لينكد إن هل سيجني المستخدمون ثمار بيع بياناتهم؟

السبت 2016/07/09
شبكة الأعمال والمعلومات الكبرى تبتلعها مايكروسوفت

إسطنبول - ماذا ستفعل إن عرفت بأن قيمة اشتراكك على شبكة للتواصل الاجتماعي مثل “لينكد إن” هي 60 دولارا تقريباً؟ أنت لن تدفع هذا المبلغ، وبالتأكيد لن يدفعه أحد لك، لأنك مجرد مشترك، من مجموع يبلغ قرابة الـ450 مليون مشترك. كذلك لن يحصل أيّ من هؤلاء المشتركين على حصته من قيمة الشبكة التي بلغت 26 مليار دولار في صفقة شرائها التي أبرمتها مجموعة مايكروسوفت.

سوق الرقميات

ولكن مهلاً. هل مجرد وجودك على الشبكة هو ما يمنح اشتراكك هذه القيمة المادية التي ستتضاعف مع الأيام؟ أم أن نشاطك عليها، وقائمة أصدقائك، وتفضيلاتك، واهتماماتك، وقبل كل هذا معلوماتك الشخصية هي ما يستحق أن تقدم الشركة على المغامرة في الصفقة الأعلى قيمة في تاريخ سوق الرقميات في العالم؟ ربما كنت لا تعرف الإجابة على هذا السؤال، ولكن ربما لو فكرت بحجم الرقم الذي تم دفعه والذي يوازي ميزانية دولة كاملة، فإنك ستقرر مراجعة كل ما تفعله على شبكات التواصل الاجتماعي، لتبحث في خلفيات كل الخدمات المجانية المتاحة عليها، ولتنظر في الأساليب المتبعة فيها لجعلك سلعة يسيل لعاب المستثمرين من أجلها.

المسألة هنا لا تتعلق فقط بالسوق الإعلانية التي يتم تقسيط حضورها على صفحتك الشخصية تبعاً لاهتماماتك، بل تتسع أكثر لتصل إلى دراسة الأنماط السلوكية التي تتّبعها أنت وكذلك المشتركون الآخرون المبعثرون في كل أنحاء العالم. وطبعاً لا يخلو الأمر من سعي جهات غير تجارية كثيرة للحصول على المعلومات الشخصية لكل من دخل على شبكة الإنترنت وقام بالاشتراك بإحدى شبكات التواصل الاجتماعي.

ولكن لـ”لينكد إن” خصوصيته، التي ترفع من قيمة أسهمه في السوق، حتى وإن كان وضعها قبل الصفقة متعثرا قليلاً، فهو ليس مجرد شبكة تواصل اجتماعي، بل شبكة هائلة من المعلومات الاقتصادية والتجارية واللوجيستية لا تقدر بثمن، طالما أن المهتمين بهذه القطاعات، يدفعون الكثير من أجل أن يوسعوا قاعدة البيانات الخاصة بسوق العمل، وتوزع الخبرات، فكيف إذا كانت متركزة في هذه الشبكة التي تتيح للمشترك أن يعرض ملفه الشخصي أمام الشركات التي تبحث عن موظفين، وأن يخاطب مسؤولي التوظيف فيها، فهل كان كل ما سبق هو السبب في هذه الصفقة الهائلة؟

الصفقة

قبيل منتصف شهر يونيو الماضي ومن دون حملة إعلامية تمهيدية ظهر خبر استحواذ مايكروسوفت على شركة “لينكد إن” مقابل 196 دولاراً للسهم في صفقة تقدر قيمتها بحوالي 26.2 مليار دولار.

ما هي شبكة "لينكد إن"؟
“لينكد إن” ليس شبكة تواصل اجتماعي عادية، بل هو شبكة مخصصة للتواصل المهني قام بتأسيسها ريد هوفمان في ديسمبر من العام 2002 مع اثنين من زملائه، وتم إطلاق الموقع في الخامس من مايو سنة 2003 كأول موقع تواصل اجتماعي متوجه نحو الأعمال.

وبحلول شهر نوفمبر من سنة 2014 كان لـ”لينكد إن” أكثر من 332 مليون مستخدم في أكثر من 200 مدينة ومقاطعة.

ووفقاً لمجلة فوربس فإن “لينكد إن”، ولحد كبير هو “موقع التواصل الاجتماعي الأكثر تميزاً المتاح للباحثين عن وظيفة ولرجال الأعمال إلى اليوم”.

وقد حدد المتابعون لشؤون شبكات التواصل الاجتماعي الميزات التي تدفع المستخدمين إلى اعتبار هذه الشبكة مهمة بالنسبة إليهم، عبر عرضهم للوظيفة التي تؤديها، فهي تحمل ذات الميزات التقليدية من ناحية “تعزيز العلاقات مع أولئك الموجودين في قائمة الاتصالات، إضافة إلى ذلك يمكن استخدامها للتعرف على أشخاص آخرين ومعرفة المزيد عنهم من خلال الاتصال المتبادل”.

وكذلك يمكن للمستخدمين أن يضيفوا صورهم الشخصية، ومشاهدة صور المستخدمين الآخرين للمساعدة في تحديد الهوية.

ولكن القيمة المضافة للشبكة تأتي من تمكن المشتركين فيها من تحميل سيرهم الذاتية، وترتيب ملفهم الشخصي بعرض وإبراز أعمالهم وخبراتهم. وبالتالي فإنه يمكن استخدام الشبكة لإيجاد وظائف، أو أشخاص، أو فرص عمل ينصح بها شخص ما في قائمة التواصل.

ومن جهتهم يستطيع أصحاب العمل وضع قائمة بالوظائف المتوفرة لديهم والبحث عن مرشحين محتملين ومناسبين لها. وهنا يمكن الالتفات إلى الجانب التفاعلي في الشبكة حيث يتمكن الباحثون عن عمل من استعراض الملفات الشخصية لمديري التوظيف في الشركات، وهم طبعاً يستطيعون متابعة شركات مختلفة والحصول على إشعارات بجديد تلك الشركات.

موقع “لينكد إن” بات ومنذ فترة قريبة متوفراً في سبع لغات هي الإنكليزية، الفرنسية، الألمانية، البرتغالية، الإيطالية، الإسبانية والعربية. ورغم أن المعلومات تقول بأن الرؤساء التنفيذيين لـ500 شركة كبرى موجودون فيه، وأن مشتركين جديدين ينضمان له كل ثانية، إلا أن حضوره لم يكن متساوياً في كل أنحاء العالم، فهو مستخدم في الولايات المتحدة وأوروبا بشكل جيد، وقد شهد حضوره تنامياً في الهند، بينما حازت الإمارات العربية المتحدة على أعلى نسبة من المستخدمين فيه في منطقة الشرق الأوسط.

وجاء في إعلان الخبر وبحسب مايكروسوفت، إن “لينكد إن ستحتفظ بعلامتها التجارية المميزة واستقلالها”، مشيرةً إلى أن مجلسي إدارة الشركتين وافقا بالإجماع على الصفقة. وأن تمويل الصفقة، سيكون عن طريق الاقتراض من البنوك، رغم توفر السيولة النقدية لدى الشركة.

وقال بعض المتابعين إن “الصفقة لم يعلن عنها إلا بعد أن حازت على موافقة نهائية من ريد هوفمان الشريك المؤسس لـ’لينكد إن’، ورئيس مجلس الإدارة صاحب الحصة الأكبر في الشركة، الذي أعلن مباركته لها بالقول: اليوم هو لحظة ميلاد جديد للينكد إن”.

احتاج الأمر الحصول على موافقة جيف وينر الرئيس التنفيذي الذي سيبقى في منصبه كمدير تنفيذي تحت إشراف رئيس مايكروسوفت ساتيا ناديلا الذي قال بدوره إن “فريق ‘لينكد إن’ طور شركة مذهلة ركزت على ربط المهنيين في جميع أنحاء العالم بعضهم ببعض، وإننا معا يمكننا تسريع نمو ‘لينكد إن’، وكذلك برنامج الأعمال مايكروسوفت أوفيس 365، وبرنامج دايناميكس لتخطيط موارد الشركات”.

ومنذ أن تم الإعلان عن الصفقة وجميع المتابعين لسوق عالم التقنيات يطرحون تفسيراتهم لها، فهي ليست صفقة عادية من جهة قيمتها، كما أنها لم تكن مسبوقة من ناحية الإعلان عنها. ورغم أن وضع “لينكد إن” لم يكن بالوضع الجيد في سوق الأسهم، إلا أنه لم يكن سيئاً في الوقت ذاته كي يوضع في دائرة الشركات التي تحولت إلى أهداف للشراء مثل تويتر. فقد حققت شبكة “لينكد إن” أرباحاً للسنة المالية 2015، بقيمة 3 مليارات دولار أميركي.

إلا أنها في نفس العام سجلت خسائر بقيمة 166 مليوناً. حيث اعتبر شهر فبراير الماضي الأسوأ في تاريخ الشركة منذ طرحها في البورصة عام 2011 إذ انخفض السهم في يوم واحد بنسبة 40 بالمئة ليصل إلى أدنى سعر له في ثلاث سنوات عند 101 دولار، وأدى لانخفاض القيمة السوقية للشركة إلى 11 مليار دولار بعد توقعات بنمو أقل من المتوقع في العام الحالي.

وقد اعتبر البعض أن قيمة الخسائر هو ما دفع إدارتها للقبول بالصفقة، بينما رأى آخرون أن مشكلة الشبكة لم تكن مالية فقط بل كانت تسويقية أيضاً، وبحسب تحليل سابق للباحث في شؤون التقنيات أمناي أفشكو فإن عدد مستخدمي “لينكد إن”، خلال الربع الأخير من 2015 وصل إلى 414 مليون مستخدم نشيط وذلك صعوداً من 396 مليون مستخدم نشيط خلال الربع الثالث من نفس السنة.

لكن المشكلة التي قابلت هذا الإنجاز هي انخفاض عدد المشاهدات من 38 مليار مشاهدة خلال الربع الثالث إلى 37 مليار مشاهدة أي انخفاض حجمه بمليار مشاهدة، ما يعني أن هناك مشكلة حقيقية في الشبكة من ناحية عدد الصفحات التي يزورها المستخدم لكل جلسة، وهذا يعني أن المدة التي يقضيها المستخدمون انخفضت أيضاً.

إذا كانت أغلب التحليلات السابقة تذهب للحديث عن شبكة أمان خلقتها الصفقة لصالح “لينكد إن”، فإن السؤال الطبيعي يقول “وماذا عن فوائد مايكروسوفت منها؟”.

الكاتب مارك هاشمان رتب هذه الفوائد في تقرير نشرته بي بي سي وورلد، وتداولته العديد من الوسائل الإعلامية. فهي تبدأ من أن هناك أهدافاً مشتركة تجمع بين الشركتين، فمايكروسوفت تطمح لتسويق تطبيق المساعد الشخصي لمايكروسوفت، والذي يحمل اسم “كورتانا” وكذلك خدمات أوفيس 365.

موقع "لينكد إن" يقول إن الرؤساء التنفيذيين لـ500 شركة كبرى موجودون فيه، وأن مشتركين جديدين ينضمان له كل ثانية. وهو مستخدم في الولايات المتحدة وأوروبا بشكل جيد، بينما حازت الإمارات العربية المتحدة على أعلى نسبة من المستخدمين فيه في منطقة الشرق الأوسط

يوفر “كورتانا” كما يقول هاشمان “بعض المعلومات الأساسية والمساعدة في أجندتك اليومية وتقدم اقتراحات لمساعدتك في أداء أعمالك على الوجه الأمثل، مثل الوقت الأفضل للمغادرة لتصل إلى اجتماعك في الوقت المناسب دون تأخير”، ويشرح استراتيجية مايكروسوفت لتطوير كورتانا، فهي تطمح إلى أن يصبح بإمكانها مساعدة المستخدم في كل ما يحتاجه بشأن علاقات العمل والمعلومات التي يمكن الاستفادة منها لتعزيز تلك العلاقات، وهنا وجدت ذلك الرابط القويّ الذي يجمعها بـ”لينكد إن”.

فوائد مايكروسوفت

يقول هاشمان إنه إذا كنت قلقاً بوصفك مستخدماً من أن تجمع مايكروسوفت المزيد من بياناتك الشخصية، فربما عليك حذف حسابك على “لينكد إن”. فبجانب ما تعرفه مايكروسوفت عنك بالفعل من بيانات من خلال برامجها وتطبيقاتها، من المتوقع أن يُكمِل ضم “لينكد إن” معلومات الأفراد الأكثر خصوصية من العمل والدراسة وزملاء العمل والمهارات والإحصاءات.

ويقول تقرير نشر على موقع فوكس إن مايكروسوفت ستقوم باستخدام بيانات “لينكد إن” لتقوية وتطوير تطبيقات مثل “دلف”، والذي يعتبر جزءاً من أوفيس 365، وهو ما سيسهم في تطويره، وبالتالي رفع نسبة المبيعات وخاصة على مستوى الشركة، والتي من الممكن أيضًا أن تقدم لها مايكروسوفت اشتراكات للتدريب والتعليم من خلال موقع ليندا.

وإذا أخذ بالحسبان أن عدد مستخدمي برامج أوفيس يصل في الوقت الحالي، إلى 1.2 مليار مستخدم، بالإضافة إلى 70 مليون مستخدم شهري لأوفيس 356 في عالم الأعمال، فإن إضافة 433 مليون مستخدم مسجل في “لينكد إن”، من بينهم 105 ملايين مستخدم نشط شهريا، فإن هذه الحصيلة هي ما يدفع مايكروسوفت لأن تمضي في خيارها. فهذه الصفقة هي بوابتها للدخول إلى عالم شبكات التواصل الاجتماعي وتسويق منتجاتها فيها.

14