لينا هويان الحسن: الأدب كالحياة تغيير وابتكار

الخميس 2014/08/14
لينا هويان الحسن: دمشق مدينة ملهمة إلى حد كبير رغم الوجع والآلام

القاهرة - لينا هويان الحسن، روائية سورية، كتبت عن البادية السورية وصحاري الشرق الأوسط في أعمالها الأولى، والتي يأتي على رأسها “بنات نعش” و”سلطانات الرمل”، اللذان لاقا رواجا كبيرا بين جموع القراء والمثقفين، وصدر لها كتاب توثيقي عن عالم البدو بعنوان “مرآة الصحراء”، إلا أنها انتقلت في عمليها الأخيرين “نازك خانم” و”ألماس ونساء” إلى عوالم أخرى، رافضة المكوث في عالم واحد لا يتغيّر. “العرب” التقت هويان الحسن لتتحدث إليها حول تجربتها الإبداعية وعن الوضع في سوريا الجريحة وعن عدة مواضيع أخرى فكان هذا الحوار.

عملت لينا هويان الحسن في الصحافة بدءا من عام 2003، وغادرت سوريا لتقيم في بيروت التي شهدت رواجا أدبيا لها، وانطلاقة إلى عوالم أدبية جديدة، ونقلات إبداعية جعلتها من أبرز الكتاب السوريين في الفترة الحالية. تكتب باستمرار وفي جلّ المواضيع لتثبت أن التنوع هو “سنة” الأدب كما هو شأنه في الحياة.


عوالم جديدة


كتبت لينا هويان الحسن العديد من الأعمال عن الصحراء والبادية، وعُرف عنها الاهتمام بهذه العوالم، حيث كانت من أوائل الكتاب الذين اهتموا بالكتابة عن البادية، ولكنها في روايتيها الأخيرتين “نازك خانم”، و”ألماس ونساء”، غادرت عالم الصحراء إلى المدن وعن هذه النقلة تقول الحسن: »عندما نُفشي الأسرار يبطل سحرها، لكن يمكنني القول، الأدب بشبه الحياة، قوامه التغيير، وابتكار الجديد، فالكلمات كالمياه، تعبر كل المسارب السرية الممكنة لتشكل تارة نبعا، وتارة أخرى جدولا، وربما نهرا جارفا يغير خارطة الجغرافيا. وللأديب كل الحق في استثمار ملاعب الكلمات.

أعتبر كل ما كتب في الوقت الحالي عن الثورة السورية من أعمال أدبية نصوصا مباشرة أشبه بنشرات الأخبار

انطلقت من المكان الذي جئت منه أي الصحراء، ومن الطبيعي أن أكتب عن المكان الذي جئت إليه في وقت مبكر من عمري. فليس كل البشر يمكن أن تمنحهم الحياة فرصة العيش في مدينة عريقة كدمشق. دمشق مدينة ملهمة إلى حدّ كبير".

وعن روايتها الجديدة “ألماس ونساء” الصادرة عن دار “الآداب”، اللبنانية تقول الحسن: »الرواية يمكن اعتبارها النص السوري الأول الذي يتناول المهجر السوري، حيث قمت بنقل الأحداث من دمشق إلى ساوباولو وقدمت تفاصيل الحياة اليومية للجاليتين السورية واللبنانية بدقة كبيرة، وقد خضت هذه العوالم من منطلق أن لكل حاضر ماضيه الخاص، ومن الشرعي استنطاق الماضي لصالح الحاضر".

وتضيف قولها: »أردت للسوري الحالي أن يعرف شيئا عن أجداده الذين فروا من الحكم العثماني ووصلوا إلى قارة جديدة وهناك أكدوا حضورهم بشكل طاغ، تحكموا في الاقتصاد، ودخلوا معترك السياسة، باختصار بنوا أوطانا جديدة لا تقل جمالا عن أوطانهم الأصلية. وليس من العدل أن نتجاهلهم، وقمة الفن أن نكتب ما يُمتع، وفي نفس الوقت يقدم المعرفة التي تملي علينا طرح المزيد من الأسئلة".

وتستطرد قائلة:» في “ألماس ونساء” كتبت أيضا عن الخلطة العرقية والدينية التي كانت تشكل النسيج الاجتماعي في دمشق، وقمت بتسليط الضوء على أكراد دمشق لأنهم شكلوا جزءا من التشكيلة العرقية الدمشقية منذ أيام صلاح الدين الأيوبي، ولا يمكن كتابة نص حقيقي يشبه دمشق الحالية دون أن يشار إلى أكراد دمشق، واخترت نموذجا هو “بوتان شرف خان” يمكن نعته بـ”الجميل، الصادق” الذي ورث همّ قضيته الكردية عن أبيه وغادر دمشق التي أحبها، من أجل أحلام زرعها في وجدانه أبوه شرف خان، تتعلق بماضيه، فهو سليل أسرة حكمت ذات يوم إمارة قديمة للأكراد قضى عليها الأتراك".

رواية تتناول المهجر السوري


مخادع النساء


وعن بطلاتها من النساء في أعمالها واللاتي يتمتعن بالقوة والمبادرة دائما وهو ما يبدو واضحا في روايتها “ألماس ونساء” التي حفلت بنساء قويات مثل ألماظ خانم في الجزء الأول وبرلنت في الجزء الثاني، تشير الحسن إلى أن بطلات رواياتها يبادرن إلى انتزاع ما يحلمن به دون الالتفات إلى محظورات المجتمع العربي، ودائما يبدو الرجل كألعوبة مسيّرة من قِبلهن، فهي تثق بأسلحة المرأة الخفيفة، كالمكر، والحيلة، والكيد.

كما أن الهمس يمكن أن يقنع أكثر بكثير من الصراخ. ويمكن للحمامة أن تفعل ما يعجز عنه الوحش. لهذا جاء اختيارها للنساء اللواتي عرفن كيف يصطدن الرجل ليكون منفذا لأحلامهن دون أن يعي هو ذلك. فالرجال اخترعوا ساحات المعارك لسفك دماء بعضهم بعضا، بينما النساء لهن المخادع لارتكاب جرائمهن الذكية والخالية من سفك الدماء. أسلحتهن قاتلة لكن دون دماء.

وعن روايتها “نازك خانم” التي أُعيدت طباعتها خلال أشهر قليلة بعد صدورها، والتي ذكرت في مقدمتها أنها مستلهمة من قصة حقيقية لامرأة دمشقية عاشت في باريس وعملت في عروض الأزياء، تؤكد الحسن أنها دوما تميل إلى النهل من الواقع، ففي “سلطانات الرمل” فعلت ذلك أيضا، وهذا أمر مباح أدبيا، حيث قال موليير يوما: “أنا آخذ ممتلكاتي حيث أعثر عليها” وربما الصحيح هو القول: “أستعيد ممتلكاتي” فهنالك حكايات حدثت لنكتبها. هكذا هو فن الرواية يبيح لنا اختلاس ملامح الحياة لرسم وجوه لأبطالنا.


نشرات أخبار

في السنوات الأخيرة كثرت الكتابات الأدبية عن الثورة السورية والأحداث بصفة عامة في سوريا، ورغم أنه تمّ تصنيف روايتها “نازك خانم” كرواية تتميز بإسقاطات واضحة تتعرض للتعصب الديني الذي خطف الثورة السورية كما رآها الروائي الجزائري واسيني الأعرج.

إلا أن الحسن رفضت الكتابة بشكل مباشر عما يحدث في الفترة الراهنة مبررة ذلك بأن كل ما يمكن أن يُكتب الآن سيتم تأويله لصالح طرف من الأطراف، وكل نصّ يُصنف، سيخنق في خانة الأيديولوجيا، وهي لا تحب أن يُدرج اسمها يوما ضمن قائمة روائيين كتبوا عن شيء محدد أو حدث بعينه مهما كان هذا الشيء، أو الحدث. فهي ترفض التشابه، وتقدس الاختلاف.

ومن جهة أخرى تعتبر الحسن أن كل ما كُتب حتى الآن عبارة عن نصوص مباشرة تشبه نشرات الأخبار اليومية، وهذا يتناقض مع منطق الأدب. ومن أبرز الأمثلة التي تسوقها في هذا الشأن ما كتبه يوما الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز في “مئة عام من العزلة” عن الثورة الكولمبية ومآلاتها، دون أن يذكر ذلك بشكل مباشر. فالأدب فنّ ينقل الحدث عبر الحيلة الفنية اللازمة لتحويل ما يحدث إلى فن.

هناك أدباء يكتبون مرة واحدة في حياتهم، وهنالك الذين يكتبون طالما هم أحياء، وأنا من الصنف الأخير


آماد مفتوحة


وتبرر الحسن توقفها عن كتابة الشعر عقب صدور مجموعتها الشعرية الوحيدة “نمور صريحة” قائلة: "ملاعب الرواية أكثر اتساعا، يمكن للشعر أن يتسلل في بدن الرواية، لكن العكس صعب جدا، فالرواية عالم فسيح لا نهاية له، آمــاد مفتوحة على كل الآفاق المحتملة، تسمح لنا بتشييد المدن التي نحلم بها، وصنع الأبطال الذين نريدهم، بل ويمكن للكاتب أن يكون بمثابة “القدر” لأبطاله، وهذا أمر في حد ذاته متعة خالصة. الشعر دائما مشروع حاضر لكنه مؤجل بالنسبة للنشر".

وفي ما يتعلق بغزارة إنتاجها الإبداعي تقول الحسن: "الأدب تدفق، وأنا أستسلم لهذا التدفق، لكن أنظمه قدر الإمكان. هناك أدباء يكتبون مرة واحدة في حياتهم، وهنالك الذين يكتبون طالما هم أحياء، وأنا على ما يبدو من الصنف الأخير. الكتابة عادة شبه يومية لديّ. ويوم عيد ميلادي من كل عام أكتب السطر الأول من الرواية القادمة».

15