لينا هويان الحسن و"نازك خانم" بين فاشيَّة الدين وتحرُّر الذات

الأحد 2014/03/02
لينا هويان الحسن: روايتها لوحة فنية زاخرة عن باريس الحرية

لينا هويان الحسن، كاتبة سورية وصحافية لها إصدارت متعدِّدة في مجالي الرِّواية والشِّعر، متخرجة في قسم الفلسفة من كلية الآداب، لديها ولع بالكتابة عن الصحراء، وتحطيم الماضي كما أعلنتْ في حوار لها، مُخْلِصة للكتابة الروائية وإنْ كانت قد أصدرت مجموعة شعرية بعنوان «نمور صريحة» سنة 2011، تندرج تحت قصيدة النثر، إلا أن عالمها الأثير هو الرواية وخاصة عالم الصحراء، وباديات الشام، وقد صدر لها في هذا المجال كتاب توثيقي بعنوان «مرآة الصحراء» -2001، وفي مجال الرواية «بنات نعش» 2005، ورواية «سلطانات الرمل»، إلى جانب أعمال أخرى.


الألم والحلم


تدور أحداث رواية «نازك خانم» («منشورات ضفاف» و«الاختلاف»2014، بين دمشق الألم وباريس الأمل والحُلم في عالمٍ مفارق لتلك العوالم الأثيرة التي اشتغلت عليها من قبل، وإن كانت تتخذُ مِن منتصف الخمسينات والستينات في القرن المنصرم، إطارًا زَمنيًا حيث عاشت شخصيتها، أجواء سياسية وثقافية قد تتماثل في جانب مِن جوانبها مع سياق عصرنا الرّاهن، ببروز الاحتجاجات العُماليَّة والمظاهرات الطلابية التي اجتاحت أوروبا آنذاك، متزامنةً مع الثوَّرة الثّقافية في الفن والموضة وغيرها، وحركات تمرّد النِّسَاء، ورفضها اختزالها في الجسد، وكذلك الاحتجاجات على مسابقات ملكات الجمال، والدعوة إلى «أنْ تُخرج القط الذي يسكنها» كما طلبت الممثِّلة الأميركية «برجيت باردو». كلّ هذا يشي بحالة مِن الحراك في كافة مجالات الحياة، وأنَّ ثمّة ثورة اجتاحت العالم.

قدَّمت الكاتبة شخصية «نازك خانم» في جميع حالاتها؛ إخفاقاتها، وانكساراتها وجنوحها وقليلاً مرحها. حيث عاشت الحياة كما تريدها دون أن تأبه بأحد، ومارستْ كلّ أنواع النزق باسم الحرية، حتى صارت بحق «فضيحة تمشي على قدمين» على حدّ وصف السَّاردة أو «الوقحة والفاجرة» كما رأتها زوجة أبيها، في حين رأها مجيب شان «أجمل من الآلهة»، اغتالتها الإشاعات أولا ثمّ اغتالتها الفاشية الدينيّة أخيرًا، التي كانت تحمل في يد باقة من الزهور وفي اليد الأخرى مسدسًا في مفارقة تلخِّص فجيعة مَن يقدمون السّم في العسل باسم الدين. أو يدَّعون أنَّ الخَلاص بهم، في حين أن النّهاية تأتي على أيديهم.ومن ثمّ تبدو «نازك خانم» ملخّصةً لهذا العصر بتناقضاته وثوراته وصيحات جنونه، مذ تمرّدت بالهجرة، وتحرّرها بكونها أوّل فتاة ترتدي البكيني على شواطئ دمشق، وقيادتها السِّيارة بلباس التنس تارة وحافية القدمين تارة ثانية، وجلوسها عارية أمام بيكاسو. كما كانت شاهدةً على صراع ثقافتين متناقضتين إحداهما كانت تشدُّها وتدخلها إلى دهاليزها المظلمة في صورة كمال بيك، والأخرى كانت الوجه الذي أرادته فأطلّت منه على المثقفين والفنانين والسَّياسيين وروَّاد الفكر. ومع أنها فشلت في أنْ تكون كاتبةً أو فنانةَ مسرحٍ، إلا أنَّها نجحتْ في جذب الرِّجَال.

تماثل هذه الشَّخصية المتمرِّدة في أحد وجوهها المتعدِّدة صورة دمشق آنذاك بتعدّد أسمائها، وبتبديل الرؤساء كلّ صباحٍ، وبزخم حياتها الحافلة بالإشاعات التي «ركّبن لها النِّساء أجنحة وطيّرنها في سماء المدينة»، وإنْ كانت نازك اتّخذت منها طوق نجاة لتهرب مِن أسر دمشق عندما اتفقت زوجة أبيها مع رجلٍ ليقتحم غرفتها. أو بمدنيّتها الحاضرة في الحفلات التي تقيمها الطبقات الأرستقراطية، وفي ملابس النساء حيث التنورات القصيرة والبكيني، أو في صورة عمارتها الحاضرة في القصور المشيّدة في بلدوان من الرخام والمرمر. ثمّ في جانب آخر تماثل تلك التغيّرات التي طرأت على دمشق، ومثالها بيع كمال للملهى الذي ورثه عن أبيه وتبرَّعه بثمنه لبناء مسجد وهو ما يفسّر المآل الحاضر.

السَّردُ في كثيرٍ من جوانبه ينتصر للمرأة


أنثى ورجال


في مقابل شخصية نازك المثيرة كان ثمّة رجال حولها بمثابة صورة مُصَغَّرة لصراع الأيديولوجيات في هذا الوقت، الأوّل كان المحامي الذي فَتَحَ كلّ مسامها لتطير في عالم مِن الخيال إزاء باريس، وزيّن لها السّفر كنوعٍ «من الانفلات مِن القيود الاجتماعيّة والهرب مِن الأهل، وضجيج الإشاعات ومتسولي النمائم» (ص91) بأحاديثه عن مقهى فلور وبار الكوبول، والنساء الرشيقات وبيكاسو وملهمته دورا مار، تلك التي تتلبسها فتصير هي في دورها العاشقة والملهمة لمجيب شان فيما بعد، والثاني الماركسي «مارك» الذي هجرها لأجل عارضة بلغارية شعرها أحمر طويل، قدَّم لها وردة حمراء في عيد ميلادها فسخرت منه وهجرته إلى الأبد. والثالث يمثّل روح العصر الثائرة والمتمردة المثقفة الناقمة على ثقافات بالية، هو مجيب شان الإيراني، خلق منها الأنثى التي تشتهيها، وكان الأكثر تفهّمًا لجنوحها، والأهمّ أنه هو الذي حذّرها من جمالها بقوله: «البعض يجنّ من السَّعَادة والبعض يجنّ مِن التعاسة، والبعض يجن من الجمال.. انتبهي مِن جمالك يا نازيك هانوم» (ص 11)، وعبر أفعاله قدّمت لنا السَّاردة صورة عامة عن حالة التناقض التي كان يعيشها الشّرق مقابل الغرب الذي انتقل إليه مجيب ليكوَّن ثروته من البترول والبحث عن المعادن. والرابع كان ليبراليًا هو المصوِّر الروسي روجيه وقد ارتبطت به لمدة عامين، وأخيرًا المتشدِّد الدّيني كمال بيك، الرّجل الذي أوقعها في شباكه منذ أنْ احتدت عليه عند النبع، فسعى لترويضها إلى عالمه، العجيب أن نازك الفتاة التي خَبُرَت الحياة وعاشت صخبها ونزقها انساقت إليه، رغم أن ثمة أشياء تفرق بينهما خاصة ما توارد إلى مسامعها عنه قبل الزواج، ثم ما لحق الزواج من مطالباته لها بقائمة الممنوعات والحرمان.

وما بين تناقضهما (كمال ومجيب شان) كانت نازك الضحية، فالقلب الذي جمّعهما هو نفسه الذي فرَّقهما فأحدهما أبهج قلبها، فقادها حيث أرادت والآخر أدماه فأوقف حياتها.

وهو الخيط الذي يتماس مع مآل الثورة، حيث ثمّة ثورة لم يكتمل هلالها بعد، وإن كان سعى نفر به إلى خنقه، ومن ثمّ يخيّل لي أن الكاتبة لم تنظر للمقدمات بل كانت عيناها على النتائج، فالثورة التي كان أحرارها ينشدون الحرية وأنسامها، كما فعلت نازك خانم، انتهى بها وبهم الحال إلى أن اغتالتها / هم الفاشية الدينيّة بعد أن سلبتهم ثورتهم، مثلما سلبت نازيك حياتها، وكأن القدر الذي شكّل حياتها، هو الذي أعادها إلى دمشق بعد وفاة مجيب شان لأنها كما أخبرت صديقة لها بأنها «لا أريد أن تموت على أرض تجهلني» (ص144).


لوحة ثقافية


تتجاوزُ الرِّواية علاقة الحبِّ والصِّراع التي دارت لكسب ودّ المرأة مِن ناحية، وإغواءات المرأة لنيل قلب الرّجل مِن ناحية ثانية، إلى تقديم لوحة فنيّة زاخرة عن باريس الحرية التي كانت أنشودة الثوّار والمتمردين، بمظاهرات الطُّلاب والعمَّال وبأعلامها، وبمناقشاتهم الثَّقَافية والفكرية، وبموضتها المتنوِّعة في الملابس (الجيب والميكرو والقبعات المزينة برؤوس الثعالب) وفي الإكسسوارات، وفي ألوان الشّفاه، وفي قصّات الشّعر وفي الرّقصات المختلفة، وفي العطور وتركيبتها المختلفة وكأنها تعيد إلينا ما كتبه «زوسكيند» في رائعته «العطر»، وأيضًا باستحضارها شخصيته «جان باتيست» ذا الأنف القوية في صورة صديق نازك «روان».

كما تقفُ في جانب منها على صناعة السينما وأثرها في الاقتصاد، وأيضًا اختراع الكاميرا، كما تشير إلى الجوانب الخفيّة في حياة السّياسيين وعلاقتهم بالعرَّافين والعرَّافات. وأخيرًا تذكر تأثيرات الحرب على الموضة حيث انتشرت الموضة الماكسي بعد اندلاع الحرب على الجبهتين المصرية والسُّورية، وكذلك على الحياة حيث عَادَ إلى روما الحنطور بعد قطع النفط عن أوربا خلال الحرب.


السرد المرأة


تميلُ الشَّخصيات الرّئيسة إلى التعويض فجنوح نازك يأتي تعويضًا عن القيود والأنساق التي كبلتها، وعن اليتم الذي عاشته أو الاضطهاد من قبل زوجة الأب، نفس الشّيء نجده عند مجيب شان الذي سخّر ماله في تعويض الحرمان الذي عانى منه بحفلات البذخ، وبالفن الذي اتخذه هواية ليعرّي به المرأة كنوعٍ من التعويض عن ماضٍ طارده في صورة رجم الأم امتثالاً لأنساق بالية ترى في المرأة عورة وعيبًا.

كما يسعى السَّردُ في كثيرٍ من جوانبه للانتصار للمرأة عبر ترديد أقوال الفلاسفة والكتَّاب والسَّياسيين في المرأة كسارتر ونيتشه وبيكاسو، أو بالانحياز لها واستحضارها عبر التاريخ فتذهب إلى الميثولوجيا عند عشتار الفينيقية وأفروديت وفينوس وسميرا أميس المصرية، وليدا التي أعجبت كبير آلهة الأولمب «زوس». أو في ترويضها للرّجل، على نحو ما فعلت وسيلة مع مجيب الذي التقاها في أحد حقول الكروم الجزائرية فما إن قال لها كلمة بذيئة حتى أهرقت الماء البارد عليه، وبالمثل الفخ الذي صنعته نازك لمجيب عندما تركت له نفسها ليراها عارية فخلبه جمالها، واتخذها عشيقة. كلُّ هذا جاءَ عبر لغةٍ مُنْسَابة تَمزجُ بين الغنائيةِ عند الحديث عن مأساة الشّخصية، والشّعرية في تناولها لعلاقات نازك ورجالها، يَغلبُ عليها التشبيهات والمجازات، وقد تبدو في بعض جوانبها أشبه بلغة التقارير فيما تقدُّمه مِن معلومات عن الشّخصيات، أو عند الحديث عن العطور وتأثيراتها، عبر راوٍ غائب (هو) عالم بكلِّ شيءٍ مُتحكم في شخصياته، محايد بتركه خيط السَّرد لها، دامجًا للحوار في السّردِ، وإن كان الراوي الضمنى يبدو متماهيًا ومنتصرًا للمرأة عبر التصدير الذي سبق النّص، وهو ما أحدث تعاطفًا معها، أو عبر المقولات التي يُمهّد بها السَّارد لكلِّ فصلٍ وهي لمشاهير (مثل: ريلكه، نيتشه، ياروسلاف سيفيريت، بابلو نيرودا، كاتول، بيتر رسل، لامارتين، إميل سيوران).

12