لينين الرملي الساخر من الألم يكتب مسرحيته الأخيرة

الكاتب المسرحي المصري يحافظ على سمته كمبدع له مكانته، وصورته كفنان رائد، وصاحب مشروع أثّر في أجيال، وأولد نجوما ومبدعين.
الخميس 2019/07/11
القاهرة تكرم مُضحك الأجيال ومبكيها

“أخيرا لينين”، صاح مثقفون وصحافيون وأدباء. ولينين هذا ليس الزعيم السوفييتي العتيد، وإنما هو شخصية مصرية معاكسة وبسيطة وضاحكة وضد التسلط. ترفض الشمولية وتنفر من السلطة وتؤمن بالإنسان وتكره الحرب وتنادي بالتسامح.

لينين الرملي كاتب مسرحي مصري أعلنت الحكومة المصرية قبل أيام عن تكريمه في حياته، بعد أن رحل كتاب ومبدعون عظماء كثر دون اكتراث رسمي. وجاء التكريم من خلال إعلان وزارة الثقافة تخصيص جائزة الدورة القادمة للمسرح باسمه.

يعاني الرملي من تدهور كبير في حالته الصحية، فلم يعد يقوى على لقاء تلامذته ومحبيه، وبات يمتنع حتى عن الحديث عبر الهاتف. ومن حينها تولت قرينته الرد على الأصدقاء والكتاب والفنانين وطمأنتهم عليه، بعد تفاقم مرض تصلب الشرايين لديه إلى درجة جعلته يلازم المستشفى لعدة شهور.

زوجته فاطمة المعدول، المعروفة ككاتبة لقصص الأطفال، رفضت تحميل الحكومة مسؤولية التقصير في علاجه، وقالت للصحف إننا لم نطلب علاجه على نفقة الدولة بناء على وصيته.

لماذا لا نموت من الضحك؟

الرملي هو القائل “الحياة فرح وألم”. كُنا نود أن يكون المفتتح بما هو ممتع وفرح لكن للأسف تبدأ الحياة دوما بالألم. ويعلم أن البداية بالألم تدفع إلى المقاومة. الألم يُلزم الإنسان برد فعل مُساوٍ. ربما تكون المقاومة بالضحك والسخرية. رفضك للقبح يدفعك دفعا إلى السخرية منه والضحك عليه، وتقديم رسائل احتجاج ضد الفساد والاستبداد والجهل والتطرف والتوحش إلى ضمير الإنسان.

يقاوم الرملي حتى النفس الأخير، مُنعزلا، صامتا، صامدا، صلبا، بعيدا، عزيزا، قانعا. ويحافظ على سمته كمبدع له مكانته، وصورته كفنان رائد، وصورته كصاحب مشروع أثّر في أجيال، وغيّر عقولا وآراء، وأولد نجوما ومبدعين.

هو صاحب أجمل مسرحيات مصر التي تبقى علامات فارقة في تاريخ المسرح الحديث مثل: “انتهى الدرس يا غبي” بطولة محمد صبحي وهناء الشوربجي ومحمود المليجي وإخراج السيد راضي، مسرحية “سُك على بناتك” بطولة فؤاد المهندس وسناء يونس وشريهان، و”الهمجي” بطولة محمد صبحي وسعاد نصر وإخراج أحمد بدرالدين، و”تخاريف” بطولة محمد صبحي وهناء الشوربجي وهاني رمزي، و”أهلا يا بكوات” بطولة عزت العلايلي وحسين فهمي، و”وجهة نظر” بطولة محمد صبحي وعبلة كامل وهاني رمزي، و”سعدون المجنون” بطولة يحيى الفخراني، و”بالعربي الفصيح” بطولة وإخراج محمد صبحي، وتمثيل منى زكي وأحمد حلمي وفتحي عبدالوهاب.

شخصية الإرهابي يقدمها الرملي بجرأة وقوة لأول مرة في السينما العربية الحديثة من خلال فيلم حمل اسم “الإرهابي” وقام ببطولته عادل إمام وصلاح ذو الفقار وشيرين، ومن إخراج نادر جلال.
شخصية الإرهابي يقدمها الرملي بجرأة وقوة لأول مرة في السينما العربية الحديثة من خلال فيلم حمل اسم “الإرهابي” وقام ببطولته عادل إمام وصلاح ذو الفقار وشيرين، ومن إخراج نادر جلال.

وهو مؤلف أفلام “البداية” بطولة أحمد زكي وإخراج صلاح أبو سيف، “العميل 13” لمحمد صبحي وصابرين وإخراج مدحت السباعي، “بخيت وعديلة” بطولة عادل إمام وشيرين وإخراج نادر جلال، فضلا عن مسلسلات عدة أشهرها مسلسل “مبروك جالك ولد” بطولة نيللي، ومحمود عبدالعزيز، ودلال عبدالعزيز وإخراج فهمي عبدالحميد، و”هند والدكتور نعمان” بطولة كمال الشناوي والطفلة ليزا وإخراج رائد لبيب.

يمثل الرملي مرحلة هامة في تاريخ الكوميديا المسرحية، إذ سعى منذ بدايات رحلته الإبداعية إلى تحويل كل وجيعة إنسانية يعيشها أو يعاصرها إلى كوميديا، تفعيلا لعقيدته الراسخة التي عبر عنها يوما في إحدى مقالاته بقوله “إذا كان لا بد للإنسان أن يموت، فلماذا لا يموت من الضحك”؟

كان ميلاده في ذروة أوجاع العالم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية القاسية والتي راح ضحيتها نحو ستين مليون إنسان، وفي صيف أغسطس الحار، في أسرة متوسطة مُثقفة تسعى لنشر قيم نبيلة وسامية، وبعد شقيق أكبر حمل اسم الزعيم السوفييتي ستالين، جاء لينين إلى الدنيا حاملا اسما فريدا ربما لم يحمله مصري من قبل أو من بعد.

لينين وستالين ومولوتوف

كل شيء حوله يدعو إلى الضحك، بداية من اسمه الغريب الذي اختاره له والده الصحافي اليساري فتحي الرملي، والذي كان محل سخرية دائما من زملائه ومدرسيه وهو لا يزال صغيرا، وكذا اسم شقيقه الأكبر الأكثر غرابة ستالين، وحتى كنية قريبه “مولوتوف” ومشاهد الشوارع المصرية الغاصة بالمتحذلقين في السياسة والحروب دون أي خبرات حقيقية سوى الثرثرة، إلى وجوه الرقباء والمخبرين الكاريكاتيرية الذين كانوا يطلون عليه في المدرسة والمعهد والشارع والمقهى بدعوى شيوعية والده وحبسه سياسيا لخطره على الأمن.

كذلك فإن سنوات دراسته بالمعهد العالي للفنون، كانت ألما استثمره ليولد منه كوميديا خالدة. وكانت مصر خارجة للتو من هزيمة قاسية في يونيو 1967 احتلت على إثرها إسرائيل شبه جزيرة سيناء، والضفة الغربية وقطاع غزة والجولان، وهكذا رأى أن أفضل نقد لأوضاع سيئة هو السخرية. وتبقى فكرة تحويل الوجيعة إلى ضحكة ملازمة للكاتب حتى وقتنا الحالي، حيث سعى إلى صياغة كل إخفاق وهمّ ومشكلة في قالب كوميدي مضحك عبر المسرح أو الدراما أو حتى السينما.

حتى مرضه الأخير قابله في البداية بالسخرية، وآثر ألا يَعْلم الناس به، رغم غيابه عن اللقاءات الثقافية والمنتديات الفنية، وتوقفه المفاجئ عن الكتابة بالصحف منتصف 2017، فلم يعلم أحد بكنه مرضه ومقدار وجيعته إلا بعد عمود صحافي كتبه الكاتب صلاح منتصر في الأهرام مطلع يونيو الماضي، تحدث فيه عن اكتشافه أن لينين مريض ويحتاج إلى الرعاية والاهتمام من الحكومة استحقاقا لا تفضلا.

شخصية الإرهابي يقدمها الرملي بجرأة وقوة لأول مرة في السينما العربية الحديثة من خلال فيلم حمل اسم “الإرهابي” وقام ببطولته عادل إمام وصلاح ذو الفقار وشيرين، ومن إخراج نادر جلال.
شخصية الإرهابي يقدمها الرملي بجرأة وقوة لأول مرة في السينما العربية الحديثة من خلال فيلم حمل اسم “الإرهابي” وقام ببطولته عادل إمام وصلاح ذو الفقار وشيرين، ومن إخراج نادر جلال.

متمرد على القبح

تعكس أعمال الرملي المسرحية، التي بدأها مبكرا وهو طالب بالمعهد العالي للفنون منتصف الستينات، تمردا واضحا على فكرة القطيع وخصومة حادة مع الشمولية والاستبداد، وربما جاء ذلك من خلفية أسرته السياسية التي تعرضت للسجن والتنكيل وفقدان الوظيفة بسبب مواقفها السياسية، فقد تابع الطفل الصغير دخول والده إلى السجن وعمره بضع سنوات، كما دخلت والدته السجن لأسباب سياسية وهو في فترة المراهقة.

لم يكن غريبا أن يتم رفض أولى مسرحياته “الأسرى” بدعوى سخريتها من فكرة الحرب كأساس للبطولة، وطرحها إمكانية ميلاد الحب الإنساني بين فتى وفتاة من بلدين متحاربين. واعترف في إحدى مقالاته بأن دافعه الكبير إلى كتابة هذه المسرحية كان كراهيته الشديدة للحرب التي لا يراها حتمية ولا يعتبرها دليل بطولة.

في تصوره، يصعب للاستبداد أن يصنع انتصارا أو نهضة أو تقدما، وحسبه أن يدلل على ذلك مقدما الدكتاتور بجرأة وعمق في مسرحية “تخاريف” ليقدم صورة نمطية معتادة لطغاة حولوا انقلابات إلى ثورات وسحقوا معارضيهم واستعبدوا شعوبهم.

وقدم نموذجا ثانيا لاستغلال الحكم الشمولي لجهل الناس في تجييشهم ضد خصومه في فيلمه الجريء “البداية” الذي يحكي قصة ركاب طائرة تسقط بهم في إحدى

الواحات المنعزلة عن العالم ويضطرون إلى العيش فيها ويقوم فنان تشكيلي يدعي عادل، الذي يقدم أحمد زكي دوره، بالتبشير بمدينة فاضلة، بينما يسعى رجل الأعمال نبيه بك “الفنان جميل راتب” لدعوة الركاب إلى اختياره حاكما وتسخيره إمكانيات الواحة المادية لقيادة الجميع.

ويطرح نبيه بك تصورات مفادها أن عادل ملحد بدون دين وينادي بالديمقراطية، وينساق سكان الواحة وراء رجل الأعمال ويصدقونه عندما يسألون عادل عن ذلك فيقر إيمانه بالديمقراطية.

الإرهابي ومكانة العقل

حاول الرملي مبكرا أيضا التأكيد على غياب مكانة العقل في المجتمع وانجرار الناس خلف الشائع كالقطيع من خلال مسرحيته الفذة “انتهى الدرس يا غبي”. ويحسب له تقديمه شخصية الإرهابي بجرأة وقوة لأول مرة في السينما العربية الحديثة من خلال فيلم حمل اسم “الإرهابي” وقام ببطولته عادل إمام وصلاح ذو الفقار وشيرين، ومن إخراج نادر جلال. ولم يكن غريبا أن يستخدم الرملي مأساة المفكر الشهير فرج فودة واغتياله عام 1992 ليقدم لنا قصة شبيهة لكاتب ليس لديه سلاح سوى القلم يواجه به أفكار التخلف والعنف لينتهي شهيدا.

يؤمن الرملي بأن الإرهاب نتاج تدهور ثقافي مجتمعي، ومصر مثل كثير من الدول العربية “لبست الحجاب والنقاب بعد أن كانت قد خلعته قبل ثمانين عاما”، وهو دليل تقهقر وتنحٍّ عن مسار النهضة. ويبدو الرجل في تصور البعض من النقاد نموذجا نادرا لمسرحي محترف يستطيع توظيف أفكار وتصورات تبدو خيالية لصناعة نماذج خالدة في أذهان الناس بقدرتها على الإضحاك.

يدللون على ذلك بتوجهه منذ البداية إلى مسرح القطاع الخاص لإيمانه بنفسه وقدرته على النجاح وتحقيق ربح لأنه قادر على جذب الجمهور، فضلا عن رفضه منذ الصغر فكرة الرقابة الممثلة في مسارح الدولة. فيرى الناقد المسرحي جرجس شكري في كتابه عن الرملي والمعنون بـ”رجل المسرح” أنه يكتب مسرحيات حية للعرض لا للكتابة، ومن هنا فإن بطله هو الإنسان وحركته على خشبة المسرح، وأخلص لفن المرح وخضع لكل شروط العرض المسرحي ولم ينشر سوى نصين فقط قبل العرض.

صانع النجوم

شخصية الإرهابي يقدمها الرملي بجرأة وقوة لأول مرة في السينما العربية الحديثة من خلال فيلم حمل اسم “الإرهابي” وقام ببطولته عادل إمام وصلاح ذو الفقار وشيرين، ومن إخراج نادر جلال.
شخصية الإرهابي يقدمها الرملي بجرأة وقوة لأول مرة في السينما العربية الحديثة من خلال فيلم حمل اسم “الإرهابي” وقام ببطولته عادل إمام وصلاح ذو الفقار وشيرين، ومن إخراج نادر جلال.

سمة عظيمة حاضرة في شخصية الرملي تتمثل في قدرته على اكتشاف وصناعة الكثير من النجوم. والكثير من النقاد يرون أن جانبا كبيرا من النجاح الذي حققه فنان الكوميديا محمد صبحي لم يكن ليتحقق دون نصوص الرملي التي جمعتهما في عدة مسرحيات عرف من خلالها الجمهور صبحي كفنان كوميدي موهوب.

وليس أدل على ذلك من أن صبحي لم يظهر كممثل كوميدي قبل لقائه بالرملي، وإنما قدم دورا تراجيديا في فيلم “الكرنك” عام 1975، وعندما انفصلا بعد خلاف شهير لم يقدم صبحي مسرحيات كوميدية لافتة، وهو ما جعل البعض يتأكد من أن لينين هو صاحب الفضل في شهرة صبحي.

ورغم المكاسب المالية المفترضة لاستمرار الثنائي معا، فقد رفض الرملي تحكم الفنان فيه، واعترض على خروجه عن النص في مسرحية “وجهة نظر” وقرر عدم العمل معه، مؤمنا بأن الموهبة خلقت النجومية وقادرة على الاستمرار.

على أن أبرز سمات الرملي الشخصية احترامه لذاته وتقديره لموهبته ورفضه الخضوع والانصياع لفكرة الربح والكسب المادي، وربما كان ذلك وراء خلافه الشهير مع صبحي الذي كان، على حد قول الرملي نفسه في مذكراته التي نشرها في جريدة “البوابة نيوز” القاهرية، يصر على التعامل مع جميع من معه باعتباره صاحب القرار الأول والمتحكم الوحيد في كل أفراد الفرقة.

تحول الكثير من الممثلين الشبان الذين استعان بهم الرملي في مسرحيته الشهيرة “بالعربي الفصيح”، وهي مسرحية كتبت عام 1970 ولم تعرض سوى في عام 1991، إلى نجوم كبار، أبرزهم منى زكي وأحمد حلمي ومصطفى شعبان وفتحي عبدالوهاب. وكان الرجل مشجعا لتحول كثير من الفنانين إلى التمثيل الكوميدي والنبوغ فيه من خلال أدوار في مسرحياته، مثل الفنانة عبلة كامل وهناء الشوربجي وهاني رمزي.

لكل مبدع مواقف مبنية على وجهات نظر، فكما يقول الرملي “يصبح الإنسان كفيفا بدون وجهة نظر”. لذا استمر عطاء الرملي بعد مفارقته لصبحي، وعمل مع حسين فهمي ويحيى الفخراني وعادل إمام، وتعددت كتاباته وفاز عام 2006 بجائزة الأمير كلاوس في الأدب المسرحي من هولندا، قبل أن يتفرغ للكتابة في الصحف من خلال مقالات نقدية قصيرة وساخرة، وما زال الناس يحفظون بعض مقولاتها حتى اليوم.

وربما يعد من أشهر تلك المقولات وأكثرها تداولا قوله “نحن مثل المسافرين على رصيف قطار لا نعرف موعده”، ومنها “طفل في هذا العصر يساوي جريمة”، و”الحقيقة عندنا فريضة واجبة، لكنها غائبة. من يحضرها لنا له جائزة؛ مائة ألف جلدة ثم مشنقة”. ويبدو أكثرها اتساقا مع الواقع قوله “لست متشائما ولا متفائلا ولا أستطيع التنبؤ بالمستقبل”.

12