ليونغ ذئب اقتصادي وشيوعي سري يدير خاصرة الصين

السبت 2014/10/11
ليونغ الذي يسميه شعبه دراكولا هونغ كونغ

أخبار هونغ كونغ تتغير كل ساعة، بينما يصرّ الذين تجمهروا في الشوارع على إجبار رئيس الحكومة ليونغ تشين بينغ على تحقيق مطالبهم، وبالمقابل يرفض هو الانصياع لما يعتبره شكلاً من أشكال الفوضى التي لن تحلب سوى الفوضى، وارثاً قناعاته عن الاحتجاجات من خلفيته الفكرية الشيوعية القديمة.

فالصين الشعبية، ذات النظام الشيوعي الشمولي العملاقي الذي ما زال محافظاً على توازنه، قد تكون خاصرته الرخوة هي هونغ كونغ التي استعادها بعد انتهاء فترة الاستعمار البريطاني لها والتي اتخذت شكلاً تعاقدياً، الصين ذاتها لا تريد أن تمتدّ إليها شرارة الاحتجاجات الشعبية، التي انطلقت من تونس ذات يوم، وامتدت لتشمل دولاً عدة في العالم العربي والعالم، كان بعضها دامياً والبعض الآخر حقق أهداف ثورته بينما استولى الإسلاميون من ملل ونحل مختلفة على مقاليد الحكم في دول أخرى منه.

ولكن ليونغ تشين بينغ، ما زال يعتقد أنه قادر على الصمود كما صمد بشار الأسد الذي دمّر بلاده من أجل بقائه في الحكم، فالرجل المولود في أواسط الخمسينات كان قد أتى عبر صناديق الاقتراع ليكون نائباً في المجلس التشريعي المؤقت قبل فوزه في صيف العام 2012 وفاز بقرابة السبعمئة صوت وهي نسبة عالية جداً.

عاش ليونغ حياة غربية في مناخ هونغ كونغ، ودرس في المدارس الملكية البريطانية، وتابع دراساته في كلية الفنون التطبيقية في الجزيرة الصينية، ليواصل في المملكة المتحدة غرب إنكلترا دراسة إدارة وتقييم العقارات في بريستول بولوتكنيك، حتى أواخر السبعينات.


عالم العقارات


عاد ليونغ إلى هونغ كونغ، وسرعان ما دخل سوق العقارات، موظفاً في شركة جونز لانغ لوتون، حيث عمل سنوات حياته الأولى، وبعد عيد ميلاده الثلاثين، منحته الحياة هدية خاصة حين تم تعيينه رئيساً لفرع شركة عقارية عملاقة براتب سنوي قدره عشرة ملايين دولار أميركي، مما سهّل فيما بعد حصوله على لقب “إمبراطور الطبقة العاملة".

وكان مجال العقارات مجالاً مفتوحاً لليونغ، باعتبار هونغ كونغ المدينة وحدها تضم أكثر من ألف ومئتي ناطحة سحاب على رأس مدن العالم الحديثة، في مساحة ضيقة نسبياً لا تسمح بالتمدد الأفقي عمرانياً، مما راكم كمّاً هائلاً من الاستثمارات العقارية المتطورة والجذابة لأموال دولية كثيرة وعديدة المصادر، كل هذا يحدث في مساحة ضئيلة جداً لا تتجاوز الكيلومتر الواحد ونصف الكيلومتر ما بين الشاطئ والجبل في جزيرة هونغ كونغ وعرة التضاريس، بعد أن مددت هونغ كونغ مساحات مستصلحة فوق مياه البحر للبناء عليها، لتكون هونغ كونغ بذلك أعلى مدينة في العالم بمبان يتجاوز ارتفاعها المئة والخمسين متراً.

استمر تطور هونغ كونغ تحت الوصاية البريطانية، فازدهرت اقتصاديا، بينما كانت عودتها إلى حضن الصين، وشيكة، بتعداد سكاني بلغ سبعة ملايين نسمة، وفي العام 1997 عادت بالفعل وتشكل حينها ما سمي بـ«دولة واحدة ونظامي حكم» وفق الاتفاق البريطاني الصيني الموقع في العام 1984

تطورت أعمال ليونغ ليصبح واحداً من أكبر الاقتصاديين المؤثرين في علاقة هونغ كونغ التي كانت منطقة حرة عالمية وحيدة حينها قبل ظهور دبي كمنافس كبير لها، ونتيجة لثقله في السوق تم تعيينه مستشاراً رفيعاً للحكومات المحلية في هونغ كونغ، وقد أفادته خبراته تلك في التدريس الأكاديمي في جامعة ينغنان التي ترأس مجلس إدارتها، بالإضافة إلى رئاسته لجامعة هونغ كونغ.

أصبح ليونغ رئيساً لمجلس إدارة معهد “دولة واحدة بنظامي حكم” الذي تم ابتكاره، ليطبّق سياسات تخدم هيمنة الصين على هونغ كونغ رغم جميع التعهدات التي التزمت بها لحظة عودة الجزيرة إلى سيادتها، وفي العام 2011 أعلن ليونغ نيته الترشّح لمنصب الرئيس التنفيذي لهونغ كونغ، أو بصيغة أخرى “رئيس الوزراء”، وفي حملته الانتخابية، تم الكشف عن تاريخ ليونغ مع الحزب الشيوعي الصيني، وأنه عضو في اللجنة المالية للحزب حتى لحظة ترشّحه لمنصب الرئيس، وقام شهود بتقديم إفاداتهم حول ليونغ حيث بات ثابتاً أنه كان عضواً سرياً في الحزب الشيوعي الصيني أثناء العهد الاستعماري البريطاني، وتم إثبات تأييده لإجراءات بكين ضد المحتجين في العام 1989، وتم رصد تصريح ليونغ يقول فيه رداً على سؤال حول ترشيح المنشق الصيني المعتقل ليو شياو بو، للحصول على جائزة نوبل للسلام، فكان ردّ ليونغ: “المفترض أن يكون الزعيم الأعلى للصين دنغ شياو بينغ، هو أول من يحصل على جائزة نوبل من الصينيين".

فاز في الانتخابات، وأصبح الرئيس التنفيذي لهونغ كونغ، بدءاً من العام 2012، وفي اليوم التالي أعلنت صحيفة الشعب الصينية في صفحتها الأولى الخبر التالي:”فوز الرفيق ليونغ تشين بينغ بمنصب رئيس هونغ كونغ”، وبدأ الصراع معه منذ اليوم الأول، فتوالت الفضائح المالية والقانونية، لتبدأ شعبيته في التدهور المستمر، وحتى قبل عام من الآن في اكتوبر ـ تشرين الأول من العام 2013، كانت استطلاعات الرأي تمنح ليونغ فقط 31 بالمئة من أصوات مواطني هونغ كونغ، بينما رفضت بقاءه في منصبه نسبة 55 بالمئة، وأخذ الشعب يلقبه بالذئب، وأحياناً بـ “دراكولا” انسجاماً مع تعابير وجهه وملامحه وأسنانه البارزة.


دولة واحدة بنظامين


استمر تطور هونغ كونغ تحت الوصاية البريطانية، فازدهرت اقتصادياً، بينما كانت عودتها إلى حضن الصين، وشيكة، بتعداد سكاني بلغ سبعة ملايين نسمة، وفي العام 1997 عادت بالفعل وتشكّل حينها ما سمّي بـ”دولة واحدة ونظامي حكم” وفق الاتفاق البريطاني الصيني الموقع في العام 1984، وتم التوافق على أن يتم اختيار الرئيس التنفيذي لهونغ كونغ بعملية انتخابية معقدة، من قبل فئة محدودة من المواطنين، لتحكم الصين بشكل مركزي سيطرتها على الجزيرة، مما أدى إلى تحوّل الرئيس التنفيذي وهو المنصب الذي يشغله ليونغ اليوم إلى منصب وظيفي غير ذي شعبية لدى ملايين السكان الهونغكونغيين، وكان أول أولئك الرؤساء توغ تشي هوا الذي استقال بعد موجة احتجاجات مشابهة لما يجري اليوم، ثم تلاه دونالد تسانغ كوين، الذي خرج بمشاكل قضائية مالية، ليخلفه ليونغ، بعد أن قدّمت الصين تعهداً طويل المدى بأن يتم انتخاب الرئيس القادم في العام 2017 مباشرة من قبل المواطنين، وما لبثت أن تراجعت عن قراراها بإصدار قرار يقضي بأن يكون المرشحون لهذا المنصب محليين وذوي ولاء لبلادهم الصين، وهو الأمر الذي فهم منه أنهم يجب أن يكونوا شيوعيين بالضرورة.

كانت الوسيلة المتبعة من قبل المتظاهرين في هونغ كونغ هي الجسر الذي أشعل الربيع العربي ذاته، الفيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، اعتصامات في الميدان، وصدامات مع الشرطة، ومياه لتفريق المظاهرات قاومها المحتجون بوسيلة دفاعية واحدة هي المظلات، فأطلقوا على ثورتهم "ثورة المظلات"


ثورة المظلات


كان هذا هو الشعار، وكانت الوسيلة المتبعة هي الجسر الذي أشعل الربيع العربي ذاته، الفيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، اعتصامات في الميدان، وصدامات مع الشرطة، ومياه لتفريق المظاهرات قاومها المحتجون بوسيلة دفاعية واحدة هي المظلات، فأطلقوا على ثورتهم “ثورة المظلات".

مطالب المتظاهرين واضحة، أن تتعهد الصين بجدول زمني محدد للانتخابات الرئاسية في هونغ كونغ، ولكن العناد الصيني المشابه لعناد أنظمة العالم العربي، رفع سقف المطالب الجماهيرية من جديد، فأصبحت مطالبهم تضم مطالبة الرئيس ليونغ بالتنحي والرحيل الفوري، الذي يرون فيه مجرد عميل للصين أو موظف عندها ولا يخدم مصالح هونغ كونغ بالدرجة الأولى، وكما حدث في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن، فقد قاد الشباب تظاهرات ثورة المظلات، بحماس وعدم قابلية للتفاوض، الأمر الذي تسبب في عجز الصين عن التعامل مع هكذا ظواهر لم تعتد عليها، منذ مظاهرات ميدان “تيان أن مين” في العام 1989 الذي تمكنت بكين من تفريقه بالرصاص الحي وقتل المتظاهرين السلميين المطالبين ببعض الديمقراطية، وأكثر ما تخشاه الصين اليوم من متظاهري هونغ كونغ هو أن تلبي مطلباً إثر الآخر حتى يصل الأمر إلى مطالبة المتظاهرين بانفصال هونغ كونغ عن الصين نهائياً.


فقدان السيطرة


يرفض ليونغ التنازل للمتظاهرين، ويقول إنه ينوي تطبيق إصلاحات اقتصادية وسياسية، وكلف مؤخراً نائبته للتفاوض معهم، فيما يتصاعد أتون تلك الاحتجاجات التي وصلت إلى احتلال المقار الحكومية، وشل اقتصاد البلاد، و المشكلة اليوم، أن الأمور كما يقول محللو العالم، قد خرجت عن سيطرة ليس فقط الرئيس ليونغ ولكن الرئيس الصيني ذاته، الذي يعجز عن العثور على حل، أمام “تزايد التظاهرات”، حسب تعبير الوورلد تربيون الأميركية، فلو فكّر الرئيس الشيوعي بتكرار حادثة العام 1989 سيؤدي هذا إلى تكرار تقسيم الحزب وزعزعة استقرار علاقات الصين مع العالم الحر.

يصرّ ليونغ على موقفه، ويقول رداً على انتهاء مهلة منحها إياه المتظاهرون: “لن أستقيل لأن عليّ أن أواصل عملي لتنظيم الانتخابات”، بينما يراقب العالم ما يحدث في خاصرة الصين، ويطالب الجميع بالتهدئة وضبط النفس، دون أن يؤيد المظاهرات أو يعلّق عليها بمواقف رسمية.

وتتصف حركة الاحتجاجات بأنها بلا قيادة واضحة، رغم ظهور بعض الشباب الناطقين باسمها، مثل شان كي مان الذي قال: “إذا أعلن لونغ تشين بينغ استقالته فهذه الحركة ستتوقف على الأقل مؤقتا في غضون فترة قصيرة حتى نقرر التحرك التالي”، وقال أحد المتظاهرين واسمه فيلكس كان لفرانس برس: “لا يمكننا الرحيل، نحن في الصين ولا نعلم أبدا ماذا يمكن أن يحصل”، وقوام حركة الاحتجاجات اليوم مبني على الطلاب، ويتوقع أن تتوسع الاحتجاجات لتشمل شرائح أخرى من أجيال وطبقات مختلفة، لينضم الرفيق ليونغ إلى رفاقه الذين رفضوا الانصياع لمطالب شعوبهم فمنهم من قضى تحت ضربات تلك الشعوب، ومنهم من احترق وعزل، ومنهم من يقبع في السجون ومنهم من هرب إلى بلاد أخرى ومنهم من يقاوم بالمزيد من سفك الدماء.

12