ليونيل ميسي النجم المحبوب مرعب الحراس ومزعج المدافعين

السبت 2014/12/27
ميسي الفتى الذهبي الذي قال عنه مارادونا إنه لعب الكرة مع المسيح

تقف الكرة بين قدميه، تلتصق به تماما وكأنها تعلم أنه خير من سيحافظ عليها، تداعبه ويداعبها، يلقي نظرة ثم ينطلق كالأسد الذي وجد فريسته، قصير ماكر، ينساب كالزئبق بين لاعبي الخصم، ثم ينقض كالبرغوث لا ليمتص الدم بل ليطلق رصاصة الرحمة ويوقف قلوب الجماهير، قلما تضيع منه الكرة دون أن تثمر هدفا أو ربما لتصنع هدفا لزميله، إنه الماكينة التي لاتتوقف عن العطاء، هو فتى كتلونيا المدلل ليونيل ميسي.

ولد ليو أندريس ميسي كوتشيتيني (ليونيل ميسي) في 24 يونيو عام 1987، بمدينة روزاريو التابعة لمقاطعة سانتافي الأرجنتينية، والده خورخي هوراثيو ميسي عامل في أحد المصانع، ووالدته سيليا ماريا كوتشيتيني عاملة نظافة، اختلفت الروايات حول أصول أجداد ميسي، فكشف صحفي إسباني يدعى فالز جوان في كتاب له أن جدّ ميسي (خوسيه بيريز) ينحدر من مدينة بيكار دي أورخيل التابعة لإقليم كاتالونيا، كان قد غادر إلى الأرجنتين مع بدايات القرن الماضي، في حين تقول روايات أخرى أن جدّه ينحدر من أصول إيطالية لا إسبانية.

بدأ ميسي مداعبة كرة القدم عندما كان في الخامسة من عمره ثم التحق بنادي نيولز أولد بويز، وهناك بدأت تظهر موهبته، كان أنانيا شيئا ما حين يكثر من مراوغة اللاعبين ويحتفظ بالكرة إلى أن يواجه المرمى، لكن الجميع كان مستمتعا بمشاهدة ذلك اللاعب، إذ يمتلك قوة بدنية كبيرة رغم قصر قامته، ويجيد العدو بسرعة في كل مكان داخل المستطيل الأخضر دون أن تؤثر الكرة على سرعته.

كانت موهبة ميسي محط أنظار ريفر بليت أحد أبرز الأندية الأرجنتينة قبل أن يبلغ ميسي سن الثانية عشرة، وهنا بدأت تظهر على ميسي الصغير علامات قصر النمو وكان بحاجة إلى جرعات هرمونية لا طاقة لعائلته الفقيرة على تكلفتها التي تتجاوز 1500 دولار شهريا، فأخذت الأسرة تبحث عن منقذ لموهبته بعد أن عدل نادي ريفر بليت عن فكرة علاج اللاعب ورعايته.


منديل طعام صنع الأمجاد


حمل خورخي ابنه ميسي إلى ما وراء البحار هناك في إسبانيا، بعد أن وجد بعض التطمينات في نية نادي برشلونة تحمّل نفقات علاج ميسي وإقامة عائلته مقابل توقيع الفتى الموهوب لصالح البارسا، في الرابع عشر من ديسمبر عام 2000، التقى كارلوس ريكساش السكرتير الفني للنادي الكتالوني مع خورخي في نادي بومباي للتنس، للاتفاق على مستقبل ليو الذي أظهر موهبة مميزة في اختبارات أكاديمية لاماسيا، تعثرت المفاوضات مع النادي الكتالوني بخلافات داخل الإدارة تعترض على التعاقد مع لاعب يعاني من قصور في النمو، كان كارلوس مقتنعا تماما بأهمية ميسي، وكان خورخي يلوّح بحمل ولده ليلتحق بالغريم التقليدي ريال مدريد، هنا لامجال أمام كارلوس إلا مصارعة الوقت وإنهاء المفاوضات كي لا يتحوّل التهديد إلى حقيقة ويصبح ميسي مصدر قلق للكتلان يوما ما، قرر ريكساش أن تتم الصفقة على مسؤوليته الشخصية، بحث عن ورقة في متناول يده ولم يجد أمامه سوى منديل الطعام، كتب عليها عبارة “لا يُقدَّر بثمن”، ألحقها بالكلمات:

“بحضور كل من جوزيب منيجويلا وهوراشيو جاجيولي وكارلوس ريكساش، المديرالفني لنادي برشلونة، أعلن التزامي وأتحمّل المسؤولية كاملة بالتعاقد مع اللاعب ليونيل ميسي بالرغم من وجهات النظر المعارضة، طالما أننا نلتزم بالمبالغ المتفق عليها”.

حقق ميسي مع برشلونة جميع البطولات المحلية والأوروبية والعالمية، وفاز بـ21 لقبا، ستة ألقاب في الليغا، ثلاثة ألقاب في دوري أبطال أوروبا، كأسين محليتين، كأسي سوبر أوروبيتين ولقبين في كأس العالم للأندية

لقد نقل ذلك المنديل حياة ميسي من الفقر والمرض إلى عالم النجومية والشهرة وعلق في مكتب المستشار القانوني لميسي ليكون ذكرى لأبرز مستند رياضي في حياته.

الأسطورة مارادونا والأرجنتيني بابلو إيمار والبرازيلي رونالدينهو نجوم عشقهم ميسي، ولم يكن يعلم أن الأخير سيصنع له هدفه الأول مع البارسا، كان ذلك في موسم 2004 - 2005 عندما سجل هدفا مع البارسا أمام الباسيتي، بعد تمريرة من رونالدينهو سددها ميسي بيسراه كرة ساقطة في الشباك من فوق الحارس، ليحطم رقما قياسيا كأصغر لاعب في تاريخ برشلونة يسجل هدفا في الدوري الأسباني، وهو في عمر 17 سنة و10 أشهر و7 أيام، قبل أن يحطمه بويان كريكيتش بعد موسمين، حمله رونالدينهو على ظهره فرحا كما تحمل الأم ابنها المدلل، كان يوما تاريخيا لاينساه ميسي عندما حمله من كان يحلم اللعب إلى جانبه يوما، لقد كان الهولندي فرانك ريكارد مدرب برشلونة آنذاك سعيدا لأن ثقته التي منحها إلى ميسي تسير في الاتجاه الصحيح.


هاتريكانو الكلاسيكو للألفية الجديدة


في السادس عشر من شهر سبتمبر عام 2005، أعلن النادي الكتالوني تجديد عقد ميسي، وبعد عشرة أيام مُنح الجنسية الإسبانية ليتمكن من المشاركة كلاعب إسباني، فبدأ رحلة البحث عن الألقاب كالتائه في الصحراء الذي وجد جدولا من الماء ليروي عطشه، كان على ميسي أن يعيد للبارسا وجماهيرها جزءا من المعروف الذي أنقذ حياته وأحلامه، فحمل بجسده النحيل آمال جماهير كتالونيا.

وساهم ميسي في صعود البارسا إلى منصات التتويج بدءا من موسمه الأول، عندما تزعم البارسا الليغا الإسبانية ودوري أبطال أوروبا كبطل لكلتا البطولتين، وفي الموسم التالي 2006 - 2007، أبهر ميسي الجميع وحطم رقما قياسيا جديدا، بإحرازه هاتريك في الكلاسيكو الأبرز على وجه المعمورة، وأنقذ البارسا من خسارة مذلة من الغريم التقليدي النادي الملكي بثلاثية ومنحه التعادل في الوقت المحتسب بدل الضائع، وبذلك أصبح أول لاعب يسجل هاتريك في الكلاسيكو بعد إيفان زامورانو الذي سجل مع الريال في موسم 1994 - 1995، كماأصبح أصغر لاعب في التاريخ يسجل هاتريكانو في الكلاسيكو.

منذ أن وضع ميسي أولى خطواته على أرض الكامب نو، أعاد إلى الأذهان صورة الأسطورة الأرجنتينية دييغو أرماندو مارادونا للجماهير الكتالونية


ميسيدونا


منذ أن وضع ميسي أولى خطواته على أرض الكامب نو، أعاد للأذهان صورة الأسطورة الأرجنتينية دييغو أرماندو مارادونا للجماهير الكتالونية، لاعب ماهر لايفقد الكرة بسهولة، يمرر الكرة بدقة ويجعل من أشباه الفرص أهدافا محققة، حمل جميع صفات مارادونا بل وزاد عليها، كرر ميسي سيناريو أبرز هدفين اشتهر بهما مارادونا، في 18 أبريل 2007، سجل هدفين في مرمى خيتافي ضمن بطولة كأس ملك إسبانيا، أحدهما أعاد للذاكرة هدف مارادونا الشهير ضد أنكلترا في نهائيات كأس العالم 1986 أمام المكسيك، وكأن أحدا رسم سيناريو لميسي وجعل من لاعبي الخصم كومبارسا لمسرحية تمثيل هدف مارادونا الشهير.

الهدف الذي جعل الصحف الإسبانية في اليوم التالي تطلق عليه لقبا جديدا “ميسيدونا”، كان شبيها تماما بالمسافة التي قطعها (62 مترا)، وتجاوز ذات العدد من لاعبي الخصم (ستة لاعبين)، حتى أنه توجه إلى راية الركنية كما فعل مارادونا حينها.

ثم عاد ميسي ليسجل هدفا آخر ضد إسبانيول في نفس الموسم، هدفا شبيها لهدف مارادونا ضد أنكلترا في الدور ربع النهائي من بطولة كأس العالم 86 في المكسيك، قفز ميسي ليوهم الحكم بأنه سيضع الكرة برأسه في المرمى لكنه أرسلها بيده داخل شباك حارس إسبانيول كارلوس كاميني.

أكمل ليونيل ميسي بتاريخ 16 - 10 - 2014 عقدا من الزمن مع البارسا، لم يترك رقما قياسيا إلا وحطمه ومضى إلى رقم آخر، قبل سنتين سجل هدفين في شباك بيتيس، هدفه الـ86 متجاوزا الرقم القياسي للأسطورة جيرد مولر.

حقق مع برشلونة جميع البطولات المحلية والأوروبية والعالمية، وفاز بـ21 لقبا (ستة ألقاب في الليغا، ثلاثة ألقاب في دوري أبطال أوروبا، كأسين محليتين، كأسي سوبر أوروبيتين ولقبين في كأس العالم للأندية)، وبعد تسجيله لثلاثة أهداف في مرمى أوبيل نيقوسيا القبرصي حطم الرقم القياسي المسجل باسم أسطورة النادي الملكي والمنتخب الإسباني راؤول غونزاليز بـ71 هدفا، وتفوق على غريمه التقليدي كريستيانو رونالدو صاحب الـ70 هدفا في دوري أبطال أوروبا، وهوالأكثر فوزا بالكرة الذهبية في بطولات كأس العالم للأندية مرتين 2009 – 2011، وأفضل هداف في تاريخ مواجهات الـكلاسيكو بين برشلونة وريال مدريد (21 هدفا).

مُنح الجنسية الإسبانية ليتمكن من المشاركة كلاعب إسباني، فبدأ رحلة البحث عن الألقاب كالتائه في الصحراء الذي وجد جدولا من الماء ليروي عطشه، كان على ميسي أن يعيد للبارسا وجماهيرها جزءا من المعروف الذي أنقذ حياته وأحلامه

كما تمكن من تحطيم الرقم القياسي لأفضل هداف في تاريخ الدوري الإسباني والمسجل باسم أسطورة أتلتيك بلباو تيلمو زارا (251 هدفا)، واحتكر جائزة الكرة الذهبية لأربع سنوات متتالية من عام 2009 حتى عام 2012، ويبدو ميسي مرشحا قويا لغريمه التقليدي كريستيانو رونالدو للظفر بجائزة الكرة الذهبية لعام 2014، في حقل الفيفا يوم 12 يناير 2015 حيث يسدل الستار عن بطل المسرحية.

ولكن ميسي مع التانغو لم يكن ميسي البارسا الذي يخطف الألقاب، وما يعيب مسيرته وتجعل مقارنته مع مارادونا على المحك، عدم تتويجه ببطولة كأس العالم للرجال، واكتفى بالمركز الثاني في مونديال البرازيل 2014، وذهبية بكين 2008 وكأس العالم للشباب تحت 20 سنة عام 2005، كأبرز ما سجل في صحيفته مع المنتخب الأرجنتيني، إلا أن ميسي مازال قادرا على صنع الأمجاد مع التانغو وهو في سن 27 عاما الآن، وربما يحتفل بذلك مع ابنه تياغو الذي يرافقه في معظم المباريات مع زوجته أنتونيلا.


ميسي يلعب مع يسوع!


موهبة ميسي الاستثنائية وتحطيمه للأرقام القياسية، جعلت الجميع حائرا كيف يصف البرغوث الأرجنتيني، الأسطورة الأرجنتينة دييغو أرماندو مارادونا حين رأى فيه مستقبل كل الأرجنتينيين من خلال تصريحه: “ميسي يمثل مستقبل كل الأرجنتينيين، يمكنه أن يدخلني وبيليه إلى كتب التاريخ خلفه، هل شاهدتم كيف يناور بالكرة؟ ليو يلعب مع يسوع.

واعترف يوما المدرب البرتغالي جوزيه مورينهو بعجزه أمام ميسي في إحدى تصريحاته: “الطريقة الأفضل لإيقاف خطورة ميسي هي فرز لاعبين لمراقبته دائما، لكن الخبر السيّئ هو أنك لاتنجح في إيقاف خطورته”.

ورأى يوهان كرويف أسطورة البارسا والكرة الشاملة نفسه محظوظا لأنه لم يكن يلعب في زمن ميسي عندما قال: “من حسن حظي أن ميسي لم يكن موجودا في زمني عندما كنت لاعبا وإلا لما كان عرفني أحد”، وقال عنه الأسطورة الفرنسية ميشيل بلاتيني: “إنه قاتل ونجم النجوم ولاعب لا يرحم”.

وشبهه الفرنسي آرسين فينغر بلاعب البلاي ستيشن لأنه يصنع من المستحيل ممكنا داخل المستطيل الأخضر. أما بيب جوارديولا الذي أشرف على تدريب ميسي في البارسا سابقا، فإنه يجد نفسه فخورا بأن يتحدث لأحفاده أنه درب ميسي ذات يوم، ولو أن ضربا من المستحيل يمكن تحقيقه لضمّه المدرب البرازيلي سكولاري إلى صفوف السامبا، ليجلب النجمة السادسة للقميص الأصفر، هو لاعب يضيف نجمة مميزة ترجح كفة الدوري الإسباني على منافسة الدوري الأنكليزي كأفضل دوري في العالم، لوجود ميسي فقط هكذا قال عنه الفرنسي تيري هنري.

نعم إنه ميسي الذي تمناه أن يكون ألمانيا لا أرجنتينيا النجم الألماني مايكل بالاك.

15