعتبر المخرج المصري أحمد عبدالله من أكثر أبناء جيله موهبة، وقد مارس وخبر العمل في أكثر من فرع من فروع العمل السينمائي، من كتابة السيناريو إلى المونتاج والإخراج وأخيرا التصوير، كما أنه من أكثر أبناء جيله إقبالا على “التجريب”، أي محاولة اختراق التقاليد المعروفة للفيلم التجاري المصري الشائع، وقد بلغ أعلى مستوى أمكنه الوصول إليه في فيلم “فرش وغطا” (2013).

لهذه الأسباب كان عرض فيلمه الجديد “ليل خارجي” في الدورة الـ40 لمهرجان القاهرة السينمائي صدمة حقيقية، ليس لأنه أقل مستوى من ناحية الصورة أو شريط الصوت، فهو يتميز في هذين العنصرين تحديدا، بل إن شريط الصوت فيه يمكن أن يصبح عملا مستقلا قائما بذاته السينمائي وإن لم يكن متناغما ومنسجما مع المزاج العام للفيلم أو مع محتوى الكادر نفسه.

إلاّ أن الأفلام لا تصنع من صوت وصورة في الفراغ، فالملاحظة الأساسية ترتبط بخواء المادة الدرامية في سيناريو الفيلم أو هشاشة الموضوع والشخصيات، وضعف وركاكة التمثيل بشكل عام، وغياب الانسجام بين الممثلين، ناهيك عن سوء اختيار البعض منهم، مع فقدان القدرة على الإقناع بما نراه على الشاشة، مع غلبة الحوار على جميع المشاهد “الطويلة بدرجة مفرطة” والتي تمتلئ بثرثرة لا تتوقف طوال 90 دقيقة.

“ليل خارجي” تعبير يطلقه كتاب السيناريو على المشاهد التي تدور خارج الديكورات أو الأماكن المغلقة، في الشوارع والأماكن الطبيعية، لكن فيلمنا هذا لا علاقة له بتصوير الأفلام إلاّ من بعيد وعلى نحو هامشي للغاية ومن خلال مدخل مشوش مليء بالثرثرة.

الشخصيات الثلاث

بين طبقتين
بين طبقتين

لدينا ثلاث شخصيات: مخرج سينمائي هو “محمد عبدالهادي” (كريم قاسم) يريد أن يصنع فيلمه الثاني بعد فيلمه الأول الذي يبدو من خلال الحوار أنه لم يحقق نجاحا يذكر، وسائق تاكسي هو “مصطفى” (شريف دسوقي) يعمل في خدمة هذا المخرج الشاب ولو لمدة ليلة واحدة هي معظم زمن الفيلم، وعاهرة تدعى “توتو” أو “تهاني” (منى هلا) يفترض أنها تنتمي إلى الطبقة الفقيرة، ضائعة يلتقيها السائق فيأخذها إلى منزل شقيقته “رباب” (بسمة)، حيث تقيم بعض الوقت مع رباب، والشاب “جيمي” (أحمد مالك) الذي يقوم بدور لا يناسبه أصلا، هو دور شاب من الجيل الجديد، جيل الثورة المصرية الشبابية، لكنه أصبح الآن عازفا عن الاندماج في المجتمع وإن كان العيب الأساسي هنا أن الفيلم لا يولي هذه الشخصية اهتماما كبيرا، بل يكتفي بملامحها الخارجية السطحية فقط.

يستغرق الفيلم مدة طويلة في العشرين دقيقة الأولى على الأقل، في تقديم الشخصيات الرئيسية الثلاث: المخرج والسائق والعاهرة، من خلال مشاهد لا تراكم شيئا ولا تكشف عن أبعاد أعمق من الوصف السطحي المباشر الذي يحدد الانتماءات الطبقية لكل منها، فالمخرج ينتمي للطبقة الميسورة، وهو خريج الجامعة الأميركية، لكنه على استعداد لخوض مغامرة ليلية مع رفيقيه الاثنين: السائق والعاهرة، بحيث يندمج الجميع في احتساء الخمر وتدخين الحشيش، ربما رغبة في الهرب أو في سياق التدهور العام الحاصل.

لكننا لسنا أمام فيلم عن التدهور، فلو كان الأمر كذلك لأصبح الفيلم شاهدا على ما يحدث في شوارع القاهرة في الليل من مفارقات وأحداث ولقاءات وشخصيات من قاع المجتمع، وكان يمكن أن يساهم مثل هذا الجو في تعميق الموضوع ومنحه إيقاعا يتميز بالحيوية مع بعض المفاجآت التي قد تكفل للحبكة بعض الالتواءات المثيرة للفكر والخيال من خلال أسلوب متقن ومحسوب في السرد، دون فقدان الإيحاءات التلقائية.

أما ما يحدث في الفيلم فلا علاقة له بعالم القاهرة في الليل، فالشخصيات الثلاث هي التي تحتل المشهد طوال الفيلم، لكن المخرج يعود في نهاية الفيلم ومع نزول العناوين النهائية ليعرض لنا لقطات من عالم المهمّشين والفقراء في المدينة الكبيرة.

هناك شعور من الوهلة الأولى بتعثر السيناريو الذي لم يكتبه أحمد عبدالله كما اعتاد في معظم أفلامه، بل كتبه له شريف الألفي، وهو من حيث أسلوب السرد، يقوم بالتحرّر من الحبكة التقليدية أو رواية قصة لها بداية وذروة ونهاية، لكنه في الوقت نفسه يخضع شخصياته ومعظم مشاهده، لكل تقاليد السينما المصرية التقليدية التجارية العتيقة، بهدف تقديم عمل خفيف يعتمد على الإضحاك من خلال “الإفيهات” أو العبارات والتعليقات اللفظية والتلاعب بالكلمات، دون الاعتماد على تفجير الكوميديا من خلال المواقف نفسها.

من دون سيناريو جيد وشخصيات محددة المعالم لا يصبح للمغامرة معنى، فما يتبقى منها بعض التعليقات اللفظية الساذجة

صحيح أن شخصية السائق مصطفى تبدو مليئة بالتناقضات التي تتصف بها شخصية الرجل المصري المنتمي للطبقة الشعبية، مثل الشهامة جنبا إلى جنب مع الميل لاحتقار المرأة والاعتداء عليها أيضا انطلاقا من الشعور بالتفوق الذكوري، والترحيب بارتكاب كل ما يعتبر من المحظورات الدينية مثل شرب الخمر والإقبال على الجنس (هو الذي يتصيّد العاهرة ويطمع في قضاء ليلة معها)، ولكنه في الوقت نفسه شديد التقيد بالقيم الشكلية المزيفة التي يفرضها المجتمع.. وهكذا. وقد تكون هذه الشخصية أفضل شخصيات الفيلم، خاصة مع مناسبة الممثل للدور.

مأزق الشخصيات

أما المشاهد الرئيسية التي تجسد “مأزق” الفيلم أو بالأحرى مأزق الشخصيات، فمنها المشهد الذي يدور في قسم الشرطة بعد القبض على الثلاثة بتهمة التشرد الليلي (وغالبا أيضا السكر وتعاطي المخدرات)، ثم الاشتباك في مشاجرة بالأيدي بين مصطفى والمخرج بعد بلوغ التناقض بينهما درجة حرجة. والمشهد الذي يدور في الحي الشعبي عندما يتصدى لكل من مصطفى ومحمد شاب من البلطجية، يعتدي عليهما ويجبرهما على خلع ملابسهما ثم يعتدي على المخرج محمد بالضرب ويكاد يفتك به، بدعوى الدفاع عن قيم الشرف والكرامة والحفاظ على الأخلاق بعد أن تصوّر أنهما كانا من زبائن العاهرة وأنها أتت بهما إلى منزلها في الحارة، ثم يتم فضح نفاقه وكيف أنه يريد أن يفرض على العاهرة نفسه كقواد.

هناك بالطبع مشهد هزلي لا نعرف ما إذا كان مجرد لهو على سبيل السخرية أم أنه مشهد حقيقي وجاد، فعندما يجتمع الثلاثة في بيت العاهرة تهاني في حضور قريبتها رباب، فجأة يعرب مصطفى عن رغبته في الزواج من تهاني ويتفق على أن يكون الزواج عرفيا بكتابة عقد والبحث عن شاهدين، كل هذا لكي يقول لنا الفيلم كيف أن شهادة المرأة منقوصة، وأنه يلزم شهادة رجلين لإتمام عقد الزواج، فيتم الاتصال بالشاب جيمي لكي يحضر ويوقّع على عقد الزواج العرفي!

المشهد الذي في قسم الشرطة فاقد للإيقاع، مفتعل، غير مقنع، مليء بالاستطرادات غير المبررة، والحوار الوعظي الساذج على لسان رئيس مباحث القسم الذي يقوم بدوره المخرج مجدي أحمد علي في مبادرة تطوعية لصالح الفيلم الذي أنتج بميزانية ضئيلة واعتمد أساسا على الجهود الذاتية.

وكان المقصود أن يكشف المشهد عن انحياز ضباط الشرطة لابن الطبقة العليا ضد العاهرة والسائق اللذين ينتميان للطبقة الفقيرة، ثم يكشف عن شهامة ابن الطبقة العليا بعد أن ارتبط بالاثنين وكيف أنه لم يتخل عنهما، بل أصر على أن يخرجا معه، في تصالح طبقي يريح المشاهدين، وكلها أفكار عتيقة عفا عنها الدهر صادرة من جوف السينما المصرية التقليدية.

قد يجد بعض شرائح الجمهور الذي اعتاد على السينما الفجة المتدنية التي تعتمد على استغفال المتفرج والضحك عليه، التي تفتقد للخيال الجميل والتعبير الراقي عن العالم، ما يدعو إلى الضحك في هذا الخليط المشوش من المشاهد الضعيفة الركيكة والحوارات الساذجة البدائية والإخراج الذي يعجز حتى عن تصوير مشاجرة بين محمد ومصطفى بشكل مقنع، مع غياب الدقة في بناء الشخصيات وضعف الأداء التمثيلي عموما.

فيلم تقع أحداثه في ليلة واحدة
فيلم تقع أحداثه في ليلة واحدة

أولا لم يكن إسناد دور العاهرة إلى منى هلا موفقا، فقد بدت غير منسجمة في دور تهاني، غريبة عليه وعلى باقي شخصيات الفيلم، ولا شك أنها اجتهدت وحاولت بكل جهد تقمص الشخصية الغريبة عليها، لكنها فشلت في أن تبدو مقنعة، كما بدا الحوار الذي يتردد على لسانها في الفيلم مفتعلا يثير الدهشة سواء من حيث المعاني أو الصياغة، وبدت كما لو كانت تتكلم بلسان كاتب الحوار أو المخرج، فهي على سبيل المثال تنصح محمد بالخروج والتوجه معها ومصطفى، إلى الحي الشعبي حيث تقيم (وكان محمد قد ذهب بالفعل إلى حيث يقطن مصطفى قبل ذلك مباشرة) حتى يصبح بإمكانه أن يستوحي موضوعا لفيلمه القادم من قلب الواقع.

وفي مشاهد أخرى بدا ما يقوله مصطفى أيضا حول التناقض الطبقي: من أن محمد يمكنه أن يذهب إلى بريطانيا إذا أراد، وأن يتصل بصديق له ليعثر له على عمل في الخارج أما نحن فأين نذهب.. إلخ، بدا هذا المونولوج ساذجا ومباشرا.

حاول كريم قاسم أيضا أن يتقمص دور المخرج محمد ابن الطبقة العليا، لكنه ظل يدور حول نفسه وقد يرجع ذلك إلى غياب العمق في بناء الشخصية من الأصل، أما شريف دسوقي في دور السائق فقد جنح إلى المبالغة ومحاكاة أداء محمد سعد في فيلم “اللمبي” تارة، أو طريقة الممثل صلاح عبدالله في نطق الكلمات تارة أخرى، لكنه على أي حال أجاد التماثل مع دور الرجل الشعبي السوقي الفظ الذي يعيش سجينا لتناقضاته، أما التحول الذي يجعله يرغب في الزواج من العاهرة فجأة، فيبدو أقرب إلى “نكتة” ثقيلة، فهو لا يمكن تصديقه ولا يمكن فهم دافعه ولعل تعليق رباب (أو بسمة) في النهاية عندما تسخر منه يشير إلى أن الأمر كله لم يكن أكثر من معابثة.

نعم يجب أن يبحث المخرج عن وسيلة لكي يعمل بشكل مستقل عن السوق، ونعم يمكن صنع أفلام بميزانية محدودة اعتمادا على الحماس وحب السينما، وأن يصور المخرج فيلمه بنفسه توفيرا للنفقات، ونعم يجب أن يؤكد تيار السينما المستقلة وجوده في مواجهة التيار العريض، ولكن هل ينتمي هذا الفيلم حقا لهذا النوع من السينما المستقلة التي تمتلك طموحات تتجاوز الفيلم الذي يلعب على الغرائز والانفعالات البدائية وإثارة الضحكات على كلمات لا معنى لها؟ أليس هو بهذا المعنى، تنويعة أخرى على النغمة القديمة التقليدية العتيقة؟ أخيرا ليس من مهام النقاد “تشجيع” الأفلام، بل تحليل ونقد وتقويم الأفلام!

16