ليل في قنينة

الاثنين 2016/05/30
مَن لم يعش الليل القطبي لا يمكنه أن يكون الليل كثيرا

مَن لم يعش الليل القطبي لا يمكنه أن يكون الليل كثيرا، ليل هو أكثر من ليل. لكثرته فإن أحدا لا يمكنه أن يتخيل أن هناك نهارا سيتبعه، أيمكن أن يقع النهار بعد كل هذا الليل؟ فهو لم يبق للنهار شيئا من الفضاء، كل شيء أسود.

الغابة سوداء والبحر أسود والسماء يتوكأ فيها قمر على عكازه مثل مريض خرج لتوه من المشفى متعافيا، من غير أن يصرح بتفاصيل آخر كوابيسه.

لا يأتي ذلك الليل تدريجيا، بل يقع مرة واحدة، جثته تحدث صوتا مدويا حين سقوطها، يحضر كل يوم مفاجئا كما لو أنه لم يكن هنا قبل ساعات، يقف مثل جدار، مسافته لا يمكن تخطيها إلاّ بعينين مغلقتين.

ما الذي يخبئه ذلك الليل الكثيف من كنوز في أحشائه؟ ألا يمكن أن يكون هناك عالم يتألف من المئات من المجرات، قد صغر حتى صار أشبه بكرة زجاجية من أجل أن يضع رأسه على يد ذلك الليل وينام؟

لا أحد في إمكانه أن يختبر حواسه هناك، كل شيء يجري بطريقة حلمية، فالليل مثلنا يتألم حين يحلم. لا ينبعث جماله إلاّ حين يتبخر. “لا نصلح صديقين”، خاطبته وأنا أقصد أن عزلته تجعله أكثر غربة مني، أعرف أنه يعدني ببلاد لم تطأ قدمي أرضها من قبل.

بلاد تتطاير أجزاؤها مثلما يفعل الزعفران، خفيفة برائحة القديسين وندية بأصوات الأطفال، غير أنني وقد تعلمت أن أنحت من صمته جملا، ومن هوائه قنانا أعبئها بأحلامي، ومن ابتسامته وجوها سمراء تأمل في أن تلون الشمس قسماتها، صرت أمشي في دروبه نائما، من غير أن أتعثر بنجومه وغيومه وأشجاره التي صارت تتعرف على وقع خطواتي قبل أن تراني.

ألا تشبه لحظة الخلق الفني محاولة اختراق ذلك الليل؟ نبدأ الكتابة مسحورين بإيقاعها غير أننا نجهل تماما ما سيقع بعد ذلك، نقشر بصلة ونحن نعرف أننا لن نصل إلى نواة.

كاتب من العراق

16