مآلات ربع قرن من السلفية الجهادية في تونس

أحداث متتالية كان محورها إرهاب الجماعات التكفيرية في تونس، لعل أشهرها مجزرة الفندق السياحي بمدينة سوسة الساحلية التي أودت بحياة العشرات من السياح وهجوم متحف باردو المتاخم لمقر البرلمان التونسي. هذه الأحداث وضعت جهود الباحثين التونسيين في اتجاه البحث عن تاريخ الحركة السلفية الجهادية في تونس في إطار ندوة علمية.
الأربعاء 2016/01/20
الخطر يكمن في توريث الإرهاب

تونس- مجموعة من الباحثين في علم الاجتماع السياسي والعلوم القانونية والسياسية وفي الحضارة والتاريخ العربيين، جمعتهم مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات في موضوع السلفية الجهادية في تونس: ظروف نشأتها والعوامل التي ساعدت على انتشارها والسياق السياسي الذي رافق ظهور هذا النوع من السلفيات الذي ظل يؤرق جميع الأجهزة في العالم.

الباحث محمد الحاج سالم انطلق في بداية المحاضرة بالإشارة إلى الإطار العام الذي بدأ فيه نظام الحبيب بورقيبة في تأميم المؤسسات الدينية وإبعادها عن عالم السياسة وتأطيرها بقوانين كانت تعتبر في ذلك الوقت “ثورية”، بأن ألغى التعليم الديني وعوضه بجامعة أكاديمية تتمثل في كلية الشريعة وأصول الدين، كما سعى بورقيبة إلى إلغاء المحاكم الدينية وتأميم الأوقاف ودمج كل تلك القضايا في القوانين التونسية التي صدرت في شكل مجلات تنظم حياة المواطنين. ومنذ تلك الفترة، دخل المجتمع التونسي في فضاء جديد بعيد عن التفكير الديني الذي تضعه المؤسسات الدينية، خاصة بظهور القوانين الخاصة بالمساجد والفضاءات الدينية التي تنظمت وأشرفت عليها وزارة الشؤون الدينية.

وبعد قدومه إلى السلطة، سعى الرئيس السابق زين العابدين بن علي إلى تفعيل دور الدين في الحياة المجتمعية التونسية بهدف تطويعه في خطابه السياسي وصنع صورته، كما رفع القيود على حركة النهضة (كانت تسمّى الاتجاه الإسلامي في أواخر الثمانينات) وسرعان ما انقلب عليها نظرا لمنافستها القوية له في السلطة بحسب نتائج انتخابات سنة 1989، فعادت الحركة إلى العمل السري بعد أن هرب أبرز قيادييها إلى الخارج، ومن هنا بدأ ظهور السلفية بأشكالها المختلفة وخاصة الجهادية منها.

وبدوره واصل الباحث سامي براهم الحديث عن تطور الحركة السلفية الجهادية في تونس، قائلا إنه وبعد أن لجأت حركة النهضة إلى العمل السرّي في أعقاب حملة زين العابدين بن علي، بدأت الحركة السلفية في الصعود. وقد نمت السلفية العلمية في تسعينات القرن الماضي من خلال الاجتماعات السرية والخاصة والكتب بالإضافة إلى اتصالها بالأجهزة السمعية البصرية، عبر القنوات التلفزيونية الفضائية الدينية منها والتي جذبت الكثير من التونسيين الساعين للحصول على المعرفة الدينية.

براهم أكد أيضا أن النظام في ذلك الوقت بدا متسامحا نسبيّا مع هذه الأنشطة غير السياسية، “فقد كان بن علي يعتقد أن السلفية يمكنها تقديم بديل غير سياسي للمشروع السياسي لحركة النهضة”.
ظهور السلفية الجهادية في تونس ترافق مع دخول حركة النهضة مرحلة السرية وتطور الوضع في أفغانستان
ومع ذلك، فقد ظهرت أيضا السلفية الجهادية، جنبا إلى جنب مع هذه النسخة غير السياسية من السلفية، مدفوعة جزئيا بالغزو الأميركي لأفغانستان في العام 2001، والعراق في العام 2003، ما دفع بالكثير من التونسيين إلى الانضمام للقتال ضد ما اعتبروه حربا على الإسلام. وبعد أن تمكنت تونس من سنّ قانون الإرهاب سنة 2003، وكانت حينها أغلب الاستراتيجيات الدولية تتجه إلى التركيز على الجماعات الإرهابية في العالم عقب هجمات الـ11 من سبتمبر في أميركا، أصبحت الحركات السلفية الجهادية خلايا سرية تعمل أساسا على تسفير الشباب إلى بؤر التوتر خاصة أفغانستان والعراق. وقد كانت هذه “المهمّات”، من أبرز العوامل التي ساعدت في تدريب هؤلاء السلفيين على حمل السلاح وتجسيد مبادئهم العنفية في مجال قتالي مفتوح، الأمر الذي أكسبهم خبرة في القتال والتنظيم والاستقطاب العقائدي، وهو ما يفسّره بوضوح ماهر الزغلامي، الباحث في علم الاجتماع.

الزغلامي أكد في معرض تفسيره لتعاظم قوة السلفية الجهادية، أن مرحلة ما بعد “الثورة” مثلت مناخا مناسبا لنمو هذه الحركة لتكتسب شكلا تنظيميا أكثر وضوحا، وهو تنظيم ما يعرف بـ”أنصار الشريعة” الذي أسسه سيف الله بن حسين المكنى بأبي عياض. فحركة أنصار الشريعة هي مجموعة مكونة من ثلاثة أجيال من الجهاديين التونسيين ذوي الخلفيات والخبرات المختلفة. ذلك أن جيل الجهاديين الذين انضموا إلى تنظيم القاعدة في أفغانستان أو في أوروبا في تسعينات القرن الماضي، والذين كان قد تم تسليمهم وحكم عليهم بالسجن في تونس وجيل من التونسيين الشباب الذين يشتبه في انضمامهم إلى الجهاد العراقي بعد الغزو الأميركي للعراق في العام 2003، غالبا ما وجدوا أنفسهم مسجونين معا خلال العقد الماضي واستفادوا من سجنهم لتنظيم الحركة السلفية الجهادية والتي سيطلق عليها في ما بعد “أنصار الشريعة”. وانضم جيل أصغر سنا من الشباب إلى الحركة بعد انتفاضة العام 2011، وهو جيل مرّ بتجربة “تسيّس” سريعة بفعل تحرّر المجال العام الذي تلا سقوط نظام زين العابدين بن علي وأصبحت حركة أنصار الشريعة راسخة.

وجدير بالإشارة أن الندوة التي تناولت الحركة السلفية الجهادية في تونس اختتمت أعمالها بجملة من الملاحظات حول علاج هذه الظاهرة، وقد تركز أغلبها على كيفية عكس نمو الحركات الجهادية في تونس باتجاه تنازلي، وتركزت الملاحظات حول دور الأحزاب السياسية في صرف نظر الشباب وتجنيبهه عن المواجهة العنيفة مع الدولة.

13