ليندا هتشيون إيطالية كندية ترصد سياسات عصر ما بعد الحداثة

السبت 2016/05/28
ليندا هتشيون الباحثة عن الإثنية المتخفية والهويات المستبدلة

أبوظبي- الكندية ليندا هتشيون هي الأكثر شهرةً من بين منظري ما بعد الحداثة في العالم اليوم. صديقة إدوارد سعيد، والمفكرة التي شرحت ظواهر الباروديا والمفارقة والجماليات، بدءاً من الأدب ووصولاً إلى العمارة والفلسفة.

كتابها المثير والمشترك مع زوجها الطبيب مايكل هتشيون، والذي تناول التمثيل الجمالي والإيروتيكي للمرض عند بطلات الأعمال الأُوبرالية، يعتبر كتاباً غير عادي. حيث كانت ترصد في أعمالها دور وسائل الإعلام التي أخذت تميز بين الأبرياء والضحايا، في ما يعتبر حكمًا أخلاقيًا. من أحدث كتبها “حافة السخرية: نظرية وسياسات السخرية” وكتابها الهام "سياسة ما بعد الحداثية".

طمس الهوية

تقول هتشيون “عندما تغيرت كنيتي من ‘بورتولوتي’ إلى ‘هتشيون’ تغيرت تفاعلاتي الثقافية والسياسية ضمن محيط أنكلوساكسوني مسيطر. فقط تم طمس هويتي الإثنية وإسكاتها، إلا في الأحيان التي كنت أنطقها باختياري، حينها تعلمت بأن هذا درس لا ينسى في بناء المفاهيم الإثنية. ومثلي هناك العديد من مدرسات الإنكليزية الإيطاليات المتخفيات من أمثال: كاثي (نوتاري) دافيدسون، وماريانا (دي ماركو) تورغوفينتش، وساندرا (مورتارو) غيلبرت. ما لم نكن نشترك فيه، على أيّ حال، هو الجنسية. فجميعهن إيطاليات أميركيات، أما أنا فإيطالية كندية. ولهذا السبب ربما كانت لي تجربة إثنية (مع تجربة إخفائها) مختلفة إلى حد ما عن تجاربهن”.

هتشيون ترى أن الكنديين ربما كانوا بريطانيين، أو صينيين، أو طلياناً، أو باكستانيين، أو صوماليين، ودون أيديولوجيا جرن الانصهار، و “جرن الانصهار” مقولة أخذها علماء الاجتماع من عنوان مسرحية للكاتب اليهودي البريطاني إسرائيل زانغويل. ودون هوية قومية تعددية تلمّ شملهم، أي نموذج محدد رسمياً للتعددية الثقافية.

هذا النموذج كانوا يستعينون به لبناء إحساسهم بذواتهم في الأمة. وقد بدأت تدرك وذلك للمرة الأولى، التداعيات السياسية المختلفة لكلمة “متعدد الثقافات” في كندا والولايات المتحدة الأميركية، خلال فترة سميت بحروب الثقافة. بينما تكررت في الولايات المتحدة إدانة التعددية الثقافية، التي نظر إليها كإعادة ترتيب الهوية القومية الناتج عن الخسارة التي تم إدراكها لثقافة مفردة مشتركة. وغالباً ما استخدم المصطلح هناك بمعنى أضيق بغية تعريف الأيديولوجيا المسيطرة على حرم الكليات والجامعات، التي يقال بأنها لُوثت بالتصحيح السياسي.

هتشيون ترى أن الكنديين كانوا يستعينون بـ"جرن الانصهار" لبناء إحساسهم بذواتهم في الأمة، وسط التداعيات السياسية المختلفة لكلمة "متعدد الثقافات" خلال فترة سميت بحروب الثقافة في كندا والولايات المتحدة الأميركية

حملات الهتاف الإثني

لم يكن دينيش ديسوزا مؤلف كتاب “أميركا.. تخيلوا العالم من دونها” وهو الأميركي ذو الأصل الهندي، الوحيد الذي أقلقته “حملات الهتاف الإثني” المتضمن في تغييرات مناهجية معينة. كان الباحث الإثني هنري لويس غاتس. ج. آر قد عبّر، هو الآخر، عن همومه التي تتعلق بالشوفينية الإثنية الكامنة في الأكاديمية متعدّدة الثقافات. وقد أزعج بعض الدارسين أن سياسات التعددية الثقافية في ما يتعلق بالاختلاف، ربما كانت وببساطة شديدة أسلوباً آخر من السيادة البيضاء. أما آخرون فقد نبهوا إلى مخاوف ذات صلة، بأن الاهتمام بالدراسات الإثنية، سيسقط من الحساب الوقائع التاريخية للعرق من خلال استخدام النموذج الأوروبي المهاجر، على أنه حكاية الاختلاف الرئيسية.

ورغم ذلك، سرعان ما توسّعت في الولايات المتحدة تداعيات كلمة التعددية الثقافية وخرجت من إطار العرق والإثنية لتضم مواضيع، كالجندر والخيار الجنسي، وأحياناً الطبقة.

خلافاً لذلك، كما تعتقد هتشيون، لم تكن التعددية الثقافية في كندا مسألة تخص سياسات حرم الجامعات أو القانون الكنسي ولم تعتبر قضية قانونية تعنى بتحديد الذات القومية. إن إدراك الكنديين لذواتهم محدد قسرياً في جانب منه بدلالته كمفهوم تعددي أكثر من دلالته كمفهوم مفرد.

وقد ظهر الاستخدام المبكر لمصطلح متعدد الثقافات في تقرير اللجنة الملكية لثنائية اللغة وثنائية الثقافة عام 1970 وقد جاء تحت عنوان “الإسهام الثقافي للمجموعات الإثنية الأخرى”. وقصد بالمجموعات الإثنية الأخرى، كل من لم يكن من أهل البلاد الأصليين.

ومن هذا التقرير جاء بيان سياسة 1971 على لسان بيير إليوت ترودو رئيس وزراء كندا. وفي عام 1988 صدر مرسوم حماية وتعزيز التعددية الثقافية في كندا. أما الميثاق الكندي للحقوق والحريات فقد أكّد على الالـتزام بحماية الإرث القومي متعدد الثقافات.

ربما كانت هذه التدابير القانونية نموذجية للمجتمع السياسي الكندي، والذي وصفه الفيلسوف السياسي الكندي تشارلز تايلور بأنه “أكثر التزاماً بالتدابير الجماعية مقارنة مع المجتمع الأميركي الذي يعطي الثقل الأكبر للمبادرة الفردية”. ففي الكيبك الفرنسية كما في كندا الإنكليزية متعددة اللغات، يوجد “العديد من طرق الانتماء” والتي يدعوها تايلور “التنوع العميق” .

الإثنية تعتبر شيئا تمت إعادة اكتشافه وتأويله مع كل جيل ومن قبل كل فرد، فالإثنية ليست مجرد شيء يمرر من جيل إلى جيل، ويتم تلقينه واكتسابه، بل هي شيء ديناميكي. وغالبا ما تفشل محاولات كبحه أو تجنبه

وليس من المصادفة أن رئيس الوزراء الأسبق ترودو، الخصم الفيدرالي العنيف لانفصال الكيبك، هو من صاغ البيان السياسي حول التعددية الثقافية في بداية سبعينات القرن العشرين. فتغيير صورة كندا الذاتية من الثنائية الثقافية، إلى التعددية الثقافية، هو ببساطة ليس اعترافاً بالواقع الديموغرافي، بل هو غرض سياسي وفي عيون بعض الناس، نتيجة سياسية.

وفي ليلة الاستفتاء على الاستقلال عام 1995، عبر رئيس وزراء الكيبك، جاك باريزو عن أساه لتدمير فرصة الكيبك (الفرنسية) باتجاه الاستقلال، بما قد أشار إليه بالقول “المال والتصويت الإثني”.

وليس من قبيل المصادفة أيضاً بأن سياسات التعددية الثقافية القومية قدمت في الوقت ذاته الذي كانت فيه الكيبك تطور خطابها في إقصاء الاستعمار، هذا الخطاب المستمد من المنظرين الفرانكوفونيين مثل فانون، وبالنسبة إلى البعض ما تزال هذه السياسات تنشط كعوائق ضمنية للاعتراف بمطالب الكيبك الفرنسية: الاستقلال ومزاعم السكان الأصليين بالأرض، ورغبتهم بالحكم الذاتي.

بيع الأوهام التعددية

الروائي نيل بيسونداث ترى هتشيون أنه كان قد أعلن عن نفسه بأنه كندي مندمج، معبّراً عن اعتراضات أخرى على التعددية الثقافية كسياسة حكومية رسمية. ففي كتابه “بيع الأوهام دين التعددية الثقافية في كندا” كتب نيل بأنه لا يشعر وكأنه جزء من المجتمع الترينيدادي في كندا. حتى أنه انتقل من أنديانا الغربية ليبدأ حياة جديدة، وليوسّع آفاقه، وليمضي خارج حدود إرثه الثقافي.

ومع ذلك لم يصل كل المهاجرين الكنديين بكل هذه الخيارات، والآمال، فلقد عانى الكثير منهم من إحلال الهجرة المفروضة. إن سهولة حالة المثاقفة التي اختبرها نيل، يسّرتها السياسة التي هاجمها، فقبل عام 1971 كانت كندا أيّ شيء إلا أن تكون مضيافة للمهاجرين، وخصوصاً لمن هم من غير البيض. على أيّ حال كان نيل يستجيب ولو جزئياً إلى فكرة تدخل الحكومة في الإثنية والثقافة، التي اعتبرها مسألة شخصية، وإلى اختصار الفروقات العرقية والإثنية إلى مجرد فولكلور مُمَأسس مدعوم كمنحة، أو إلى ما هو أسوأ من ذلك، إلى عروض ومهرجانات طعام إثنية.

لقد تآمر التاريخ والجغرافيا في خلق مقاطعات إثنية في كندا. وخلافاً للولايات المتحدة، لم تجرب كندا الدافع باتجاه الغرب، انطلاقاً من البداية الأطلسية. بدلاً من ذلك، تعتبر كندا أرخبيلاً مفككاً أقرته جماعات أوروبية متنوعة بوصفه جزيرة واحدة في وقت من الأوقات، بتقنيات واقتصاديات مختلفة، دون ذكر العادات واللغات. والنتيجة كانت “شبكة كثيفة من العادات المحلية والمتماثلة صهرت عناصر الأسس الإقليمية المختلفة وذلك لتأسيس شعوب في ثقافات فولكلورية مميزة”.

يخشى بعض الكنديين أن يتم تشييء هذه الثقافات وتحويلها إلى رقع هوية نهائية إلزامية، وبأنه وكنتيجة للسياسية القومية للتعددية الثقافية “ستصبح السلالات العائلية.. أو النزعة البيولوجية” مصطلحات محددة للذاتية.

هتشيون تقول إن هناك إصراراً من قبل الحداثيين على إحداث التغيرات الجذرية دون الاعتراف بالثمن الذي يجب دفعه مقابل المواقف الأكثر تطرفًا للمفكرين الحداثيين

الهوية القومية

إن الإجابة المحتملة الوحيدة على المصالح التي تتعلق بالتشييء، هي أن أيّ معنى من معاني الإثنية محكوم ليتم ترتيبه بشكل مختلف في مكان جديد، وذلك بسبب التغيرات الحتمية التي تأتي بالإحلال: ويكمن التجلي الخارجي لهذه السيرورة في العوز الحاصل في التشابه الثقافي الذي تحمله تورونتو (إيطاليا الصغيرة اليوم) لتقدمه إلى إيطاليا الكبرى في أواخر تسعينات القرن العشرين.

السبب وراء هذا التعارض هو في أن الحياة الإنسانية تتصف بأنها قائمة على الحوار؛ فهي قد تشكّلت فيما يتصل بالآخرين والعادات الأخرى.

تعتبر الإثنية شيئاً تمت إعادة اكتشافه وتأويله مع كل جيل ومن قبل كل فرد، فالإثنية ليست مجرد شيء يمرّر من جيل إلى جيل، ويتم تلقينه واكتسابه، بل هي شيء ديناميكي، وغالباً ما تفشل محاولات كبحه أو تجنبه، حتى من قبل الإثنيات المتخفية التي تظهر محاولاتها على الملأ، هذه المحاولات التي تسعى لتجنب إثنياتها وكبحها، دون أن يتنبه إليها أحد.

هتشيون تصف بعض الكندنيين بأنهم يندبون غياب أيديولوجيا جرن الانصهار التوفيقية التي تهدف، نظرياً على الأقل، إلى تجاوز الاختلاف باسم الهوية القومية. وبدلاً من ذلك فقد تم تدعيم الاختلاف على الصعيد الرسمي. وبقيت هناك معضلة رئيسية تلازم هذا الشكل من التعددية الثقافية وهي كيفية احترام الاختلاف دون أن نؤيد مفاهيم النقاء الإثني والأصالة التي قادت إلى الصراعات المدنية في مناطق أخرى من العالم.

إن الحوار المبني على الإقرار المتبادل بالآخر، أي الحوار المبني على إثنية كل شخص، ما هو إلا أحد النماذج للتعامل مع الصدامات التي يتعذر تجنبها ومع عملية تداخل الحضارات. ففي لقاء الحضارات تحيا الإثنية.

وبوصفها كندية إيطالية من الجيل الثاني تعيش في مدينة متعددة الأعراق والإثنيات، تقول هتشيون إنها لا تشعر إطلاقاً بأنها “واقعة بين تجربة الضياع وبين كوني قد أصبحت شخصاً آخر في شبكة من الخانات الثقافية القديمة والجديدة. فبالنسبة إليّ، لدى الإثنية الكثير مما تفعله مع سيرورة المرجعية المشتركة بين تقليدين ثقافيين أو أكثر، وليس فقط مع التقليدين اللذين حملت اسميهما”.

جلد الأسد

لا تتعب هتشيون من اللحاق بظاهرة التعددية في أعمال الكتّاب والمفكرين، تقول “لقد رأيت في الأدب المقارن الأمل في تعلّم احترام الاختلاف بالإضافة إلى تشجيع الحوار الثقافي. ربما بدا من السخريات الغريبة في الحياة أن أصبح من الإثنيات المتخفّية في الوقت الذي اخترت فيه مجالي وميدان بحوثي. ومع ذلك وجدتني أفقد مؤشر هويتي الإثنية التي تنعتق تارة وتضيق تارة أخرى”.

هتشيون تعتقد أن هناك إصرارا من قبل الحداثيين على إحداث التغيرات الجذرية دون الاعتراف بالثمن الذي يجب دفعه

في سبعينات القرن العشرين كان اسم هتشيون شكلاً من أشكال ترتيب الألوان الوقائي، تتابع الإيطالية الكندية “لقد مكّنني ذلك من فرض نفسي كمعلمة للإنكليزية بالمعنى الإثني. ولكن في تسعينات القرن العشرين تبدلت الأشياء بشكل كبير. والآن أجدني أعيش في ثقافة تمتزج فيها رسمياً. نجد ذلك في القانون وفي معظم المواقف السياسية والاجتماعية. اختلافات القيم وتنوع وجهات النظر الإثني تمتزج بالكبرياء أكثر مما تمتزج بالتسامح البسيط. إن التعدد الثقافي النشط في كندا ليس يوتوبيا بالطبع. فالعرقية والتعصب لا ينتهيان بسبب السياسات الرسمية. لكن وفي العشرين عاماً الماضية، كفّت الإثنية المتخفية عن لعب دور القناع الواقي لعملية التمثّل الذي لعبته في السابق وذلك لأسباب عالمية ومحلية، فعالم تسعينات القرن العشرين متعدد الإثنيات الموزّع يسمح بهويات ما بعد حداثية متعددة”.

مع هتشيون لا يتوقف الاكتشاف. تصل إلى الروائي السيرلانكي الكندي مايكل أونداتجي الذي تقول إنه يقدم في روايته “جلد الأسد” استعارة مرئية مذهلة على الإثنية المتخفية في مشهد نرى فيه رجلاً كندياً إيطالياً يثير اسمه الإيحاءات.

لقد زج به في السجن بتهمة السرقة وهناك يعلم بأن اسمه حامل لإثنيته، وجاذب للاحتقار والإهانة. فهم يطلقون عليه فوب داغو وتعني داغو الإيطالي أو المكسيكي في الولايات المتحدة، أما فوب فتعني الغندور الذي اعتقل في صقلية خلال عمليات الاحتلال ونقل إلى الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر. وكانت إحدى مهامه في السجن أن يطلي سقف الٍإصلاحية باللون الأزرق، وبهذا كان يمضي حياته بسخرية لاهثاً وراء مهنته التي تحمل اسمه. يدرك كارافاجيو بطل الحكاية أنه بدأ يفقد إحساسه بالحدود بين السماء الزرقاء والسقف الأزرق أثناء عمله. ومع هذا الإدراك يأتي إحساس بالتحرر والقدرة. لا يربح السراب المرئي للحرية، بل ينجو بنفسه، عندما يقنع أحد زملائه في الإصلاحية وذلك عبر فعل إخفاء ذاتي ذكي أن يطليه باللون الأزرق حتى تمّحي الحدود بينه وبين السقف من جهة وبينه وبين السماء من جهة أخرى.

ما بعد الحداثة والجماهيرية

تقول هتشيون إن هناك إصراراً من قبل الحداثيين على إحداث التغيرات الجذرية دون الاعتراف بالثمن الذي يجب دفعه مقابل المواقف الأكثر تطرفًا للمفكرين الحداثيين مثل الفاشية، والمستقبلية، والبدئية، والفوضوية، وغيرها.

كما أنها تتشكك، حسب الكاتبة والمترجمة الفلسطينية أماني أبو رحمة، بفاعلية المشاريع النخبوية الحداثية في أن تؤسس لنقدٍ سياسي. أما إذا كان هناك ما يميّز ما بعد الحداثة عن الحداثة فإنه وفقا لهتشيون علاقة ما بعد الحداثة بالثقافة الجماهيرية. ففي حين تعرِّف الحداثة نفسها من خلال استبعاد الثقافة الجماهيرية، إذ دفعها خوفها من التلوث بثقافة الاستهلاك المتنامية من حولها إلى تبني منظورٍ حصري ونخبوي فيما يتعلق بالجماليات والشكلانية واستقلالية الفن، فإن أعمال ما بعد الحداثة لا تخشى التفاوض مع “العلاقات المختلفة الممكنة (التواطؤ أو النقد) بين أشكال الثقافة العالية والشعبية”.

13