ليوناردو دافينشي حاول الطيران وصنع أول إنسان آلي في التاريخ

أسرار فنان أعاد اكتشاف العالم وجمعت عبقريته العلم بالفن وشكلت براعته محط إعجاب لن ينضب.
السبت 2019/12/14
فنان وعالم

يختلف البعض حتى اليوم حول اعتبار ليوناردو دافينشي عالماً، إذ هناك من يرى أن هذا الرسام القادم من مدينة فينشي الإيطالية كان فناناً فذاً اشتغل أحياناً بالعلوم، بينما يرى آخرون أنه كان عالماً في المقام الأول، بل ربما أول العلماء، فهو يعتبر بالنسبة إلى البعض رائدا في البحث العلمي الحديث على الإطلاق.

كان ليوناردو دافينشي أول من وصف إشكاليات علوم الضوء، والجيولوجيا، والتشريح، وغيرها من العلوم الأخرى. ويرى الكاتب الألماني ستيفان كلاين أن تعدد مواهب ليوناردو وبراعته التي ما زالت تثير إعجابنا، يفوقان قدراته الفنية الفذة كرسام يعمل بفرشاته، كان ليوناردو عبقرية عالمية كما يقول؛ فقد كان رجلاً يكاد يعرف كل شيء، وقادراً على عمل أي شيء.

ومن أجل تسليط الضوء على هذه الجوانب الخافية من عبقرية دافينشي وضع كلاين كتابه “تراث دافينشي” الذي تُرجم أخيراً إلى العربية عن المركز القومي للترجمة في مصر للمترجمة المصرية ناهد الديب.

حلم الطيران

 يعد ستيفان كلاين واحداً من أكثر مؤلفي الكتب العلمية شهرة حول العالم، ومن أعماله “تعويذة الحظ” و”كل شيء  بالصدفة” و”الوقت” و”مذكرات الخليقة”، في هذا الكتاب الذي بين يدينا يسعى كلاين إلى فك طلاسم تراث دافينشي، كاشفاً لنا عن محاولاته لفهم سر لوحة الموناليزا، وشارحاً السبب الحقيقي وراء حلم دافينشي بالطيران، وغيرها من الأمور الأخرى التي لا تزال قيد البحث والاكتشاف.

حلم الطيران كان أحد أكثر الأحلام التي داعبت خيال دافينشي
حلم الطيران كان أحد أكثر الأحلام التي داعبت خيال دافينشي

يرى كلاين أن ليوناردو دافينشي يمثل تجسيداً لعصر النهضة لما تمتع به من مواهب ومعارف عديدة.

لم تقتصر اهتمامات دافينشي، كما يقول المؤلف، على الرسم فقط، فقد كان عالم جيولوجيا وعالم نبات وموسيقياً ومعمارياً ونحاتاً، وله إسهامات خلاقة في مجالات شتى. فقد درس الطيران، ووضع تصاميم لآلات طائرة، وتوقع أن يتمكن الإنسان يوماً من التحليق في الفضاء، كما وضع تصميماً لأول إنسان آلي، وصنع صمامات صناعية للقلب وحاسباً رقمياً.

يقول الكاتب “بدأت الموجة الأولى من الانبهار بالعبقري الإيطالي تتزايد قرب نهايات القرن التاسع عشر عندما بدأ العلماء الأوائل في تأمل رسوم ليوناردو التقنية التي بهرت أعينهم، فقد وجدو الأجهزة التي يعتبرونها النعمة التي جاد عليهم بها عصرهم موجودة بالفعل في رسوم ليوناردو.

فقد صمم دافينشي العديد من الأجهزة والآلات بدءاً من آلات قص القماش، إلى المطارق وآلات رفع المياه وآلات صقل المرايا وقياس الطرق والمساحات. وكانت لديه قناعة أن الآلة يمكن أن تتولى أصعب المهام نيابة عن الإنسان، متبعاً الأهداف نفسها التي وضعها مهندسو عصر الصناعة”.

 ويرى مؤلف الكتاب أن حلم الطيران كان أحد أكثر الأحلام التي داعبت خيال دافينشي على الإطلاق، إذ امتلأت أوراقه -فيما يشبه الهوس- بالمئات من الرسوم عن الطيران الصناعي وعن آليات الدفع وحركة أجنحة الطيور.

 يستعرض الكتاب هذه الملاحظات التي دونها دافينشي، وتأملاته المكتوبة عن تيارات الهواء، وعن القوى التي تسيطر على جسم الطائر، وتأكيده الدائم في مذكراته أن الطيران لا يعني الرفرفة، وأنه بالإمكان صنع آلة قادرة على التحليق في يوم ما.

كما يذهب ستيفان كلاين إلى أبعد من ذلك حين يورد العديد من الدلائل على أن ليوناردو دافينشي لم يكتف بوضع هذه التصاميم والرؤى فقط، بل ربما أقدم على تجربة الطيران أيضاً.

بين اهتمامات دافينشي التي تم تسليط الضوء عليها في هذا الكتاب سعيه الدؤوب لصنع آلات تتحرك بالتوجيه الذاتي، فيما يشبه الروبوتات اليوم. من ضمن ما جاء في الكتاب “يظهر في أحد الرسوم حبل يمتد بحيث يذكرنا وضعه بشكل رجل ممتد الذراعين، والبكرات موجودة في أماكن الأيدي والكوع والكتف. فهل كان ليوناردو يفكر بالفعل في صنع إنسان آلي؟”.

للإجابة عن هذا التساؤل يستعين المؤلف بواحد من أبرز المهتمين بتراث دافينشي وهو كارلو بيدريتي أستاذ تاريخ الفن في جامعة لوس أنجلس، والذي يؤمن إيماناً قاطعاً بأن هناك العديد من الأمور والأسرار التي لم تكتشف بعد بين أوراق دافينشي. يقول بيدريتي “إن ملامح الدرع تشير إلى أنه قام ببناء محارب بكامل تسليحه، وربط بين أعضائه بحبال، كما لو أنه أراد أن يبث فيه الحياة، ويرى بيدريتي أن الرسوم تؤكد لنا أن دافينشي قد فكر بالفعل في صناعة إنسان آلي”.

سر الموناليزا

لوحة استفاد راسمها من علم التشريح
لوحة استفاد راسمها من علم التشريح

انتشرت الكثير من الأساطير حول لوحة الموناليزا، وهي العمل الفني الأبرز في تاريخ ليوناردو، إن لم يكن في تاريخ الفن العالمي على الإطلاق، حتى أصبحت الحكايات التي يتم تداولها حول هذه اللوحة أكثر روعة من اللوحة نفسها.

إن من يبحث في المصادر الخاصة بهذه اللوحة يتصور أن دافينشي يسبح في عالم الخيال، ولقد كانت أولى الطلاسم حول سحر الموناليزا وأكثرها جاذبية هي تلك التي كتبها “فالتر باتر” الناقد الفني الإنكليزي الشهير، والذي يرى أن الموناليزا تمثل النموذج الأصلي للأنوثة، وأنها القوة التي سبقت الخليقة، والتي سوف تدوم بعدها كما يقول. لقد دارت أسئلة كثيرة حول صاحبة الوجه المرسوم في الصورة ولم تتفق الآراء حول هذا السؤال حتى اليوم، هل هي لسيدة من فلورانسا اسمها ليزا جيرارديني؟ أم هي محظية تدعى إيزابيلا جواليندا؟ أم أنها صورة شخصية لليوناردو دافينشي متخفياً في هيئة امرأة؟

طالت هذه الأسرار والاستنتاجات نظرة السيدة وابتسامتها المميزة. لقد تمكن ليوناردو من أن يتحكم بمهارة وعبقرية في قسمات الموناليزا، وكذلك في مشاعر المتلقي في آن واحد. فقسمات السيدة الشابة على سبيل المثال ليست متناسقة: هي ترفع زاوية فمها اليسرى بصورة أعلى؛ ومن ثم فإن الناحيتين تنشران حالة مزاجية مختلفة؛ فإذا قمنا بإخفاء نصف وجه الموناليزا الأيسر، فإنها تبدو أكثر جدية، أما إذا أخفينا الجانب الأيمن، فإن الابتسامة تبرز بشكل أوضح.

يحيل مؤلف الكتاب سر ابتسامة الموناليزا إلى تفسير علمي له علاقة باهتمامات ليوناردو دافينشي بعلم التشريح والأعصاب، ويرى أن دافينشي قد وصل إلى نتائج متقدمة في اكتشافاته حولهما. يقول كلاين “إن المخ مقسم إلى نصفين، يخاطب كل نصف منهما نصف الجسم بصورة عكسية، فنصف المخ الأيسر يتحكم في عضلات الوجه اليمنى، بينما يتحكم النصف الأيمن من المخ في تعبيرات الوجه في الجهة اليسرى، وحيث أن نصف المخ الأيمن أقوى من الأيسر فيما يتعلق باستيعاب المشاعر، فإن هذه المشاعر والأحاسيس تظهر بصورة أوضح على الجانب الأيسر من الوجه، وفي العادة لا نلحظ الفرق؛ لأننا ننظر إلى الوجه بأكمله.

 ويبدو أن ليوناردو كان على علم بهذه التأثيرات الدقيقة ونفذها بالفعل كي يظهر وجه الموناليزا على نحو يتعذر فهمه. لقد أفرط ليوناردو في تصوير الفروق الطبيعية لنصفي الوجه، بحيث لا يسع المتلقي إلا أن يخمن فيما تفكر السيدة الشابة أو بما تشعر”. ولا شك أن هذه اللوحة ستبقى مثالاً حياً يعكس حياة رجل مولع بالألغاز، فمذكراته تضم العديد من التلاعب الذكي بالكلمات، وقد عرف عنه ولعه باستخدام الشفرة في تدوين مذكراته حماية لها من الفضوليين، ولعل هذا الأمر هو ما أضفى المزيد من الغموض حول حياته وإنجازاته.

14