ليندا توماس غرينفيلد وجه أميركا الأسود والمخضرم أمام الأمم المتحدة

دبلوماسية الجامبو التي تعيد رسم دور واشنطن في العالم.
السبت 2021/03/27
دبلوماسية مخضرمة تسعى إلى إعادة واشنطن إلى مكانها الأصلي

تبدو السياسة الخارجية الأميركية اليوم، أقرب ما تكون إلى جوقة موسيقية، يتناول كل مسؤول من كبار الفاعلين في إدارة الرئيس جو بايدن قطاعاً من الملفات الدولية فيها، ثم لا يلبث أن ينتقل إلى غيره تاركاً لزميل آخر مسؤولية بث رسائل تعيد رسم الوجود الأميركي على خارطة العالم.

ملفات عديدة، اليمن وسوريا وليبيا وإيران والصين وغيرها، تقوم ليندا توماس غرينفيلد، الشخصية الثانية في وزارة الخارجية الأميركية، بعد الوزيرأنتوني بلينكن، بالإشراف عليها، وما يضفي على مهماتها ثقلاً إضافياً، أنها تعيد بالتوازي رسم دور الأميركيين الأفارقة في المشهد السياسي الأميركي، إثر تضرره وتراجعه الحاد خلال أعوام الترامبية.

وقد بدا هذا جلياً في مواقف مختلفة عبّرت مؤخراً عنها السفيرة السوداء التي أعلنت عن شروع بلادها في توسيع نطاق المساعدات للشعب السوري، معتبرة أن “العقبة الرئيسية التي تحول دون تحقيق السلام في سوريا هي نظام الرئيس بشار الأسد”. وقالت توماس غرينفيلد في جلسة إحاطة لمجلس الأمن حول سوريا إن “النظام رد على التظاهرات بالقمع وهو ما وضع البلاد على طريق حرب مروّعة. والآن، طوال عقد كامل، عانى الشعب السوري ما لا يمكن تصوره. عقد كامل من القمع العنيف، عقد كامل من الإرهاب، عقد كامل من الحرب الأهلية الوحشية”. مشددة على مطالبة المجتمع الدولي بألا ينخدع بالانتخابات الرئاسية السورية المقبلة، لأنها حسب قولها “لن تكون انتخابات حرة ونزيهة، ولن تضفي الشرعية على نظام الأسد، فهي لا تفي بالمعايير المنصوص عليها في القرار 2254”.

الصين تعمل عبر منظومة الأمم المتحدة لقيادة أجندة استبدادية تتعارض مع القيم الأميركية، كما ترى غرينفيلد التي تقول "إن نجاح الصين في مسعاها يتوقف على انسحابنا المستمر"

الأمر ذاته برز في موقفها من الأوضاع في ليبيا، فقد قالت إن العملية السياسية الليبية تقدّمت بشكل كبير خلال الأشهر الستة الماضية، وبخاصة خلال الأسابيع الستة الماضية. معتبرة أن “ليبيا خطت خطوات هائلة إلى الأمام”. ورسمت غرينفيلد ثلاثة محددات كخطوات رئيسية من أجل السلام الدائم في ليبيا، هي الوحدة والشفافية والانتخابات الحرة والنزيهة.

أما حول اليمن، وخاصة بعد تراجع إدارة بايدن عن تصنيف الحوثيين كجماعة إرهابية، ثم عودتها إلى معادلة وسط في هذا الشأن، فقد أعلنت غرينفيلد أن وقف إطلاق النار وتحقيق السلام في هذا البلد لن يكونا ممكنين، إذا واصل الحوثيون هجماتهم اليومية ضد الشعب اليمني والمملكة العربية السعودية. وأضافت خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي أنه “يجب على جميع أطراف هذا الصراع التوقف عن القتال، فالسلام هو الطريق الوحيد إلى الأمام”. منذرة بأن “الموت والعنف يجب أن يتوقفا”.

وكشفت غرينفيلد أن بلادها “تقوم حالياً بتكثيف دبلوماسيتها من أجل إنهاء الحرب وتعمل بلا كلل، بالتنسيق الكامل مع المبعوث الأممي الخاص مارتن غريفيث، لتهيئة الظروف للأطراف للتوصل إلى وقف لإطلاق النار وإنهاء النزاع عن طريق التفاوض”. مطالبة بعدم “تجاهل الكارثة الإنسانية المتفاقمة في اليمن”. وهذه العودة الأميركية من خلال وجه أميركا في الأمم المتحدة وعبر الملفات الشرق أوسطية المعقدة الثلاثة، تمثل خطوات متقدمة تلي الحذر الذي مضت عليه السياسة الخارجية الأميركية خلال الفترة الماضية.

صاحبة الخبرة الطويلة

الظروف الدولية السيئة، والحاجة لدور أميركي أكثر قوة في ملفات العالم وصراعاته، عوامل تضع غرينفيلد في حرج كونها المطالبة أكثر من الجميع بأعلى درجات الدقة في الأداء
الظروف الدولية السيئة، والحاجة لدور أميركي أكثر قوة في ملفات العالم وصراعاته، عوامل تضع غرينفيلد في حرج كونها المطالبة أكثر من الجميع بأعلى درجات الدقة في الأداء

الدبلوماسية السمراء المخضرمة، أو “أمل واشنطن” كما يصفها البعض، صاحبة خبرة طويلة تمتد لأكثر من 35 عاماً من العمل في الحقل الدبلوماسي، جالت خلالها أربع قارات الأرض. هناك من يعوّل على دورها في استعادة الدور الأميركي الأممي في ضوء التحولات التي يشهدها وقد يشهدها العالم خلال الفترة القادمة، لإعادة تشكيل دور الولايات المتحدة عالمياً والانغماس في ملفات أكثر تعقيداً، على رأسها ملفا الصين وإيران.

ولدت غرينفيلد عام 1952 في بيكر بولاية لويزيانا، وعاشت طفولتها في فترة تخللها توتر عنصري أوائل الخمسينات، أتمت مرحلتها المدرسية في مدارس منفصلة بالولاية، ومن ثم تابعت دراستها الجامعية الأولى في جامعة الولاية أيضاً إلى أن حصلت على شهادة الحقوق فيها، والماجستير بالآداب من جامعة ويسكونسن – ماديسون، وعملت كموظفة في جامعة بوكنل قبل أن تتلحق بالعمل في وزارة الخارجية مطلع الثمانينات، ضمن مجموعة انتقائية ضمت متطوعين سابقين في فرق السلام ومحاربين قدامى في الجيش. خدمت بعد سنوات قليلة في الوزارة كمساعدة لوزير الخارجية للسكان وللاجئين وشؤون الهجرة، ومن ثم سفيرة لبلادها في جمهورية ليبيريا، وكانت قد شغلت مناصب خارجية عديدة لدى البعثات الأميركية في جنيف وباكستان وكينيا وغامبيا ونيجيريا وجامايكا، لتعود مجدداً إلى العمل في مقر الخارجية بواشنطن وتتولى منصب مدير عام الخارجية وإدارة الموارد البشرية.

حين تولت مهام مساعدة وزير الخارجية للشؤون الأفريقية، قادت السياسة الأميركية في جنوب الصحراء الأفريقية في فترة عصيبة واجهت فيها القارة السوداء تفشي مرض إيبولا على نطاق واسع في غرب أفريقيا، غير أن إدارة الرئيس ترامب أنهت خدماتها، لتعود وبقوة في نوفمبر الماضي مع تسميتها كعضو متطوع في فريق الرئيس بايدن.

عرفت غرينفيلد وسط الكثير من الزملاء الدبلوماسيين الأجانب بـ “دبلوماسية الجامبو” في إشارة بحسب أصدقاء لها إلى طبق الكاجون الذي كانت كثيراً ما تعدّه لنظرائها في مناسبات مختلفة، من باب إزالة الحواجز الرسمية بينها وبينهم، لاسيما خلال المباحثات الدبلوماسية.

الاتهام بالميل إلى الصين

عند موافقة مجلس الشيوخ على ترشيح بايدن لها، أعنلت وزارة الخارجية الأميركية في بيان لها أن “اختيار غرينفيلد يعزز التزام الرئيس بايدن باستعادة وتوسيع القيادة الأميركية على المسرح العالمي، والسفيرة غرينفيلد دبلوماسية متمرسة ملتزمة بالقيم الأميركية، وهي الخيار الصحيح لإعادة بناء مكانة أمتنا في الأمم المتحدة”.

رغم المناخ الإيجابي الذي رافق قدوم بايدن، إلا أن غرينفيلد واجهت اختباراً قاسياً خلال فترة ترشيحها للمنصب، وصحيح أنها حصلت على الأغلبية المطلوبة من أصوات أعضاء مجلس الشيوخ الـ100، إلا أنها نالت 63 صوتاً مقابل 19 صوتاً رفضوا تعيينها.

غرينفيلد تدعو إلى تطوير شراكات قوية، إلا أنها تحذر في الوقت ذاته من أنه إذا ابتعدت أميركا عن طاولة القضايا الدولية، فإن ذلك سيسمح للدول الأخرى، ذات وجهات النظر المختلفة، بأن تملأ الفراغ

وجاءت أغلبية الأصوات المعارضة لتعيينها من أعضاء الحزب الجمهوري، مشيرين بذلك في اعتراضهم إلى خطاب لها في عام 2019، في معهد “كونفوشيوس” الذي تموله بكين في مدينة سافانا بولاية جورجيا، رأوا فيه أنه يحابي الصين، وهو الاعتراض الذي ردت عليه غرينفيلد ومؤيدوها مستشهدين بعملها الدبلوماسي لعقود سعت خلالها لتعزيز نفوذ بلادها ومواجهة الصين، متعهدة في جلسة الاختبار أمام مجلس الشيوخ بالتصدي لما سمتها بـ”الأجندة الاستبدادية” للصين بكل الوسائل المتاحة.

وكانت غرينفيلد قد أكدت في كلمتها في جلسة الاستماع أمام مجلس الشيوخ على أن “الدبلوماسية الفعالة تعني أكثر من المصافحة وتنظيم التقاط الصور التذكارية”، محددة  لذلك مجالات ثلاثة. قالت “أولاً يجب أن تكون قيادتنا متجذرة في قيمنا الأساسية: دعم الديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان العالمية، وتعزيز السلام والأمن، إلى جانب التحلي بالشجاعة للإصرار على الإصلاحات التي تجعل الأمم المتحدة أكثر فعالية”، وهذا يتطلب، بحسب قولها، السعي إلى تطوير شراكات قوية، إلا أنها تحذّر في الوقت ذاته من أنه إذا ابتعدت أميركا عن طاولة القضايا الدولية، فإن ذلك سيسمح للدول الأخرى، ذات وجهات النظر المختلفة للغاية، بأن تملأ الفراغ.

الصين تعمل عبر منظومة الأمم المتحدة لقيادة أجندة استبدادية تتعارض مع القيم الأميركية، كما ترى غرينفيلد التي تقول “إن نجاح الصين في مسعاها يتوقف على انسحابنا المستمر”، مؤكدة أنها لن تسمح بذلك. ووعددت غرينفيلد أنها تنوي حشد القوة الكامنة للدبلوماسية الأميركية للعمل من أجل تحقيق تلك الأهداف، مضيفة أنه عندما تكون أميركا متواجدة وفعالة و”نكون متسقين ومثابرين، ونمارس دورنا ونفوذنا وفقاً لقيمنا، يمكن حينها أن تكون الأمم المتحدة مؤسسة لا غنى عنها لتعزيز السلام والأمن ورفاهنا الجماعي، وهذا ما سأعمل عليه”.

التقارب والتباعد

تلويح بايدن بشروط دقيقة للعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، تواكبه غرينفيلد بالقول إن بلادها مستعدة للعودة إلى الاتفاق النووي إذا وفت إيران بشكل كامل بالتزاماتها. غير أنها تحسم الموقف بالقول "إيران لن تحصل أبدا على سلاح نووي"
تلويح بايدن بشروط دقيقة للعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، تواكبه غرينفيلد بالقول إن بلادها مستعدة للعودة إلى الاتفاق النووي إذا وفت إيران بشكل كامل بالتزاماتها. غير أنها تحسم الموقف بالقول "إيران لن تحصل أبدا على سلاح نووي"

وسط تلويح بايدن بشروط دقيقة للعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، أكدت غرينفيلد أن بلادها مستعدة للعودة إلى الاتفاق النووي إذا وفت إيران بشكل كامل بالتزاماتها. وقالت “لقد ذكرنا بشكل لا لبس فيه أن إيران لن تحصل أبدا على سلاح نووي، ونحن قلقون من أنها تبتعد عن الامتثال لالتزاماتها النووية، وكان هذا هو الحال منذ انسحاب الإدارة الأخيرة من خطة العمل الشاملة المشتركة”.

ولم تتردّد غرينفيلد بتوجيه أصابع الاتهام إلى طهران ووكلائها بشن هجمات على المصالح الأميركية في العراق، ما استدعى رداً من سفير طهران في الأمم المتحدة مجيد تخت روانجي الذي قال إنّ “المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة حاولت اتهام الجمهورية الإسلامية الإيرانية بدعم ما سمته مجموعات ميليشيا غير حكومية في العراق، لكننا نرفض هذا الاتهام بشكل حازم”.

تلعب غرينفيلد على جميع الأوتار في الوقت ذاته، ففي حين تناكف إيران التي تدعم حماس، تعلن أمام مجلس الأمن عن تقديم مساعدات عاجلة للفلسطينيين بقيمة 15 مليون دولار، واصفة إياها بأنها “ضرورية، وهي جزء من التزامنا المتجدد تجاه الشعب الفلسطيني، مما سيجلب المزيد من الاستقرار والأمن لكل من الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء”. في أول إعلان لإدارة بايدن تقديم مساعدات من هذا النوع للفلسطينيين، منذ تجميدها في عهد ترامب.

غير أن غرينفيلد، التي بشّرت بإعادة العلاقات مع الفلسطينيين، أكدت أن بلادها ستعمل على إيجاد طرق فورية وملموسة “لضمان مستقبل إسرائيل كدولة ديمقراطية ويهودية”، داعية طرفي الصراع إلى الامتناع عن “جميع الإجراءات الأحادية الجانب التي تجعل تحقيق حل الدولتين أكثر صعوبة”.

في ظل المتغيرات الجذرية التي يشهدها العالم تواجه غرينفيلد مهمات شاقة وصعبة، على ضوء الملفات الشائكة والمعقدة التي تحتاج إلى فريق مخضرم، ملفات من نوع الحرب التجارية وكوريا الشمالية، إلى جانب العلاقات مع الشريك الأوروبي بما يتصل بإحياء حلف شمال الأطلسي.

يقع على عاتقها إنجاح التوجه الجديد الذي سيكون بمثابة امتحان لها، وفرصة كبرى لتسويق نهج الإدارة الجديدة على عكس ما كان متبعاً زمن ترامب حيال الشؤون العالمية، وبالتالي سيتوجب على السيدة السبعينية أن تعمل من يومها الأول على الأولويات التي سيضعها الرئيس بايدن ووزير خارجيته في محفظتها، لحملها معها أينما توجهت، إلى جانب المخاوف الدائمة من الجوع والفقر حول العالم، واللذين تفاقما بسبب جائحة كوفيد – 19.

الظروف الدولية السيئة، وحاجة العالم لدور أميركي أكثر قوة ونفوذاً في ملفات العالم وصراعاته التي لا تنتهي، كل تلك العوامل تضع غرينفيلد في وضع حرج، فهي الأكثر مطالبة بأعلى درجات الدقة في الأداء، لما تتمتع به من خبرة وكفاءة إدارية وقانونية وسياسية اكتسبتها عبر مسيرتها الطويلة والانخراط والتعامل الدبلوماسي الإيجابي خلافاً لزميلتيها السفيرتين اللتين سبقتاها في هذا الموقع، خلال السنوات الأربع الماضية، نيكي هيلي وكيلي كرافت.

ويبقى السؤال هل سيكون فعلا بمقدور غرينفيلد بالشراكة مع بلينكن إعادة الحيوية للدبلوماسية الأميركية ومنع الخارجية من الانهيار من خلال تبني نظرية الإصلاح الدبلوماسي؟ لاسيما وأنها صاحبة نظرية “الاستثمار الذكي والمستدام في الناس هو مفتاح الدبلوماسية الجيدة”؟

12