"ليل علي بابا الحزين" ومئة عام من الدمار في بغداد

الأربعاء 2015/02/11
عبدالخالق الركابي يقدّم سيرة ثقافيّة للعراق راصدا ما طاله من تحولات

في نصّ يمزج فيه كاتبه بين السّيري والتاريخي يقدّم الكاتب العراقي المهاجر عبدالخالق الركابي، في روايته الأخيرة ذات العنوان الأخّاذ والدّال «ليل علي بابا الحزين» الصّادرة عن دار عدنان، فصلا من فصول الألم العراقي الممتدّ من الاحتلال الأنكليزي الذي انتهى بثورة العشرين، موصولا إلى ما بعد ليلة التاسع من أبريل 2003، ليلة سقوط بغداد واحتلال القوات الأميركيّة للعاصمة العراقيّة، وقد غدا بعدها العراق مَسرحا لعمليات النهب والتدمير والقمع، ومرتعا للصّراع الطائفي الذي برز من جديد، واستوطنت القاعدة أراضيه، وتحول العراق إلى بلد دام لا يغيب عنه الدم في أيِّ لحظة، منذ ذلك التاريخ الذي خَدعَ العراقيين بمنحهم الديمقراطية، فلم يحظوا إلا بالخوف والعيش في رعب.

ما بين مشهد البداية والنهاية تنفتح ذاكرة الراوي على جرح العراق بعد الاحتلال الأميركي، بل تفتش الذاكرة في دروب الوجع القديم الممتدّ منذ الاحتلال الأنكليزي للعراق في أوائل القرن الماضي، والصراع القديم للقوات الأنكليزيّة والأميركيّة للاستيلاء على النفط والآثار، منذ وفود الجاسوس المستر “تيلر تومسون” الذي قَدم إلى الأسلاف بصفته مفتش آثار، ثمّ اختفى مع نشوب الحرب العظمى كما كان يطلق على الحرب العالمية آنذاك، ثمّ عاد مرّة ثانية بعد احتلال بريطانيا للعراق ولكن بصفة جديدة، هي صفة نائب الحاكم العسكري للمدينة.

وقد لجأ الكاتب إلى الحيلة الفنيّة؛ الجمع بين الزمنين المتباعدين زمنيا والمتوحدين بالفجيعة والألم، من خلال إظهار انشغال المؤلف- الرّاوي بكتابة رواية عن واقع العراق بين الاحتلاليْن، حيث يعيش في معاناة أثناء كتابتها، وإذا كان الماضي قد أخرج شخصيات مشوّهة كشخصية فرج وأخويه بدر ورياض، فإن الحاضر شوّه جميع الشخصيات فلا فَرق بين نجيب شكري ويحيى شفيق، أو حتى دنيا والحبيبة مي، فالجميع تشوّه إثر حالة التغيّرات التي طرأت على عراق ما بعد التاسع من أبريل، فهرب من هرب كدنيا ومي، وبقي مَن بقي كشاهد على مأساة حاضره.


أدبيات الحرب


يقدّم الكاتب على الجانب الموازي سيرة ثقافيّة للمكان بعد أن لحقته التطوّرات والتغيّرات، كما يرصد لنا التحوّلات، مثل الحالة الاقتصادية المتفاقمة التي صار عليها الأفراد بعد فرض الحصار، واضطرارهم إلى بيع أثاث المنازل من أجل لقمة خبز لأسرهم، وكذلك التحوّلات التي صاحبت الشخصيات وفقا للأيديولوجيات الجديدة، وما تعارف عليه في الأدبيات بأثرياء الحرب، حيث تجارة الحرب الرابحة كما فعل يحيى الذي وجد في الحرب القادمة فرصة للثراء. ونجيب الكذّاب أصبح الأستاذ نجيب بعد التغيير، ورياض تغيّر من الزي الزيتوني إلى إسلامي ورع، بعد أن كان مختصّا بتهريب الآثار إلى إيران عن طريق مغارة علي بابا أو المنفذ الحدودي.

ذاكرة الراوي تنفتح على جرح العراق، وتفتش في الوجع القديم الممتد منذ الاحتلال الأنكليزي للعراق

كما يعرّج الكاتب على النكبة التي عانى منها المسيحيون، وهجرتهم إلى أستراليا ونيوزلندا منذ اشتعال الحرب بين العراق وإيران. ومع كل هذه الأوجاع والآلام، إلا أن الكاتب لا يَبتغي تقديم مرثية عن مآل العراق، الذي لا ينفصل ماضيه عن حاضره، بقدر ما هو يقدّم نصا يقف إلى جوار نصوص سردية كثيرة تندرج تحت أدبيات الحرب، كنوع من مقاومة المحنة لا التباكي عليها، وإنما بالاستفادة منها في كتابة نصوص تقرأ المحنة من وجهات نظر مختلفة لتقف بموازاة التاريخ المدوّن، والذي يلعب فيه المنتصر الدور الأكبر قصد تزويره لصالحه.

كما أن الكاتب لم ينس أن يقدّم لنا الواقع الثقافيّ العراقيّ الذي دمّر وأحرق، عبر مكتباته الرّابضة في شارع الرشيد، ومقاهيه الثقافيّة، وكأنّ الكاتب يسعى إلى كتابة التاريخ الثقافي لمدينة الرشيد، ومثقفيها وحواراتهم التي عكست تنوعا أيديولوجيا، وهو ما يستدعي الذّاكرة الهمجية التترية التي أحرقت مكتبة الرشيد في تاريخ سابق، في إشارة إلى بربرية هذه الحرب، لكن مع هذه الصّورة المثالية التي قدّمها، إلّا أنه قدّم أيضا الواقع الأرضي المزري عبر حالة التكيّف التي قامَ بها البعض مع سياسات الواقع الجديد، فراحوا ينهلون من خيراته.

ومع انتماء النص إلى النصوص السّيريّة إلا أن كثيرا من الأحداث قد أعاد المؤلف كتابتها حسب منظوره هو كراوٍ، ووفق أيديولوجيته، ومن ثمّ فارقت واقعية محكيّها، وصبغت بالخيال. كما أنّ النّص يعمد إلى الزمن المتشظي، فالأحداث لا تسرد عبر زمن كرونولوجي، بل هي خاضعة لعمليات التفتيت والاختيار والتوزيع، ومن ثمّ فالأحداث قائمة على التداخلات الزمنيّة بين أزمنة مختلفة زمن الاحتلال الأنكليزي وثورة العشرين، والزمن الآني، زمن الاحتلال الأميركي، إلا أن الفواصل بينهما مستباحة دائما، بلا فواصل أو علامات تشير إلى هذه التداخلات.

دروب الوجع والألم العراقي


سرد التاريخ


الرواية جاءت في ثلاثة أقسام، عناوينها تتصل اتصالا وثيقا بألف ليلة وليلة، وخاصّة حكاية علي بابا والأربعين حراميا، والعبارة جاءت كوصف من قبل الأميركان للأشخاص الذين يقومون بعمليات النهب بعد سقوط بغداد، القسم الأول بعنوان «الخروج من المغارة»، وهو القسم الذي جاء فيه الحديث عن سقوط بغداد، وحالات السرقة والنهب التي تعرّضت لها المصالح الحكومية، رغم أن العنوان يشير إلى خروج الراوي من المغارة بعدما اتّهم بأنّه خارج على النظام، ومع الأسف كان الخروج من قبل المحتل.

ثم يأتي القسم الثاني «افتح يا سمسم»، وهو العنوان الذي يحيل إلى الأرشيف الذي تركه بدر وفيه حكايات عن ماضي العراق، أثناء الاحتلال، ويميط اللثام عن المؤامرات التي حيكت ضدّ العراق من قبل الأميركان والبريطانيين، كما اطّلع على مذكرات هارولد أكس وزير الداخلية في عهد الرئيس الأميركي روزفلت، والخطط التي كانت تدبّر للعراق منذ نشوب الحرب العالمية، وهاجس التفكير في الاستيلاء على المقدّرات النفطية للعراق، منذ السؤال الذي وجهه وزير الخارجية آنذاك جيمس بيرنز إلى الرئيس الأميركي عن الحصّة التي يجب أن تحصل عليها الولايات المتحدة من نفط الشرق الأوسط، فأجاب بعد لحظة صمت «جيم، ليس أقل من مئة في المئة».

كما يتضمن هذا القسم -وهو الأهم- السرّ الذي يفتح له الباب أمام علاقته بمي، التي تعرّف عليها عن طريق صديقه الازدواجي بهجت، الذي كان ينتقد النظام، وفي ذات الوقت كان على صلة حميمة بالعديد من الحزبيين النافذين، الذين ضمنوا له ولأفراد أسرته وأقاربه تحقيق أهدافهم، وكذلك انتهاء العلاقة بينهما، ومغادرتها بعدما أعلنت أنها لن تطيق مرأى المدرّعات الأميركية وهي تصول وتجول حول بيتها، وأيضا أسرار الحدود ومغارة علي بابا في المنفذ الحدودي بينها وبين إيران.

جاء القسم الثالث بعنوان «كلمات كهرمانة الأخيرة» وفيه تحكي دنيا عن علاقاتها بيحيى شفيق منذ أن تعرّفت عليه حتى اختطافه، وقرارها الهجرة بعد حملها، ورفض الراوي الزواج بها لستر الفضيحة، وقد جاء السرد فيه بالأنا من قبل الراوي، والعائد على دنيا ما عدا بعض التعليقات من قبل الراوي كغائب، وذلك لجمع الخيوط وترميم الثغرات.

تنتهي الرواية والعالم أجمع ذاهب للتلاشي بعد هذه الانفجارات، أصدقاؤه ذابوا، وكذلك معارفه وعائلته، وحتى الأماكن تلاشت أيضا مثلما حدث في شارع الرشيد، في إشارة إلى حالة الدمار التي عانت منها الرواية، وهو ما أكّده حكم القيمة في العنوان بالليل الحزين.

15